تتعامل
إيران مع مضيق
هرمز باعتباره ورقة الضغط الأبرز في أي مسار تفاوضي محتمل مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لدفع واشنطن إلى العودة إلى تفاهم سابق انهار بعد توقيعه بفترة وجيزة، وضمان تنفيذ التعهدات الاقتصادية والسياسية التي تضمنها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "
نيويورك تايمز" للكاتب ستيفن إيرلانغر، فإن المطالب التي طرحتها طهران مؤخرا بشأن إعادة فتح المضيق تتطابق إلى حد كبير مع بنود كانت
الولايات المتحدة قد وافقت عليها في مذكرة تفاهم وقعت في 17 حزيران/يونيو، قبل أن تنهار سريعا.
وترى طهران أن الاحتفاظ بالسيطرة على المضيق، ولو بصورة جزئية، يمنحها أفضل فرصة لإجبار ترامب على الوفاء بالتزاماته السابقة، ولذلك لا تبدو مستعدة للتخلي عن هذه الورقة قبل الحصول على ضمانات واضحة بشأن ما تعتبره مكاسب اقتصادية وأمنية مستحقة.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الإيرانية
ويرى محللون أن إبقاء مضيق هرمز مغلقا إلى حد كبير يمنح إيران وسيلة لمنع ترامب من إعلان تحقيق "انتصار" سياسي في المواجهة، كما يساهم في إبقاء أسعار الطاقة مرتفعة، وهو ما يزيد الضغوط على دول الخليج التي تعتمد على حركة الملاحة عبر المضيق لتصدير الطاقة.
وقال إسفنديار باتمانغليج، مؤسس مؤسسة "بورس آند بازار" المتخصصة في أبحاث الدبلوماسية الاقتصادية، إن مستوى انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة مرتفع إلى درجة تجعل طهران راغبة في الحصول على الإغاثة الاقتصادية التي وعدت بها، بما يسمح لها بتمويل جهود إعادة الإعمار، قبل التخلي عن ورقة المضيق.
وأوضح باتمانغليج، بحسب "نيويورك تايمز"، أن المسؤولين الإيرانيين يخشون من أن يؤدي فتح المضيق إلى منح ترامب فرصة للخروج من المواجهة من دون الحاجة إلى استكمال التفاهمات التي جرى التوصل إليها.
وأضاف أن طهران تريد استخدام المضيق كـ"آلية التزام" تضمن تنفيذ الإدارة الأمريكية لبنود مذكرة التفاهم.
من جانبه، وصف علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، مضيق هرمز بأنه أشبه بـ"سيف ديموقليس" معلق فوق ترامب، في إشارة إلى ورقة الضغط التي تستطيع طهران استخدامها لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات.
وقال فايز إن إيران تريد الحصول على المكاسب التي تحتاج إليها مسبقا، من دون التخلي عن أهم أوراق نفوذها، وفي مقدمتها السيطرة على مضيق هرمز.
ترامب يراهن على الضائقة الاقتصادية
في المقابل، قال ترامب، في حديث لموقع "أكسيوس" الأحد، إنه يعتقد أن إيران ستعود في نهاية المطاف إلى طاولة التفاوض تحت ضغط الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم.
ولم يوجه الرئيس الأمريكي تهديدا جديدا باللجوء إلى القوة العسكرية ضد طهران، مكتفيا بالقول: "نحن نتعامل بهدوء".
وتأتي هذه التصريحات في وقت تحاول فيه إيران اختبار مدى استعداد الإدارة الأمريكية للعودة إلى التفاهم السابق، بعدما انهارت معظم بنوده خلال أسابيع من توقيعه، وهو ما دفع ترامب إلى الإعلان في وقت سابق أن الاتفاق "انتهى".
ماذا تريد طهران؟
وكان محمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قد حدد السبت مجموعة من المطالب التي اعتبرتها طهران شروطا لإعادة فتح مضيق هرمز.
وتشمل المطالب رفع الحصار البحري والعقوبات المفروضة على صادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية، وسحب القوات الأمريكية من محيط إيران، ودفع تعويضات عن الحرب، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
كما تطالب طهران بوقف الهجمات على حلفائها في المنطقة، بما في ذلك لبنان، وإنهاء التهديدات الموجهة إليها.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن جميع هذه المطالب تقريبا، باستثناء التعويضات، كانت مدرجة في مذكرة التفاهم المكونة من 14 نقطة التي وقعت في حزيران/يونيو.
ويرى فايز أن مطلب التعويضات ليس جديدا في الخطاب الإيراني، مشيرا إلى أن مسؤولين إيرانيين سبق أن طرحوا القضية في وسائل الإعلام المحلية باعتبارها ورقة تفاوضية تهدف إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من تخفيف العقوبات الأمريكية.
تفاهمات مع عمان
وفي موازاة ذلك، تجري إيران محادثات مع سلطنة عمان بشأن آلية تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز في حال التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة فتحه.
وقال فايز إن المفاوضات الإيرانية - العمانية بشأن حركة المرور عبر المضيق قطعت شوطا كبيرا، لكنه أوضح أن طهران تربط تنفيذ أي اتفاق بشأن الملاحة باستعادة مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وهو ما يستدعي مفاوضات إضافية بين طهران وواشنطن.
بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إن المحادثات مع سلطنة عمان بشأن مضيق هرمز "تتقدم بشكل جيد" وإنها وصلت إلى مراحلها النهائية، بينما يعمل الخبراء على إعداد الخرائط اللازمة.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن التوصل إلى اتفاق مع عمان لا يعني تلقائيا إعادة فتح المضيق، موضحا أن القرار النهائي سيظل مرتبطا بتحقيق الشروط التي تنقلها طهران عبر الوسطاء.
انقسام داخل إيران
ولا تخلو المواقف داخل إيران نفسها من خلافات بشأن الطريقة المثلى للتعامل مع المرحلة المقبلة.
وقالت صنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز تشاتام هاوس البحثي في لندن، إن جزءا من الالتباس الحالي يعود إلى وجود انقسامات داخل النظام الإيراني بشأن كيفية المضي قدما.
وأوضحت، وفق "نيويورك تايمز"، أن بعض المسؤولين الإيرانيين يرون أن الدبلوماسية تمثل الطريق الأفضل لإعادة بناء الاقتصاد، في حين يعتقد المتشددون أن الحفاظ على أوراق القوة والنفوذ أهم من تقديم تنازلات اقتصادية، خصوصا مع اعتقادهم بأن ترامب قد لا يكون مستعدا لاستئناف الحرب.
وترى وكيل أن طهران تنظر كذلك إلى وجود انقسامات داخل واشنطن بشأن كيفية التعامل معها، بين مسؤولين يدفعون باتجاه الدبلوماسية وآخرين يطالبون بمواصلة الضربات العسكرية، بينما يتبنى ترامب خطابا متقلبا بين المسارين.
وأضافت أن هناك من يعتقد داخل واشنطن أن فتح مضيق هرمز قد يدفع ترامب إلى الابتعاد عن الملف الإيراني برمته، وترك قضية مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب دون معالجة نهائية.
وقالت وكيل إن طهران لا تريد فتح المضيق "مجانا"، موضحة أن القضية لا تتعلق برسوم مالية، وإنما بالسيطرة والنفوذ وبقدرة إيران على التأثير في بقية عناصر أي اتفاق محتمل.
مذكرة حزيران تعود إلى واجهة التفاوض
ويرى باتمانغليج أن جوهر الموقف الإيراني يتعلق بالثقة أكثر من ارتباطه بقيمة التعويضات أو حجم التنازلات التي تطالب بها طهران.
وأوضح أن إيران كان بإمكانها طرح مطالب أكثر تشددا، لكنها اختارت محاولة العودة إلى مذكرة التفاهم السابقة باعتبارها قاعدة يمكن البناء عليها للوصول إلى نهاية دائمة للحرب.
وقال إن المسألة الأساسية بالنسبة إلى إيران ليست قيمة الامتياز المحدد، وإنما ما تستطيع الولايات المتحدة فعله لإثبات قدرتها على تنفيذ الالتزامات التي تتعهد بها.
وفي هذا السياق، اعتبرت وكيل أن مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران تمثل "الأرضية" التي يمكن أن يبني عليها الطرفان أي اتفاق جديد، لكنها شددت على أن الوصول إلى تسوية لا يزال بعيدا.
وبذلك، يتحول مضيق هرمز من مجرد ملف مرتبط بالملاحة والطاقة إلى ورقة تفاوضية مركزية في المواجهة بين واشنطن وطهران، في وقت تحاول فيه إيران الموازنة بين الحاجة إلى تخفيف العقوبات وإعادة الإعمار، والحفاظ على أدوات الضغط التي تتيح لها انتزاع ضمانات من الإدارة الأمريكية.
وتبدو معادلة طهران واضحة: لا فتح كاملا للمضيق من دون مقابل، ولا عودة إلى التفاهمات السابقة من دون ضمانات بشأن تنفيذها. وفي المقابل، تراهن واشنطن على الضغوط الاقتصادية لدفع إيران إلى تقديم تنازلات. وبين الحسابين، يبقى مستقبل مضيق هرمز مرتبطا بمسار تفاوضي لم تتضح بعد ملامحه النهائية.