التوسع التركي في أفريقيا يثير قلقا إسرائيليا من قدرة أردوغان على تجسيد رؤيته العثمانية الجديدة

الخبير وصف الصومال بأنها الركيزة الأساسية للمشروع التركي في القرن الأفريقي- الأناضول
لا تتوقف الماكنة الدعائية الإسرائيلية عن رصد كل تحرك تركي، وآخرها التوسع الجاري في القارة الأفريقية باعتباره هدفا استراتيجيا للرئيس رجب طيب أردوغان، في سبيل ترسيخ مكانة بلاده كقوة إقليمية.

وفي هذا السياق، زعم الرئيس السابق لدائرة المخابرات الوطنية، وخبير في شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، روعي بنياميني، أن "هذا السلوك التركي في أفريقيا يجمع بين "القوة الصلبة" المتمثلة في الوجود العسكري والصادرات الأمنية الواسعة النطاق المعروفة باسم "دبلوماسية الطائرات المسيرة"، إلى جانب "القوة الناعمة" التي تشمل نشرا غير مسبوق للسفارات وشركات الطيران، وتعميق النفوذ الثقافي والديني".

القوة الناعمة

وأضاف في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وترجمته "عربي21" أنه "بينما ينصب اهتمام الرأي العام والإعلام بالكامل على ساحات الشرق الأوسط، تعمل أنقرة بهدوء وحزم على بناء محور نفوذ استراتيجي في أفريقيا أيضا، لأن هذه التحركات التركية في أفريقيا تتم من خلال الاتفاقيات الأمنية، ونشر البنية التحتية، وإنشاء القواعد العسكرية، وتعميق النفوذ الديني والثقافي، تتجسد الرؤية العثمانية الجديدة للرئيس أردوغان في القارة".

وأشار إلى أن "هذا الواقع الجيوسياسي الجديد، الذي توسع فيه تركيا وجودها المتنامي، يتطلب من إسرائيل تغيير استراتيجيتها، وتبنّي حلول أكثر ابتكارًا، بعد أن شكلت قمة الناتو الأخيرة إنجازًا فكريًا آخر في مساعي تركيا لترسيخ مكانتها كلاعب إقليمي ودولي رائد".


وأكد أن "أردوغان انتهج نهجًا تقاربيًا تجاه دول حلف الناتو، مقدمًا تركيا كلاعب مهم وركيزة أساسية للمصالح الغربية، وحظي بإشادة من صديقه المقرب الرئيس ترامب والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، وكما كان متوقعًا، لم يتوانَ عن انتقاد إسرائيل خلال القمة، مؤكدًا أن معارضة إسرائيل واليونان لشراء بلاده لطائرات إف-35، لا مكان لها، مجددا تأكيده على حل الدولتين باعتباره المفتاح الوحيد للسلام، داعيًا الأطراف للعمل على تهدئة التوترات في غزة ولبنان".

وأوضح أنه "قبل أيام من انعقاد قمة الناتو، أصدر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بيانًا شديد اللهجة جاء فيه أن "إسرائيل أصبحت عبئًا لا تستطيع الإنسانية تحمله"، ولم يلقَ هذا الخطاب الشامل انتقادات تُذكر من قادة الناتو، الذين فضلوا تجنب المواجهة مع الدولة المضيفة".

تدهور إسرائيل

وأشار إلى أنه "في ظل الظروف الراهنة، ومع تزايد الانتقادات السياسية الموجهة إلى تل أبيب، تُفضل الدول الغربية نهجًا تصالحيًا تجاه أنقرة لأسباب استراتيجية، بمعنى آخر، تصبّ خطوات إسرائيل، وتدهور علاقاتها مع المجتمع الدولي في مصلحة تركيا بشكل مباشر".

وحذر من أن "الرسائل التركية ضد إسرائيل باتت تُستقبل بتساهل حتى من قِبل حلفائها، انطلاقًا من تفضيل المصالح الباردة، ويتجلى هذا أيضًا في الرئيس ترامب، الذي يحرص على احترام أردوغان، وينظر إليه كعامل استقرار إقليمي، بما فيها جهود الوساطة مع إيران وسوريا ولبنان، ولهذه الأسباب، ليس من المستغرب أن يواصل أردوغان، دون عوائق تُذكر، انتهاج اللعبة المزدوجة التي تُمكّنه من السعي لموقع قيادي عالمي".

وأضاف أن "طموحات تركيا لا تتوقف عند الشرق الأوسط: فالرؤية العثمانية الجديدة تتجذر أيضًا في أفريقيا، بما يُشكّل تحديًا لإسرائيل، وفي آخر عقدين مثّلت أرضًا خصبة لتحقيق رؤيتها، لاسيما في القرن الأفريقي وشمال أفريقيا حيث ليبيا ومنطقة الساحل".

وشرح قائلا إن "علاقة تركيا بالقارة بدأت في وقت مبكر من 2005، وأعلنته "عام أفريقيا"، وشهدت علاقاتهما محطات هامة أخرى، بينها إعلان الاتحاد الأفريقي لتركيا "شريكاً استراتيجياً"، وعقد قمم مشتركة، وعدد هائل من الزيارات التي وضعت أردوغان في صدارة القادة الأجانب الذين يزورون القارة".


وأوضح أن "نقطة التحول الحقيقية في العلاقات التركية الأفريقية سجلت عام 2011 خلال زيارة أردوغان إلى مقديشو، عاصمة الصومال، مما أرسى الأساس لانخراط تركي واسع النطاق، ونما لأبعاد هائلة في المجالات الإنسانية والاقتصادية والعسكرية، وتنظر تركيا للصومال كأصل استراتيجي حيوي، وركيزة أساسية لبسط النفوذ، وتوسيع الثقل الاقتصادي، وترسيخ وجود عسكري في القرن الأفريقي على الممرات الملاحية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن".

الساحة الخلفية

وأكد أن "تركيا عمّقت المساعدات الاقتصادية والبنية التحتية للصومال، ما زاد اعتمادها عليها، وسمح للأتراك بتحويلها ساحة خلفية، حيث تدير فيها أكبر قاعدة عسكرية خارج حدودها، ويقدمون دعماً عسكرياً وجوياً مباشراً في الحرب المحلية ضد المسلحين".

وأضاف أنه "بالتزامن مع هذه التحركات التركية هناك استثمار ضخم في الموارد الطبيعية، يشمل اتفاقيات للتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل الصومال، وتشجع تركيا على إنشاء قاعدة فضائية ومنشأة لاختبار الصواريخ الباليستية على ساحل المحيط الهندي، في مدينة ورشيخ الصومالية، بتكلفة تُقدر بنحو 350 مليون دولار".

ولفت إلى أنه "بمعنى أوسع، يُعد التوسع في أفريقيا هدفًا استراتيجيًا لأردوغان، في سبيل ترسيخ مكانة بلاده كقوة إقليمية، حيث يتزامن وجود تركيا المتزايد فيها مع انسحاب قوى تقليدية مثل فرنسا والولايات المتحدة، مما يمنحها ترسيخ موطئ قدم سياسي قد يُشكل تحديًا لإسرائيل، لاسيما في ظل سياسات التكتلات في القارة، ومكانة تركيا الرفيعة في الاتحاد الأفريقي".

علاقات مثمرة

وأكد أنه "رغم أن إسرائيل لا تزال تُحافظ على علاقات مثمرة مع دول أفريقية، لكنها تفتقر حاليًا للوجود والأدوات والموارد اللازمة للتصدي لأي تحركات تركية مُحيطة، ولذلك تُعدُّ منطقة القرن الأفريقي اليوم أبرز بؤرة توتر بين إسرائيل وتركيا في أفريقيا، على خلفية توطيد إسرائيل لعلاقاتها مع أرض الصومال، واعتبرت أنقرة هذه الخطوة تقويضًا للمصالح التركية على "معقلها"، ما أثار رد فعل غاضبًا".


وأشار إلى أنه "رغم محاولات بعض الجهات تصوير التحرك الإسرائيلي ضد أرض الصومال على أنه عمل سياسي هامشي، لكنه قرار ذو أهمية جيوسياسية بالغة، بل إنه ضروري لمدّ النفوذ على منطقة البحر الأحمر، لاسيما في مواجهة التهديد الأمني المباشر الذي يشكّله الحوثيون والمنظمات الإسلامية، وللاستفادة القصوى من الإمكانات الاستراتيجية السياسية والأمنية والاقتصادية الكامنة في القرن الأفريقي وبقية القارة".

وختم بالقول إن "ذلك يستدعي من إسرائيل صياغة مفهوم استراتيجي شامل، ويجب أن تُشكّل هذه الخطة ثقلًا موازنًا لمحور النفوذ التركي الذي يعمل بروح "جماعة الإخوان المسلمين".

بغض النظر عن هذه القراءة الإسرائيلية للتمدّد التركي في القارة الأفريقية، سواء كانت موضوعية أو مبالغ فيها، فإن هواجس الاحتلال من زيادة التوسع التركي في المنطقة والعالم بات يشكل تحدياً متصاعدا، قد يدفعها لاتخاذ خطوات انفعالية قادمة.