الاحتلال يهاجم مؤسسات تركية خيرية بزعم "أجندتها المعادية"

الناشطون الأتراك في المنظمات غير الحكومية غير مشمولين بالاتفاقيات الرسمية بين أنقرة وتل أبيب - جيتي
يتواصل التوتر بين تركيا ودولة الاحتلال على أكثر من صعيد، آخرها اتهام الأخيرة لأنقرة بإصدار جوازات سفر تسمح لنشطائها المناهضين لها بدخولها، والخروج منها، دون تأشيرة، رغم اشتراط الحصول عليها، مما يخدم عشرات المؤيدين للفلسطينيين سنوياً للعمل داخل الأراضي المحتلة.

محرر الشؤون الأمنية في مجلة "غلوبس"، دين شموئيل إلماس، ذكر أنه "بينما تتخذ تركيا موقفاً عدائياً تجاه تل أبيب، فإنها تبقى استثناءً في استمرارها عبر الحفاظ على علاقات رسمية معها، بما في ذلك سفارتها في تل أبيب، وقنصليتها في القدس، ومع ذلك، فإنها تدير في إسرائيل بصورة سرية شبكة من المنظمات غير الحكومية الإسلامية والمؤيدة للفلسطينيين".

حرية التنقل

وأضاف إلماس في تقرير ترجمته "عربي21" أن "هذا النشاط التركي المعادي لإسرائيل يقف خلفه نموذج فريد يسمح لجوازات سفر خاصة تصدرها تركيا لهؤلاء النشطاء بدخول إسرائيل، والخروج منها بحرية، دون الحاجة للحصول على تأشيرة، لأنه عندما يرغب مواطن تركي عادي بدخول إسرائيل، عليه التقدم بطلب للحصول على تأشيرة (B/2)، تتم معالجتها من قبل البعثات الإسرائيلية في تركيا".

وأشار إلماس إلى أنه "رغم الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، تُرسل إسرائيل دبلوماسيين إلى إسطنبول، ثم تُغادرها سريعاً، لتقديم الخدمات القنصلية، والالتقاء بالصحفيين والأكاديميين، واستطلاعات الرأي العام، وفي المقابل، يعمل الدبلوماسيون الأتراك باستمرار من تل أبيب والقدس".

وأكد إلماس أن "هذا النشاط يعتمد على جوازات سفر دبلوماسية تُتيح حرية التنقل بحكم المنصب الحكومي، بجانب جوازات سفر الخدمة التي يستخدمها مسؤولون مثل حراس الأمن والإداريين، كما هو مُعتاد في البعثات الدبلوماسية".

وأشار إلماس إلى أن "دور جواز السفر التركي يبرز في هذه المرحلة، فبجانب جوازات السفر العادية (الحمراء) والدبلوماسية (السوداء) وجوازات سفر الخدمة (الرمادية)، تُصدر تركيا جواز سفر أخضر مُخصصاً رسمياً للموظفين المدنيين والوزراء ورؤساء البلديات، الحاليين والسابقين".

وأوضح أنه "علاوة على ذلك، لا تُخفي في وثائقها الرسمية أن جوازات السفر هذه تُوزع على نطاق أوسع بكثير من الإطار المُعتمد، وتُمنح أيضاً لموظفي المؤسسات الدولية والأكاديميين وأعضاء الهلال الأحمر التركي والصحفيين".

ثغرة أمنية

وأكد إلماس أنه "من الناحية العملية، تتسبب هذه الآلية بثغرة أمنية لإسرائيل، فالناشطون في المنظمات غير الحكومية غير مشمولين بالاتفاقيات الرسمية بين إسرائيل وتركيا، ولكن بفضل هذه الجوازات، يتمكنون من دخول إسرائيل والخروج منها دون أي مشاكل".

وأضاف أنه "في القدس وحول المسجد الأقصى، تعمل منظمة "ميراسيميز" ("تراثنا") تحت غطاء "المساعدات الإنسانية"، وتشمل توزيع الطعام، والتبرعات على المؤسسات التعليمية والطبية، وكغيرها من المنظمات التركية في المدينة، تُدار أنشطتها برعاية حكومية، وتتماشى تماماً مع النظام، فيما يتجاوز حجم النشاط التركي في القدس، بقيادة وكالة المساعدة الحكومية- تيكا، 40 مليون دولار سنوياً".

وأشار إلى أنه "رغم الغموض الذي يكتنف مصادر التمويل، تُظهر هذه المنظمات التركية حضوراً مكثفاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وتوثّق أنشطتها في القدس، فقد نشرت جمعية "ميراسيميز" وثائق من المدينة على إنستغرام تحت عنوان "القرآن الكريم يُحدثنا عن حقوق الأيتام"".

ونُقل عن الخبير الإسرائيلي في الشؤون التركية حاي إيتان كوهين يانروجاك، زعمه أن موقف الحكومة التركية من المنظمات غير الحكومية يعتمد على أنشطتها، فإذا ساهمت المنظمة في أجندة الحكومة، فإنها ستستفيد من المساعدة والدعم، لكنها إذا عملت ضد التيار السائد في الدولة التركية، فقد تجد نفسها في مأزق، وفي هذا السياق، تُعتبر المنظمات غير الحكومية في القدس أداةً في يد الحكومة، وتحظى بدعمها.

أذرع سياسية

وأشار إلماس إلى أنه "من أبرز الأذرع الثقافية في أنقرة "مؤسسة يونس إمره"، التي تدير مراكز في القدس والضفة تحت رعاية القنصلية التركية، التي تُعتبر سفارةً بحكم الأمر الواقع في "دولة فلسطين"، وتُنظم المؤسسة فعاليات ثقافية ومبادرات تعليمية، بجانب دروس في اللغة التركية، وقد التحق نحو 500 طالب فلسطيني بها في أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة".

وأكد أن "هناك منظمة "جمعية متطوعي القدس" (قدس دار)، وهي غير ربحية، وتهدف لمعالجة "قضية القدس"، لكن من الواضح عملياً أن جزءاً كبيراً من نشاطها مُركز على قطاع غزة، ولا تُخفي دعمها لـ"نضال الفلسطينيين من أجل الحرية"، وتُعارض "الاحتلال الصهيوني"، وتتبنى شعار "من النهر إلى البحر"".

وأضاف إلماس، أنه "على عكس منظمة "ميراسيمز"، لا تكاد توجد أي أدلة على وجود منظمة (قدس دار) الفعلي في القدس عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، مقارنةً بنشاطها البارز في غزة، الذي يشمل، من بين أمور أخرى، إدارة مركز طبي في دير البلح".

وختم إلماس بالقول إن "هناك منظمات أخرى تعمل عن بُعد، وتُمارس أنشطةً مكثفة في ساحة القدس؛ ففي إسطنبول، تتخذ منظمة "أمة وقفي" من ساحة الفاتح مقراً لها، وتُركز على أنشطة واسعة النطاق في القدس، تشمل التبرعات للمؤسسات التعليمية، وتوزيع الطعام، وتقديم وجبات الإفطار، والمساعدة الطبية، ورغم أن مركز ثقل المنظمة يقع في تركيا، فإن نشطاءها يصلون الميدان، ويُشاهدون بساحة الأقصى، ويرتدون سترات رسمية".

لا يترك الاحتلال زاوية أو ثغرة إلا ويستغلها للتحريض ضد تركيا، وهذه المرة من جانب المنظمات غير الحكومية التي تقدم مساعدات إغاثية للفلسطينيين، وتعمل بصورة نظامية ورسمية، لكن الاحتلال يزعم أنها إحدى أدوات القوة الناعمة لتركيا في الأراضي المحتلة، وتمنحها مزيداً من النفوذ والدعم والتأييد.