بعد أكثر من خمسة أشهر على الحرب التي شنتها
الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ضد
إيران، تتزايد المؤشرات على أن القوة الصاروخية الإيرانية لم تفقد فاعليتها كما كان متوقعا، بل تمكنت من مواصلة تنفيذ هجمات استهدفت قواعد ومنشآت عسكرية ونفطية في المنطقة.
وفي
تقرير موسع، ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" العوامل التي ساعدت طهران على الحفاظ على قدراتها الصاروخية، رغم مئات الضربات الأمريكية، والتحديات التي تواجه واشنطن في احتواء هذا التهديد.
وأشارت الصحيفة أن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أعلن، بعد وقت قصير من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في أواخر شباط/فبراير، أن من بين أهداف العملية "تدمير الصواريخ الهجومية الإيرانية وتدمير قدرات إنتاج الصواريخ الإيرانية".
ولفتت إلى أنه بعد مرور خمسة أشهر ومئات الهجمات الأمريكية، تمكنت إيران من الحفاظ على فعالية قوتها الصاروخية، وواصلت شن ضربات بدت دقيقة على أهداف في أنحاء المنطقة.
فعالية الصواريخ الإيرانية رغم القصف
وتسببت موجات الصواريخ الإيرانية في مقتل أمريكيين داخل ثكناتهم في الأردن، كما نفذت ضربات متكررة على مبان داخل قواعد رئيسية في الكويت والبحرين، واستهدفت منشآت في السعودية وقطر، ويبدو أنها استفادت من خبراتها السابقة خلال فترات القصف المكثف في شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل.
وبحسب الصحيفة، رأى مراقبون أن وقف إطلاق النار الهش الذي ساد في نيسان/أبريل، إلى جانب محدودية الحملة الأمريكية الأقل كثافة خلال الأسابيع الأخيرة، والتي ركزت في معظمها على جنوب إيران، منحا أطقم الصواريخ الإيرانية فرصة للعمل بصورة أكثر منهجية، كما أن غياب دولة الاحتلال عن أحدث جولات القتال خفف من حجم الضغوط المفروضة عليها.
وفي هذا السياق، قالت نيكول غراجيوسكي، الخبيرة في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية: "من الأسهل عليك إطلاق النار إذا لم تكن تتعرض لإطلاق نار في المقابل، إنهم ليسوا مضطرين لنقل منصات الإطلاق بسرعة من مكان لآخر، ولذا فإن بيئة العمليات أصبحت أكثر ملاءمة لهم بكثير".
واشنطن أمام خيارات صعبة
خلال عطلة نهاية الأسبوع، توقفت المعارك مؤقتا بينما حاول وسطاء منع الأطراف المتحاربة من العودة إلى مواجهة شاملة، رغم تهديد الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب في أواخر الأسبوع الماضي بالتصعيد وشن "هجوم هائل" على إيران.
وأضافت الصحيفة أن القادة الأمريكيين، وهم يدرسون خياراتهم المقبلة، سيكون عليهم مراعاة عدة عوامل، من بينها حجم مخزوناتهم الصاروخية، وخاصة الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن اللازمة لمنع الهجمات الإيرانية من إلحاق مزيد من الأضرار.
كيف استعادت إيران قدراتها؟
خلال الفترة الممتدة بين 28 شباط/ فبراير و8 نيسان/ أبريل، ركزت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال على تعقب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وتدميرها، كما عمدتا إلى إغلاق مداخل القواعد الصاروخية الضخمة تحت الأرض في محاولة لحبس الأطقم داخلها، في وقت كانت فيه الطائرات المسيّرة والمقاتلات في حالة تأهب دائم لاستهداف أي منصة يتم رصدها.
لكن غراجيوسكي أوضحت أن المهندسين الإيرانيين أصبحوا قادرين على تعويض خسائرهم بسرعة عبر إعادة فتح تلك القواعد المدفونة، مضيفة: "إنهم بلا شك لا يزالون يشكلون تهديدا".
الدقة والدعم الخارجي
نقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن من الصعب تحديد جميع الأسباب التي ساعدت إيران على الحفاظ على فعالية قوتها الصاروخية، لأن بعض هذه العوامل لا يعرفها سوى المقاتلين أنفسهم، بما يشمل التغييرات في العتاد وبيئة الحرب الإلكترونية، فضلا عن حصول طهران على دعم في مجالي تحديد الأهداف والملاحة من دول أخرى، بينها معلومات استخباراتية روسية.
كما أشار التقرير إلى أن حجم استخدام الولايات المتحدة وحلفائها للصواريخ الاعتراضية قد يكون عاملا مؤثرا أيضا، بعد تقارير تحدثت عن استهلاك أعداد كبيرة منها خلال الأشهر الأولى من الحرب.
وقال جيفري لويس، من مركز "جيمس مارتن" لدراسات منع الانتشار النووي (CNS): "قد نكون نحن أقل إطلاقا للنيران تجاههم، بينما قد يكونون هم أكثر إطلاقا لصواريخ دقيقة"، مضيفا أن إيران تبدو وكأنها بدأت تستخدم مخزونها من الصواريخ الأكثر حداثة.
وأضاف أن إيران أصبحت أقل اعتمادا على الصواريخ القديمة المشتقة من طرازي "سكود" السوفيتي و"نودونغ" الكوري الشمالي، موضحا أن هذه الصواريخ "تفتقر بشدة إلى الدقة"، وأن التحول نحو أنواع أحدث قد يفسر الزيادة الطبيعية في دقة الضربات.
استهداف الرادارات وتطوير التكتيكات
أوضحت غراجيوسكي أن إيران ربما تجني أيضا ثمار استراتيجيتها المبكرة التي استهدفت منشآت حيوية للحفاظ على مظلات الدفاع الصاروخي، بما في ذلك الرادارات ومواقع الإنذار المبكر في الأردن ومنطقة الخليج.
وقالت: "إنهم يحاولون عمليا تعطيل القدرة على رصد هذه الصواريخ وتتبع مساراتها"، مضيفة أن نجاحهم في إصابة أهداف عالية القيمة خلال المراحل الأولى من الحرب منحهم مكاسب واضحة.
من جانبه، رأى جيم لامسون، المحلل العسكري السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أن الهجمات الأخيرة في الأردن تشير إلى أن إيران باتت تنجح في تمرير عدد أكبر من الصواريخ عبر الدفاعات الأمريكية والعربية.
وأضاف: "يبدو أنهم تمكنوا في الأردن من تحقيق اختراق أكبر للدفاعات الصاروخية وزيادة دقة صواريخهم الباليستية متوسطة المدى. وإذا كنت مخططا عسكريا أمريكيا، فعليك أن تفترض أن إيران تُجري تعديلات فنية وتكتيكية استنادا إلى الدروس المستفادة من صراعات سابقة".
التكيف مع الحرب
استفادت إيران من مراجعة تجاربها السابقة، إلى جانب دراسة الخبرات الروسية في الحرب الأوكرانية.
وأشار لويس إلى أن الإيرانيين كثفوا جهودهم لإخفاء معالم التضاريس في مقاطع الفيديو التي تنشر لعمليات إطلاق الصواريخ، بما يصعّب تحديد مواقع الإطلاق، كما باتت الأطقم تنفذ عملياتها على مسافات أبعد من قواعدها المحصنة.
وقال: "ما رأيناه هو قدرة الإيرانيين على التكيف"، موضحا أنهم توقفوا أيضا عن حرق النباتات في مواقع الإطلاق، وهي ممارسة كانت تسهّل رصد مواقعهم في جولات القتال السابقة.
وفي السياق ذاته، قال فارزين نديمي، الخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن أطقم الصواريخ الإيرانية أصبحت واثقة بما يكفي لتنفيذ عمليات إطلاق نهارية بدلا من الاقتصار على الليل.
ورأى لامسون أن الأداء الإيراني يعود على الأرجح إلى "تراكم عوامل متعددة"، مرجحا أن تكون طهران قد حسنت أيضا توقيت إطلاق المسيّرات وصواريخ كروز بالتزامن مع الصواريخ الباليستية، فضلا عن وجود تنسيق أفضل بين الجيش الإيراني والحرس الثوري، وبين تشكيلات كل منهما.
كما أشار غراجيوسكي إلى وجود مؤشرات أولية، تستند إلى الجهة التي تتبنى الهجمات، تفيد بأن القوات المسلحة الإيرانية النظامية بدأت تؤدي دورا أكبر في تشغيل المسيّرات.
معضلة أمريكية متصاعدة
وأضاف التقرير أن محللين أكدوا أن طبيعة الأهداف الإيرانية داخل القواعد العسكرية لا تزال غير واضحة بالكامل، لأن كثافة المنشآت داخل تلك القواعد تعني أن أي انحراف محدود للصواريخ قد يؤدي إلى إصابة مبنى آخر.
كما أعلنت إيران أنها تستخدم صواريخ، من بينها "خيبر شكن"، تتمتع بقدرة على المناورة في المرحلة النهائية قبل إصابة الهدف، وهو ما يزيد من صعوبة اعتراضها بواسطة أنظمة الدفاع الصاروخي والرادارات التي تعرضت للاستنزاف.
وقال لامسون إن هذه المناورات، عندما تقترن بعوامل أخرى، قد تزيد من فعالية الصواريخ، خاصة مع تراجع كفاءة الرادارات ومنظومات الدفاع الصاروخي.
هل تعود إسرائيل إلى القتال؟
لفتت "فايننشال تايمز" إلى أن الولايات المتحدة تواجه معضلة استراتيجية، إذ تمتلك إيران قوة صاروخية قادرة على الرد على أي هجوم جديد، بينما يرى محللون أن احتواء هذا التهديد سيتطلب توسيع نطاق العمليات العسكرية.
وقال نديمي إن التصدي للصواريخ الباليستية يصبح أكثر صعوبة في مراحلها النهائية، وإن واشنطن ستدرك في نهاية المطاف أنها تحتاج إلى تخصيص مزيد من الموارد لاستهداف منصات الإطلاق والقواعد العسكرية.
ورجح أن يستدعي ذلك عودة دولة الاحتلال إلى القتال، مشيرا إلى أن محللين يعتقدون أن الصواريخ التي أصابت الأردن أُطلقت من منطقة قريبة من تبريز شمال غربي إيران، وهي منطقة سبق أن شهدت عمليات إسرائيلية، مضيفا: "لا بد من وجود مشاركة إسرائيلية؛ فالأمر بالغ الصعوبة، ولذا فإن مشاركة دولة تمتلك قدرات عسكرية هائلة مثل إسرائيل تُعد أمرا حاسما".
ومع ذلك، أوضح التقرير أن العودة الإسرائيلية قد تفرض تعقيدات إضافية، كما أن توسيع الحرب سيؤدي إلى استنزاف أكبر للصواريخ الاعتراضية الأمريكية، لافتا إلى أنه رغم نجاح القوة النارية الإسرائيلية في الأسابيع الأولى من الحرب في الحد من التهديد الصاروخي الإيراني، فإنها لم تتمكن من القضاء عليه أو شل قدراته بصورة نهائية.
وأكد نديمي قائلا: "إيران دولة كبيرة، واستهداف منصات إطلاق الصواريخ تلك يشبه البحث عن إبرة في كومة قش".