البرلمان الموريتاني على صفيح ساخن.. المعارضة تحتج على إجراءات بحق نائبتين

تأتي الأزمة في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الموريتانية نقاشاً أوسع حول استقلال المؤسسات، وحدود الحصانة البرلمانية، وطبيعة العلاقة بين القضاء والبرلمان..
قاطع نواب المعارضة في موريتانيا، الاثنين، جلسة للجمعية الوطنية (البرلمان)، احتجاجاً على ما وصفوه بـ"المسار المتبع" بحق النائبتين مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور سالم، في خطوة تعكس تصاعد التوتر بين المعارضة والسلطات بشأن الملف، رغم صدور قرار من المجلس الدستوري اعتبر أن إسقاط عضويتهما البرلمانية لا يزال غير ممكن قانونياً.

وقال النائب المعارض يحيى الللود، في تصريحات صحفية، إن جميع نواب المعارضة امتنعوا عن حضور الجلسة البرلمانية تضامناً مع النائبتين، ورفضاً للإجراءات المتخذة بحقهما، معتبراً أن القضية تمس الضمانات القانونية الممنوحة لأعضاء البرلمان.

وجاءت المقاطعة بعد ساعات من قيام عناصر من الحرس الوطني بإخراج النائبتين من داخل مبنى الجمعية الوطنية، عقب اعتصامهما داخله احتجاجاً على الإجراءات المرتبطة بوضعيتهما البرلمانية، في مشهد غير مألوف داخل المؤسسة التشريعية، أثار جدلاً سياسياً وقانونياً في البلاد.

قرار دستوري يعقّد المشهد


ويأتي التصعيد في وقت كان المجلس الدستوري قد أصدر قراراً أكد فيه أنه لا يمكن تثبيت فقدان النائبتين لصفتهما البرلمانية في المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن الحكم الصادر بحقهما عن الغرفة الجزائية بمحكمة الاستئناف لا يزال قابلاً للطعن، وبالتالي لا يكتسب الصفة النهائية التي تتيح إسقاط العضوية البرلمانية.

ويرى متابعون أن قرار المجلس الدستوري منح النائبتين سنداً قانونياً للاستمرار في التمسك بعضويتهما، في حين يفتح الباب أمام مزيد من الجدل بشأن حدود صلاحيات المؤسسات الدستورية والقضائية في التعامل مع قضايا النواب.

أزمة تتجاوز البعدين القانوني والبرلماني


ويشير مراقبون إلى أن مقاطعة المعارضة للجلسة البرلمانية تعكس محاولة لتدويل النقاش السياسي داخل البرلمان، وتحويل القضية من نزاع قانوني إلى اختبار لمدى احترام السلطات لمبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية المؤسسة التشريعية.

كما تأتي هذه التطورات في سياق يشهد تجاذبات سياسية متزايدة بين الحكومة والمعارضة بشأن إدارة عدد من الملفات الداخلية، ما يمنح القضية أبعاداً تتجاوز وضع النائبتين إلى طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحدود تدخل الأجهزة الأمنية في عمل البرلمان.

ويرى محللون أن استمرار الأزمة من دون تسوية قانونية أو سياسية قد ينعكس على سير العمل البرلماني، خاصة إذا واصلت المعارضة استخدام المقاطعة والاحتجاج داخل المؤسسة التشريعية كوسيلة للضغط من أجل وقف الإجراءات بحق النائبتين، أو انتظار حسم المسار القضائي بشكل نهائي.

كيف بدأت أزمة النائبتين؟


تعود جذور الأزمة إلى خلاف قانوني وسياسي أعقب ملاحقات قضائية طالت النائبتين مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور سالم، على خلفية قضية أحيلتا فيها إلى القضاء، وانتهت بصدور حكم عن الغرفة الجزائية بمحكمة الاستئناف، وهو الحكم الذي أصبح لاحقاً محل جدل بشأن آثاره القانونية على صفتهما كعضوين في الجمعية الوطنية.

وبعد صدور الحكم القضائي، برز خلاف بين السلطات والجهات المعارضة حول ما إذا كان القرار يترتب عليه فقدان النائبتين لعضويتهما البرلمانية، حيث اعتبرت جهات سياسية أن استمرار عضويتهما لا يمكن أن يحسم إلا بعد استنفاد مراحل الطعن واكتساب الحكم الصفة النهائية، في حين مضت إجراءات رسمية مرتبطة بوضعهما البرلماني، ما دفعهما إلى الاحتجاج والاعتصام داخل مقر الجمعية الوطنية.

وتدخل المجلس الدستوري لاحقاً في هذا الجدل، وأصدر قراراً أكد فيه عدم إمكانية تثبيت فقدان النائبتين لصفة العضوية البرلمانية في الوقت الراهن، بالنظر إلى أن الحكم الصادر بحقهما لا يزال قابلاً للطعن، وهو ما أعاد الملف إلى مربع النقاش حول العلاقة بين الأحكام القضائية والوضعية الدستورية للنواب المنتخبين.

وتحولت القضية منذ ذلك الحين إلى أزمة سياسية بين المعارضة والسلطات، بعدما اعتبرت المعارضة أن الإجراءات المتخذة بحق النائبتين تمثل تضييقاً على العمل البرلماني واستهدافاً لنواب منتخبين، بينما تؤكد الجهات الرسمية أن الملف مرتبط بمسار قضائي وإجراءات قانونية لا علاقة لها بالممارسة السياسية.

وتأتي الأزمة في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الموريتانية نقاشاً أوسع حول استقلال المؤسسات، وحدود الحصانة البرلمانية، وطبيعة العلاقة بين القضاء والبرلمان، ما جعل قضية النائبتين تتجاوز شخصيهما لتصبح اختباراً للتوازن بين السلطات في البلاد.