قالت منظمة "شعاع" لحقوق الإنسان
إن تصريحات الرئيس
الجزائري عبد المجيد تبون، التي أدلى بها خلال زيارته إلى
ألمانيا الأربعاء الماضي، وأكد فيها ترحيبه بالمعارضة وحق الجزائريين في انتقاد
السلطة، لا تنسجم مع الواقع الحقوقي والسياسي الذي تشهده البلاد.
وأوضحت المنظمة، في
بيان، أنها تابعت
تصريحات تبون باهتمام، غير أنها اعتبرت أن الممارسات القائمة على الأرض "تعكس
صورة مغايرة"، في ظل استمرار الملاحقات القضائية بحق ناشطين وسياسيين وصحفيين
ومدافعين عن حقوق الإنسان بسبب ممارستهم السلمية لحرية الرأي والتعبير.
وأضافت أن المتابعات القضائية لم تقتصر على
الشخصيات السياسية والحقوقية، بل شملت مواطنين انتقدوا السياسات الاقتصادية
والاجتماعية للحكومة، فضلاً عن منتخبين وأعضاء في مؤسسات تشريعية بسبب مواقفهم
السياسية أو ممارستهم لدورهم الرقابي.
وأكدت المنظمة أن التضييق على
المعارضة داخل
الجزائر ما يزال مستمراً عبر الاعتقالات والمنع التعسفي من السفر، وفرض قيود على
عمل الأحزاب والجمعيات والنقابات، إضافة إلى إقصاء الأصوات المستقلة من وسائل
الإعلام، معتبرة أن هذه الإجراءات أفرغت التعددية السياسية من مضمونها.
وقالت إن قاعدة بياناتها توثق استمرار
احتجاز أكثر من 200 معتقل رأي بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية، معتبرة أن
هذا الواقع يتناقض مع الخطاب الرسمي بشأن
الانفتاح على المعارضة.
وفي ما يتعلق بالجزائريين المقيمين في
الخارج، أشارت المنظمة إلى صدور أحكام قضائية بحق عدد من المعارضين والناشطين بسبب
آرائهم أو أنشطتهم السلمية، مجددة التذكير ببيان سابق أصدرته في 14 تشرين الأول/
أكتوبر 2025، تحدثت فيه عن ممارسات تضييق وضغوط عبر بعض المصالح القنصلية ضد أفراد
من الجالية الجزائرية على خلفية آرائهم السياسية أو نشاطهم الحقوقي.
وانتقدت المنظمة كذلك مبادرة "لمّ
الشمل" التي أطلقتها السلطات الجزائرية، وما تبعها من إجراءات تسوية أقرها
مجلس الوزراء في كانون الثاني/ يناير 2026، معتبرة أنها لم ترتق إلى مبادرة قائمة
على احترام الحقوق وسيادة القانون.
وأوضحت أن الاستفادة من هذه الإجراءات
ارتبطت، بحسب ما ورد في البيان، بالتزام المستفيدين بعدم العودة إلى الأفعال محل
المتابعة، وهو ما اعتبرته المنظمة اشتراطاً يمس حرية الرأي والتعبير، فضلاً عن ربط
العودة إلى الجزائر أو الحصول على الخدمات القنصلية والوثائق الرسمية، بما فيها
جوازات السفر، بتعهدات لا توفر ضمانات قانونية حقيقية تكفل ممارسة الحقوق والحريات
دون خوف من الملاحقة.
كما ذكّرت المنظمة بأن أوضاع الحقوق
والحريات في الجزائر كانت محل مراسلات متكررة من المقررين الخاصين للأمم المتحدة،
ولا سيما في ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير، وحرية تكوين الجمعيات، والاعتقال
التعسفي، ووضع المدافعين عن حقوق الإنسان، معتبرة أن هذه المراسلات تستوجب استجابة
عملية من السلطات، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات السياسية.
وشددت "شعاع" على أن الترحيب
الحقيقي بالمعارضة "لا يقاس بالخطابات"، وإنما بإرادة سياسية تترجم إلى
إجراءات ملموسة، من بينها الإفراج عن معتقلي الرأي، ووقف المتابعات ذات الخلفية
السياسية، ورفع القيود عن العمل الحزبي والجمعوي والإعلامي، واحترام استقلال
القضاء، وإنهاء استخدام الخدمات القنصلية والوثائق الإدارية وسيلة للضغط أو
المساومة.
وأكدت كذلك ضرورة ضمان حق جميع الجزائريين،
داخل البلاد وخارجها، في ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية والعودة إلى وطنهم دون
تمييز أو قيود مرتبطة بآرائهم.
وختمت المنظمة بيانها بالتأكيد على أن
تصريحات الرئيس تبون بشأن الترحيب بالمعارضة "ستظل فاقدة للمصداقية"، ما
لم تقترن بإصلاحات سياسية وحقوقية حقيقية تعيد فتح المجال العام، وتنهي التضييق
على المعارضة السلمية، وتكرس دولة القانون واحترام الحقوق والحريات.
وتُعرف منظمة "شعاع" لحقوق
الإنسان بأنها منظمة حقوقية مستقلة غير حكومية وغير ربحية، تأسست عام 2020، وتتخذ
من العاصمة البريطانية لندن مقراً رئيساً لها، وتقول إنها تعمل على رصد وتوثيق
أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر، وإعداد التقارير والبيانات الحقوقية، إلى جانب
التواصل مع آليات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بشأن قضايا الحريات العامة
وحقوق الإنسان في البلاد.
وخلال السنوات الأخيرة، أصدرت المنظمة
تقارير دورية حول أوضاع معتقلي الرأي، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، والحريات
النقابية، كما أحالت عدداً من الملفات إلى المقررين الخاصين بالأمم المتحدة.
ويأتي بيان "شعاع" في سياق سياسي
داخلي أعقب الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة، التي جرت في ظل تأكيد السلطات
على انفتاحها على المعارضة واستمرار مسار الإصلاحات السياسية، بينما شككت أحزاب
وشخصيات معارضة ومنظمات حقوقية في مدى اتساع المجال العام، معتبرة أن البيئة
السياسية لا تزال تشهد قيوداً على النشاط الحزبي والإعلامي والمدني.
كما تزامن البيان مع تصريحات أدلى بها
الرئيس عبد المجيد تبون خلال زيارته إلى ألمانيا في 15 تموز/ يوليو 2026، أكد فيها
أن الجزائر ترحب بالمعارضة وأن انتقاد السلطة مكفول، وهو ما اعتبرته المنظمة غير
منسجم مع استمرار الملاحقات القضائية ووجود معتقلي رأي، بحسب توثيقها.