فورين بوليسي: لماذا أصبحت البحرين والكويت الأهداف المفضلة لهجمات إيران؟

باتت البحرين والكويت في مرمى نيران إيران التي تسعى لإحداث اضطراب محسوب ومحدود لردع خصومها -
نشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريراً تناولت فيه دوافع تركيز الهجمات الإيرانية على البحرين والكويت، موضحةً أنّ طهران تستغل الانقسام الخليجي والتردد الأمريكي لممارسة إكراه انتقائي يحقق أهدافها الاستراتيجية دون إشعال حرب شاملة، مع التأكيد على ضرورة الأمن الجماعي.

وأوضحت المجلة، في تقريرها الذي أعده الكاتبان روب جيست بينفولد ودانيا تافر، وترجمته "عربي 21"، أنّه منذ أن هاجمت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال إيران في أواخر شباط/ فبراير الماضي، وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في خطوط المواجهة الأولى لحربٍ لم تكن تريدها ولم تبدأها.

ويُثبت التصعيد المستمر بين واشنطن وطهران فشل وقف إطلاق النار المبرم في 8 نيسان/ أبريل ومذكرة التفاهم التي أعقبته في تحقيق الاستقرار بالمنطقة. 

ومع ذلك، ورغم أنّ الاستهداف الإيراني لدول الخليج لم يتوقف بعد الهدنة المفترضة، فإنه قد تطور، إذ انتقلت طهران من تركيز ضرباتها بشكل مكثف على الإمارات إلى استهداف دولتين أصغر حجماً هما البحرين والكويت.

وذكرت المجلة أنّ القاسم المشترك يكمن في أنّ إيران كانت وما زالت - قبل وقف إطلاق النار وبعده - تنظر إلى منطقة الخليج باعتبارها مركز الثقل الإقليمي لواشنطن. لكن الأثر الاستراتيجي المنشود من الهجمات الإيرانية قد تغير.

فبدلاً من إلحاق أقصى ضرر بالاقتصاد العالمي لفرض وقف إطلاق النار، باتت الهجمات تهدف إلى إظهار العزيمة وإرسال رسائل ردع دون الانجرار مجدداً إلى مواجهة شاملة، وهو ما يفسر تكثيف طهران لضرباتها ضد البحرين والكويت.

وأشارت المجلة إلى أنّ هذا السيناريو لم يكن حتمياً، بل إنّ الانقسام بين دول الخليج وغياب الاتساق الاستراتيجي لواشنطن أوجدا الظروف المواتية لقيام إيران بفرض إرادتها بشكل انتقائي.

وكان غياب أي ردّ حاسم من جانب الولايات المتحدة أو دول الخليج على تلك الضربات المتكررة هو ما مهد الطريق للتصعيد الراهن بين واشنطن وطهران.

أضافت المجلة أنّ البحرين والكويت تواجهان مآزق متشابهة، فكلتاهما تعتمد بالكامل على مضيق هرمز في حركتهما التجارية، وتتميزان بصغر المساحة والسكان، وتقعان بين جيران كبار متنافسين، مما يجعلهما عرضة للتحول إلى جبهات صراع أو حتى ضحايا للغزو. 

كما يحتضن البلدان مجتمعات شيعية كبيرة، مما يثير مخاوف من سعي طهران لتغذية الاستقطاب الطائفي لزعزعة الاستقرار الداخلي. وأخيراً، يفتقر البلدان إلى النفوذ الدولي الذي تتمتع به دول خليجية أخرى كالثقل الاقتصادي للسعودية، أو الحضور العالمي للإمارات، أو التأثير الدبلوماسي لقطر.

وأوضحت المجلة أنّه لا يمكن اتهام أي من الدولتين بالافتقار إلى توجه متماسك لمواجهة هذه التحديات، بل إنّهما تمثلان طرفي نقيض في السياسة الخليجية.

فبينما تتبنى البحرين نهجاً متشدداً تجاه إيران، تنتهج الكويت سياسة واقعية تقوم على الانخراط وتطوير العلاقات مع طهران، مقابل تبني موقف حذر يرفض التطبيع، لدرجة إغلاق أجوائها مؤقتاً أمام الطائرات الأمريكية إبان إطلاق واشنطن لعملية "مشروع الحرية" في أيار/ مايو الماضي لتأمين مضيق هرمز.

ولم ينجح أي من هذين النهجين المتباينين في توفير الحماية للمنامة أو الكويت قبل وقف إطلاق النار، وإن كان موقعهما الهامشي نسبياً في موازين القوى الإقليمية قد منحهما مهلة مؤقتة.

فحينها، كانت إيران تستهدف دول الخليج لإحداث فوضى اقتصادية عالمية تجبر الأطراف على التهدئة، وهو ما يفسر فشل الاستراتيجيات الخليجية الفردية في احتواء طهران، ويوضح سبب توجيه طهران لنصف صواريخها ومسيّراتها نحو الإمارات حصراً باعتبارها المركز التجاري الأكثر ترابطاً في المنطقة.

وأشارت المجلة إلى أنّه بعد وقف إطلاق النار، واصلت إيران ضرباتها دون رغبة في العودة لحرب شاملة، بل بهدف استخدام القوة كوسيلة لإثبات عدم رضوخها وتعزيز موقفها التفاوضي. 

وبما أن طهران تسعى لإحداث اضطراب محسوب ومحدود لردع خصومها، فقد باتت البحرين والكويت في مرمى نيرانها. ومقارنة بجيرانهما الأكثر نفوذاً، فإن البلدين مهمان بما يكفي لتوجيه رسائل استراتيجية من خلال استهدافهما، لكنهما ليسا بالمركزية التي تضمن رداً عسكرياً أمريكياً ساحقاً.

وقالت المجلة إن عجز البحرين والكويت عن ردع إيران بمفردهما ليس مفاجئاً نظراً لصغر حجمهما، لكن الفشل الحقيقي يكمن في المنظومة الجماعية، إذ إن المنطق الاستراتيجي لمجلس التعاون الخليجي والتحالف الوثيق مع واشنطن يفرضان ألا تواجه الدولتان هذا التهديد بمفردهما، حيث ينبغي للأمن الجماعي أن يمنع طهران من حرية اختيار واستهداف ضحاياها إقليمياً.

أوردت المجلة أيضاً أن الضربات الإيرانية المستمرة باتت تفرض إعادة تقييم لفرضيات راسخة في النظام الأمني الخليجي، كان الكثير منها قيد الاختبار بالفعل خلال الصراع. فالبلدان حليفان رئيسيان للولايات المتحدة من خارج الناتو.

وقد وقعت البحرين مع واشنطن عام 2023 "الاتفاقية الشاملة للتكامل الأمني والازدهار" وهي بمثابة معاهدة دفاع مشترك مخصصة. ورغم ذلك، هاجمت إيران الدولتين مراراً غداة دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وحتى أوائل تموز/ يوليو دون أي رد أمريكي يتجاوز الإدانة اللفظية، وهو ما يغذي المخاوف الإقليمية والدولية من استعداد إدارة ترامب للتخلي عن حلفائها.

وبعد أن ردّت الولايات المتحدة متأخرةً في منتصف تموز/يوليو، كثفت إيران هجماتها على الكويت والبحرين، كما ضربت قطر وعمان والأردن. وهذه هي نفس استراتيجية الإكراه الانتقائي، لكنها ترتقي درجةً واحدةً أعلى على سلم التصعيد.

فطهران تحدد مرةً أخرى وتيرة ونطاق الصراع، من خلال مهاجمة دول تهم واشنطن، لكن ليس بالقدر الكافي الذي يجعل الرد الأمريكي الحاسم أمراً لا مفر منه.

ويشير هذا إلى أنّ إيران لا تزال غير راغبة في العودة إلى الصراع المفتوح، بل تواصل استخدام القوة لتعزيز موقفها على طاولة المفاوضات. كما يضع الولايات المتحدة في نفس المعضلة التي واجهتها منذ أشهر مع الهجمات الإيرانية على البحرين والكويت: إما أن تمتنع واشنطن عن الرد، مما يضر بمصداقيتها، أو أن تصعد وتخاطر بإعادة المنطقة إلى حرب لا يريدها أحد.

وأردفت المجلة أنّ غياب الرد الموحد من مجلس التعاون الخليجي لا يقل خطورةً، فبينما ولّدت الهجمات في السابق تضامناً شعبياً، تسود اليوم تكهنات بسعي بعض دول الخليج لإبرام اتفاقيات منفصلة مع إيران وحلفائها.

ورغم غياب الأدلة على ذلك، فإنّ المؤكد هو استمرار استهداف البحرين والكويت اللتين تعانيان اقتصادياً جراء هذه الضربات، إذ خفضت وكالة "موديز" نظرتها المستقبلية للبحرين من "مستقرة" إلى "سلبية" في نيسان/أبريل، وهو الشهر نفسه الذي شهد عجز الكويت عن تصدير أي برميل نفط لأول مرة منذ حرب الخليج عام 1990.

وتابعت المجلة أنّ تداعيات ما يحدث في البحرين والكويت لن تقتصر عليهما. إنّ قيام طهران بتوسيع نطاق صراعها ليشمل قطر وعُمان واستهداف سفن ترفع أعلاماً سعودية وإماراتية يثبت أن دول الخليج متقاربة جغرافياً لدرجة تمنعها من تحمل صراع ممتد على أعتابها.

لذا، فإنّ أي اتفاق ثنائي منفرد مع إيران لن يكون سوى مجرد مسكن مؤقت لجرح قاتل. والأكثر إثارة للقلق هو براعة إيران في تطبيق سياسة "فرق تسد" مستغلةً الخلافات الداخلية بين دول مجلس التعاون الخليجي.

اختتمت المجلة تقريرها بالإشارة إلى أنّ قوة دول الخليج تقاس بقوة أضعف حلقاتها. وكما يظهر مأزق البحرين والكويت، فإن تبني سياسة مهادنة لإيران ومناهضة لإسرائيل ليس حلاً سحرياً، تماماً كنهج المواجهة والانضمام لاتفاقيات أبراهام.

حيث تصطدم الاستراتيجيات الفردية بذات القيود الهيكلية. وبالتالي، يظل الحل الأفضل جماعياً، حتى وإن تطلب تقديم تنازلات تمس السيادة والاستراتيجيات الكبرى لكل دولة، لأنه طالما بقيت إيران قادرة على استهداف الدول الأضعف دون رد جماعي حاسم، فستظل جميع دول الخليج عرضة للتهديد.