لا
زالت تبعات الجرائم التي يرتكبها المستوطنون ضد
الفلسطينيين تترك آثارها على دولة
الاحتلال، وسط ظهور دعوات تطالب بلجمهم، وكبح جماحهم، لأنهم يتسببون بتشويه صورتها
من جهة، ومن جهة أخرى قد يدفعون باتجاه إطلاق انتفاضة فلسطينية كبرى.
وفي هذا السياق، ذكر الكاتب
في صحيفة "يديعوت أحرونوت"
الإسرائيلية، عوز بن نون، أن "المستوطنين الذين يسيرون
بالقرب من أي قرية فلسطينية، فإنهم في الحقيقة لا يسيرون، بل يأتون لاستفزازها،
وإذا نزل فلسطينيون من القرية المجاورة، ونشب اشتباك عنيف، وخلال الاشتباك تم
الاستيلاء على سلاح، وأطلق الخاطف النار في كل الاتجاهات، فحينها يُعتبر ذلك
دفاعًا عن النفس، والذريعة أن هناك مجموعة مستوطنين تمارس العنف، وتسعى لإثارة
الاحتكاك عمدًا، مما يجعل الاستيلاء على أسلحتهم، وإطلاق النار، يُنظر إليه على
أنه عمل مشروع، ومفهوم".
وأضاف
في
مقال ترجمته "عربي21" أن "ما
ذكر أعلاه ليس تبريرا لما حصل، لأنه لو طبقنا المنطق نفسه يوميًا في الضفة الغربية،
لأصبح استخدام العنف التلقائي للمستوطنين ضد الفلسطينيين مبررا، وهذا الكلام مبني
على أحد أسوأ القرارات في الخطاب الإسرائيلي القائم على الربط بالضرورة بين جوانب
العنف والإشكالية للاحتلال والسيطرة على الضفة الغربية، مع أن إنهاء احتلالها
العسكري ظاهرة معقدة من جميع النواحي".
وأوضح
أن "ما شهدته القرى الفلسطينية في الأيام الأخيرة عقب اقتحامات المستوطنين
يعيدنا الى النقاش التاريخي، ووصول إسرائيل إلى مفترق طرق: إما الانقسام إلى
دولتين، أو الانهيار، فعدم التقسيم سيؤدي لدولة فصل عنصري، وانهيارها حتمي، أو
قيام دولة واحدة، وسبب انهيارها واضح للجميع، وأي حجة ضد التقسيم يجب أن تأخذ في
الحسبان أنه لا بديل آخر، وينطبق الأمر نفسه على المستوى الأخلاقي، فمهما كانت
الخطوات العملية المتخذة، فإن استمرار الوضع الراهن سيؤدي لتدهور أخلاقي نتيجة السيطرة
على شعب آخر".
واستدرك
بالقول إن "معظم الرأي العام الإسرائيلي لا يؤيد التقسيم خشية سؤال عما سيمنع
صواريخ كورنيت أو الطائرات المسيرة من ضرب مطار عزرائيلي أو مطار بن غوريون، وفي
هذه الحالة، وبين المفاضلة بين اختيار تهديد مستقبلي نابع من تحليل تاريخي أخلاقي،
وتهديد من دولة معادية تسيطر علينا بالنار والمراقبة، يفضل معظم الإسرائيليين
المخاطرة، وعلى افتراض أن هذا السلام قد يدوم لعقد من الزمن تقريبًا، فماذا سيحدث
إذا انهار، حين سيضعون أنفسهم في موقف يُجبرهم على ارتكاب أعمال أشد خطورة من مجرد
حفظ الأمن".
وأشار
أن "وجود غالبية من الإسرائيليين لا يرغبون بقيام دولة فلسطينية، لا يمنع مطالبتهم
للجيش الإسرائيلي بفرض سيطرته الكاملة على الأرض، لأي محاولة لدفع الرأي العام إلى
خيار "إما هذا أو ذاك"، ستنتهي بنتيجة لا يرغبون بها، وهذا لا علاقة له
بحقيقة أن السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية تتطلب سيادة القانون والنظام، بل
بضرورة إيقاف العناصر المتطرفة من المستوطنين، وإلا فإنه سيعتبر جزءً من المشكلة".
وبدوره، أكد الكاتب
في ذات الصحيفة يوفال إلباشان، أنه "بعد دقائق معدودة من نشر التقارير
الأولية عن حادثة قرية تِل، سارع المعلقون بمطالبة "اليهود السيئين"
الموصوفين بـ"أكلة الموت"، بعدم الاقتراب من القرى الفلسطينية، وتعريف
إطلاق النار من مسافة قريبة على المستوطنين بأنه "دفاع عن النفس".
وأضاف
في
مقال ترجمته "عربي21" أنه "لسنوات،
صُوِّر المستوطنون على أنهم "إرهابيون من ميليشيات مسلحة"، مسؤولون عن
كل أهوال الصراع، واعتبار "السفر قرب البلدات الفلسطينية تحدٍّ متعمد"، مما
يستدعي ضرورة استئصال الإرهاب القومي اليهودي في الأراضي المحتلة بالقوة".
لا تعني هذه السطور تضامناً إسرائيليا
مفاجئا مع الفلسطينيين، لكنها نظرة موضوعية لمآلات العدوان الذي يشنه المستوطنون
عليهم، على اعتبار أنه سيؤدي لنتائج كارثية على دولة الاحتلال، وفرض مزيد من
العقوبات عليها، لأنها تمنح الغطاء للمستوطنين، لحسابات داخلية بحتة، فضلا عن ردود
فعل الفلسطينيين التي ستجبي أثمانا باهظة منهم.