اتهامات لواشنطن بالتدخل في السياسة البريطانية عبر منحة بـ500 ألف دولار

لا تظهر في الوثائق المنشورة أدلة على أن المنحة مخصصة لتمويل حزب سياسي بريطاني أو حملة انتخابية.. غيتي
أثارت منحة أمريكية تصل قيمتها إلى 500 ألف دولار لتمويل برامج "التعليم العام" والمشاركة المدنية في بريطانيا جدلا سياسيا، بعدما اتهم نواب ومسؤولون سابقون في وزارة الخارجية الأمريكية إدارة الرئيس دونالد ترامب بمحاولة التأثير في النقاش العام البريطاني وترويج أفكار تتقاطع مع خطاب حركة "ماغا" (MAGA).

وتطرح السفارة الأمريكية في لندن، عبر برنامج يحمل اسم "الحرية في ظل القانون: التقليد الأنغلو ـ أمريكي المشترك"، منحا لتمويل مشروعات تهدف إلى تعميق فهم الجمهور البريطاني للتقاليد القانونية والدستورية المشتركة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وتنص وثائق البرنامج المنشورة على موقع الحكومة الأميركية على أن إجمالي التمويل يبلغ 500 ألف دولار، مع إمكانية تقديم ما يصل إلى ثلاث منح تتراوح قيمة الواحدة منها بين 100 ألف و500 ألف دولار.

وتدعو السفارة إلى تقديم مقترحات لمشروعات "مبتكرة وعالية الظهور" في مجال التعليم العام والمشاركة المدنية، على أن تسهم في تعزيز "حوار وطني" حول ما تصفه الوثائق بـ "القيم الحضارية المشتركة" التي تقوم عليها العلاقات الأميركية البريطانية.

"حرية التعبير" و"الحكومة المحدودة"


وتشير وثائق المنحة إلى أن الأولوية ستعطى لمبادرات تربط مبادئ من بينها حرية التعبير، والإجراءات القانونية الواجبة، والمحاكمة أمام هيئة محلفين، والحكومة المحدودة، وسيادة القانون، وحقوق الملكية، والضرائب بموافقة المواطنين، و"الحرية المنظمة" بالحياة المدنية المعاصرة.

كما تشترط على المشروعات المقترحة إظهار أثر قابل للقياس على الخطاب العام والتغطية الإعلامية والمشاركة المدنية فيما يتعلق بسيادة القانون والمعايير الديمقراطية.

وتربط السفارة البرنامج بالذكرى السبعين في العام المقبل لإقامة النصب التذكاري للماغنا كارتا في رونيميد، وهو النصب الذي كشفت عنه رابطة المحامين الأميركيين عام 1957.

وتؤكد الوثائق أن رابطة المحامين الأميركيين ليست الجهة التي تدير برنامج المنح.

وأثار اختيار هذه الموضوعات انتقادات في بريطانيا، خصوصا أن مصطلحات مثل "حرية التعبير" و"الحكومة المحدودة" باتت تحتل موقعا مركزيا في الخطاب السياسي المحافظ في الولايات المتحدة، بما في ذلك خطاب حركة "ماغا" المؤيدة لترامب.

نائبة بريطانية: لا نحتاج إلى "أموال ماغا"


وقالت النائبة عن الحزب الديمقراطي الليبرالي ليزا سمارت، المتحدثة باسم حزبها لشؤون مكتب مجلس الوزراء، إن بريطانيا لا تحتاج إلى الأموال الأمريكية للترويج لقيم الحرية وسيادة القانون.

وأضافت، بحسب ما نقلته صحيفة "الغارديان"، أن الماغنا كارتا هدفت إلى الحد من سلطات الحكام وإخضاع الجميع لسيادة القانون، متهمة ترامب بإظهار "ازدراء مطلق" لهذه المبادئ.

وقالت سمارت إن بريطانيا لديها "تقليد عريق في الحرية وحرية التعبير"، مضيفة أنها لا تحتاج إلى "أموال ترامب وماغا للتدخل في ديمقراطيتنا".

وتأتي تصريحات النائبة في وقت تتزايد فيه حدة الخلافات بين إدارة ترامب وعدد من الحكومات والمؤسسات الأوروبية بشأن قضايا سياسية وقانونية، بينها الهجرة، وتنظيم منصات التواصل الاجتماعي، وحرية التعبير.

السفارة الأمريكية ترد


من جانبها، دافعت السفارة الأمريكية في لندن عن البرنامج، وقالت إن المبادرة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين وتعميق فهم المبادئ الدستورية وسيادة القانون والمعايير الديمقراطية التي تقوم عليها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وأكدت السفارة أن التمويل لا يستهدف النشاط السياسي الحزبي أو ممارسة الضغط السياسي.

وردت السفارة أيضا على اتهامات "التدخل"، بالإشارة إلى أن إدارة ترامب أوقفت ما وصفته بإنفاق إدارة الرئيس السابق جو بايدن على مشاريع أيديولوجية خلافية، مثل "العدالة المناخية"، ونشاطات حقوق المثليين، ومبادرات التوظيف القائمة على العرق.

ويعكس رد السفارة توجه الإدارة الحالية إلى إعادة توجيه برامج الدبلوماسية العامة الأمريكية بما يتوافق مع أولوياتها السياسية، بدلا من البرامج التي ارتبطت بأجندات إدارة بايدن.

مسؤولون أمريكيون سابقون يبدون مخاوف


ولم تقتصر الانتقادات على الجانب البريطاني. فبحسب "الغارديان"، أعرب مسؤولون حاليون وسابقون في وزارة الخارجية الأمريكية عن مخاوفهم من الصياغة المستخدمة في برامج التمويل الجديدة.

وقال أحد المسؤولين السابقين إن دعم برامج الدبلوماسية العامة التي تسلط الضوء على العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة وبريطانيا ليس أمرا غير معتاد، لكنه اعتبر تخصيص التمويل لموضوعات مرتبطة ب "رؤية ضيقة لشعار أمريكا أولا" أمرا غير مألوف.

واتهم المسؤول إدارة ترامب بمحاولة "إنشاء سرديات بريطانية المنشأ لدعم دعاية ماغا".

كما أثار مسؤولون سابقون تساؤلات بشأن برنامج آخر للمنح تديره السفارة الأمريكية في لندن ضمن قسم الدبلوماسية العامة.

برنامج منفصل يدعو إلى دعم السياسات الأمريكية


وتكشف وثائق البرنامج السنوي للدبلوماسية العامة في السفارة عن مسار تمويلي منفصل تبلغ قيمته الإجمالية 230 ألف دولار، ويستهدف دعم مشروعات في مجالات تشمل تعزيز الازدهار الأمريكي والمرونة الاقتصادية البريطانية، وتعزيز التعاون الدفاعي، ومواجهة المنافسة الصينية.

كما تدعو الوثائق إلى مشروعات تهدف إلى زيادة الدعم البريطاني لبعض السياسات الأمريكية، بما في ذلك "ضمان دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".

وقال مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية لـ "الغارديان" إن لغة برامج الدبلوماسية العامة كانت في السابق تركز على "زيادة فهم السياسة الأمريكية"، بينما أصبحت الصياغة الحالية أكثر مباشرة في الدعوة إلى إقناع الجمهور بتأييد السياسة الأميركية.

وأضاف أن السعي إلى زيادة الدعم لإسرائيل في دولة ثالثة أمر "غير معتاد".

المنحة تأتي وسط خطة أمريكية بملايين الدولارات


وتأتي المنحة الجديدة في سياق أوسع من الدعم الأمريكي لمنظمات بريطانية محافظة.

وكانت "الغارديان" قد كشفت الشهر الماضي، استنادا إلى وثائق حكومية أمريكية مسربة، عن خطط لإدارة ترامب لتقديم نحو 12 مليون دولار لمنظمات بريطانية مرتبطة بشخصيات محافظة بارزة، بينها وزير المحافظين السابق جاكوب ريس-موغ والناشط المحافظ توبي يونغ.

وبحسب الوثائق التي أوردتها الصحيفة، تشمل الخطة تمويل منظمات مرتبطة بشخصيات شاركت في حملات سياسية بريطانية بارزة، في إطار حزمة دعم أميركية لجماعات أوروبية تعتبرها إدارة ترامب متوافقة مع توجهاتها.

وتختلف هذه الأموال عن منحة "الحرية في ظل القانون" وعن برنامج الدبلوماسية العامة السنوي، إلا أن توقيتها ساهم في زيادة التساؤلات حول توجهات إدارة ترامب تجاه المجال السياسي والفكري في بريطانيا.

لا تمويل حزبي بحسب الوثائق


وتؤكد وثائق برنامج "الحرية في ظل القانون" أن التمويل لا يهدف إلى دعم النشاط السياسي الحزبي أو ممارسة الضغط السياسي.

كما أن الجهات المؤهلة للتقدم تشمل منظمات غير ربحية ومؤسسات تعليمية وجمعيات خيرية وجهات لديها خبرة في تنفيذ برامج تتعلق بالعلاقات الأميركية البريطانية.

وبالتالي، لا تظهر في الوثائق المنشورة أدلة على أن المنحة مخصصة لتمويل حزب سياسي بريطاني أو حملة انتخابية.

لكن منتقدي البرنامج يرون أن طبيعة الأهداف المطلوبة، خصوصا التركيز على التأثير في الخطاب العام والتغطية الإعلامية والمشاركة المدنية، تجعل التمويل يتجاوز مجرد التعريف بالتاريخ الأميركي البريطاني إلى محاولة التأثير في النقاش العام البريطاني.

خلفية من الخلاف الأمريكي الأوروبي


وتأتي هذه التطورات في ظل خلافات متزايدة بين إدارة ترامب وعدد من الحكومات والمؤسسات الأوروبية بشأن ملفات الهجرة وتنظيم الإنترنت وحرية التعبير والسياسات الاجتماعية.

كما تبنى مسؤولون في الإدارة الأمريكية خلال الفترة الماضية مواقف حادة تجاه سياسات أوروبية وبريطانية، بينما أقام ترامب وحلفاؤه علاقات وثيقة مع أحزاب وحركات يمينية ومحافظة في عدد من الدول الأوروبية.

وتقول إدارة ترامب إن سياستها تهدف إلى الدفاع عن الحريات الأساسية والمصالح الأمريكية، بينما يرى منتقدوها أنها تستخدم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية لدعم تيارات سياسية تتبنى رؤية محافظة مشتركة مع البيت الأبيض.

جدل حول حدود "الدبلوماسية العامة"


ويعيد البرنامج الأمريكي إلى الواجهة نقاشا قديما حول حدود الدبلوماسية العامة. فتمويل برامج تعليمية وثقافية في الدول الحليفة يعد ممارسة شائعة لدى الحكومات، كما أن الولايات المتحدة تستخدم منذ عقود المنح والتبادلات الأكاديمية والثقافية لتعزيز صورتها ومصالحها في الخارج.

لكن الجدل الحالي يرتبط بطبيعة الموضوعات التي اختارت إدارة ترامب دعمها، وبالهدف المعلن المتمثل في إحداث أثر على "الخطاب العام" و"التغطية الإعلامية" و"المشاركة المدنية".

ويرى منتقدون أن هذا النهج قد يمثل انتقالا من مجرد شرح السياسة الأمريكية إلى محاولة تشكيل مواقف الرأي العام البريطاني تجاه قضايا سياسية محددة.

في المقابل، تقول واشنطن إن البرنامج يركز على مبادئ دستورية وقانونية مشتركة بين البلدين، وإنه لا يستهدف النشاط الحزبي.

وبينما لم تحدد السفارة حتى الآن الجهات التي ستحصل على التمويل، فإن اختيار المستفيدين وطبيعة المشروعات التي ستنفذها ستكون مؤشرات رئيسية على مدى ارتباط البرنامج فعليا بأجندة إدارة ترامب السياسية.

وفي انتظار ذلك، تبقى المنحة البالغة 500 ألف دولار أحدث حلقة في سلسلة من التحركات الأميركية التي تعيد طرح سؤال حساس في بريطانيا: هل تستخدم إدارة ترامب الدبلوماسية العامة لبناء تفاهم مع حليفها البريطاني، أم لتوسيع نفوذها السياسي والفكري داخل النقاش العام البريطاني؟