طالب الرئيس الأمريكي، دونالد
ترامب،
إيران بدفع تعويضات عن جميع "من قتلتهم والذين ألحقت بهم أضرارا بالغة".
ما اللافت في الأمر؟
تكمن المفارقة أن إيران هي من تطالب بالتعويضات عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها منذ اليوم الأول للحرب، لكن يبدو أن الأمر راق للرئيس الأمريكي فطالب هو أيضا بالتعويض.
وكتب ترامب على منصة تروث سوشال "إنها فكرة مثيرة للاهتمام لأنني الآن أطالب بدوري إيران بتعويضات عن جميع الأشخاص الذين قتلتهم والذين ألحقت بهم إصابات بالغة من خلال عبواتها الناسفة على جوانب الطرق وفي العديد من الصراعات".
تعويضات عن ماذا؟
أشار ترامب إلى تفجير المدمرة الأمريكية (كول) المزودة بصواريخ موجهة في ميناء يمني في عام 2000، وطالب إيران بدفع تعويضات نتيجة الهجوم، رغم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ينسب التفجير لتنظيم القاعدة.
وأضاف ترامب أن على طهران أيضا دفع تعويضات لأسر آلاف الأشخاص الذين قتلوا خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في كانون الثاني/ يناير الماضي.
كما يطالب ترامب إيران بتعويض عن الأضرار في كل من لبنان، وسوريا، واليمن، وغزة.
الصورة الأوسع
تصر إيران منذ بدء الحرب، وفي البيان الأول لمرشدها الجديد، مجتبى
خامنئي، على أن تدفع الولايات المتحدة ودولة
الاحتلال الإسرائيلي تعويضا لإيران عن أضرار الحرب.
ويرتبط دفع التعويضات في حالة الحروب بالاعتداءات غير المشروعة للدول على بعضها البعض، وهو ما تريد طهران التأكيد عليه بمطالبتها المتكررة بالتعويض.
وقال خامنئي في بيان تلته مذيعة على التلفزيون الرسمي "سنطالب العدو بالتعويضات ، وإن امتنع فسنأخذ من أمواله بقدر ما نراه مناسبا، وإن لم يتيسر ذلك فسندمر من ممتلكاته بالمقدار نفسه".
قطر أيضا
من جانبها، صعدت دولة قطر تحركاتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة، مطالبة طهران بتحمل مسؤولياتها القانونية ودفع تعويضات كاملة عن الأضرار التي لحقت بها جراء الهجمات الأخيرة.
ما هي التعويضات عن الحروب؟
دوليا، لا يوجد أي قانون للتعويض عن الحروب، لكن هناك وثيقة أممية لتقنين قواعد
مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة، وهي وثيقة صاغتها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة.
على ماذا تنص؟
وفقاً لوثيقة "مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة" لعام 2001، تلتزم الدولة المعتدية بتقديم "
جبر كامل" (Full Reparation) للضرر، ويتخذ ذلك ثلاثة أشكال قانونية:
الرد (Restitution)
هو الالتزام بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الغزو (ما لم يكن ذلك مستحيلاً مادياً). ويشمل ذلك؛ إخلاء الأراضي المحتلة، وإعادة الممتلكات الثقافية أو الأصول المالية المنهوبة، وإطلاق سراح المحتجزين.
التعويض (Compensation)
إذا لم يحقق "الرد" جبراً كاملاً للضرر، تلتزم الدولة بدفع تعويضات مالية تغطي أي ضرر يمكن تقييمه اقتصادياً. ويشمل ذلك؛ الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والممتلكات العامة والخاصة، والخسائر البشرية من وفيات وإصابات، والتعويض عن تعطل الأنشطة الاقتصادية خلال فترة الحرب.
الترضية (Satisfaction)
وتُستخدم للأضرار المعنوية التي لا يمكن تقييمها بالمال. وتشمل؛ الاعتراف الرسمي بالانتهاك، الإعراب عن الأسف أو تقديم اعتذار رسمي، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات قضائياً.
هل هي ملزمة؟
لا، ليست هذه القواعد ملزمة دوليا لأنها ليست معاهدة توقع عليها الدول، لكنها مرجع يستشهد به في المحاكم الدولية مثل محكمة العدل الدولية على سبيل المثال، وبمجرد أن توردها المحكمة في حكمها على دولة ما، تصبح واجبة النفاذ.
مع ذلك، لا تعترف الولايات المتحدة بأي قرارات تمسها أو تمس "إسرائيل" بدعوى أنها مسيسة.
وفي عام 2018 انسحبت واشنطن من اتفاقيتين دوليتين بعدما اشتكت إيران والفلسطينيون في محكمة العدل الدولية من سياسات أمريكية.
وندد مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك جون بولتون بمحكمة العدل الدولية واصفا إياها بأنها "مسيسة وغير فعالة" وأعلن أن واشنطن ستراجع كافة الاتفاقيات الدولية التي قد تعرضها لقرارات ملزمة من جانب محكمة العدل.
هل فعلتها واشنطن سابقا؟
قطعا لا، لم تدفع الولايات المتحدة تاريخيا أي أموال بسبب اعتداء "غير مشروع" أو "غزو" لبلد ما، لكنها دفعت أموالا خلال تسويات ومعاهدات لإنهاء حروب في واقعتين تاريخيتين دون أن يعتبر ذلك تعويضا صريحا.
الحرب المكسيكية الأمريكية 1848
تنص المادة 14 من معاهدة "غوادالوبي هيدالغو" بين البلدين على أنه "نظرا للامتداد الذي حصلت عليه حدود الولايات المتحدة، كما هو معرف في المادة الخامسة من هذه المعاهدة، تتعهد حكومة الولايات المتحدة بدفع مبلغ خمسة عشر مليون دولار لحدود جمهورية المكسيك".
وبهذا تكون الولايات المتحدة دفعت أموالا مقابل أراض احتلتها ولم تعدها إلى المكسيك، وليس تعويضا مباشرا أو ردا للأراضي.
الحرب الأمريكية الإسبانية 1898
بموجب
معاهدة باريس 1898 لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا، تعهدت الولايات المتحدة بدفع عشرين مليون دولار لإسبانيا مقابل أن تتنازل إسبانيا للولايات المتحدة عن الأرخبيل المعروف باسم جزر الفلبين.
كما تتخلى إسبانيا بحسب المعاهدة عن المطالبة بالسيادة والملكية على كوبا، وتتنازل للولايات المتحدة عن جزيرة بورتو ريكو وجزر أخرى أصبحت تحت السيادة الإسبانية في جزر الهند الغربية، وجزيرة غوام في جزر ماريانا أو لادرونز.
وبهذا أيضا تكون واشنطن دفعت أموالا مقابل التنازل عن أراض، ومناطق نفوذ وسيطرة.
أشهر التعويضات الدولية
فرضت معاهدة فرساي (1919) تعويضات ضخمة على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وقدّرت لجنة التعويضات مبلغًا نهائيًا بنحو 132 مليار مارك ذهبي.
كما أعقب "الهولوكوست" اتفاق لوكسمبورغ (1952) بين ألمانيا الغربية و"إسرائيل" و"جمعية مطالبات اليهود"، مما أدى إلى دفع ألمانيا لتعويضات تراكميّة تجاوزت 80 مليار يورو حتى الآن.
وبعد حرب الخليج الثانية (1990–1991)، أسّس مجلس الأمن لجنة تعويض أمميّة، حيث دفعت العراق 52.4 مليار دولار للكويت.
كما تطالب إيران بتعويضات من العراق إثر حرب السنوات الثمانية بين البلدين (1980–1988)، حيث يُقدر المبلغ المطلوب بنحو 1.1 تريليون دولار، لم تدفع العراق منه شيئا.
ماذا ننتظر؟
لا يبدو أن ترامب يبحث عن تعويضات حقيقية من إيران، ويحاول من الضغط إقناع إيران بالعدول عن شرط التعويضات من أجل الوصول لاتفاق لإنهاء الحرب.
كما لا يبدو أن الولايات المتحدة ستدفع الآن، أو مستقبلا، أي أموال لإيران جراء الأضرار التي لحقت في البلاد بسبب العدوان عليها، وإذا ما لجأت طهران إلى المحاكم الدولية، فلا يبدو أنها ستفلح بإقناع واشنطن بالاستجابة.