نشرت مجلة "
ذي أتلانتيك" الأمريكية نص حلقة نقاشية موسعة من برنامج "راديو أتلانتيك"، سلطت الضوء على المأزق الاستراتيجي والعسكري المعقد الذي تواجهه
الولايات المتحدة في صراعها المتصاعد مع
إيران، مستعرضةً صعوبة فك الارتباط أو الخروج من هذا المأزق، رغم الوعود المتكررة للرئيس دونالد
ترامب بإنهاء "الحروب الأبدية" بشكل سريع.
وقالت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن متابعة مسار الحرب الأمريكية مع إيران قد تصيب المراقب بـ"الدوار"، ففي يوم تبدو الأزمة قريبة من التسوية، وفي اليوم التالي يستأنف البلدان الضربات الصاروخية المتبادلة على المنشآت العسكرية، بينما تشن
طهران هجمات موازية على دول الخليج التي وجدت نفسها محاصرة في شباك هذا الصراع المدمر.
وأشارت إلى أنه بحلول الوقت الذي أعلن فيه ترامب انتهاء وقف إطلاق النار، كانت القوات الأمريكية قد استهدفت أكثر من 140 هدفًا خلال الأيام السابقة، ما يعكس أن تصريحات الرئيس لم تكن صانعة للسياسات، بل مجرد "تجسيد لواقع فرضه الميدان".
ورغم شعارات ترامب الانتخابية المناهضة للحروب الطويلة، يرى المحللان العسكريان والدبلوماسيان بالمجلة، توم نيكولز ونانسي يوسف، أن الولايات المتحدة تتجه نحو "حرب أبدية" جديدة بدأت تتحول إلى حالة دائمة يصعب الفكاك منها.
شروط إيرانية وواقع معقد
وفي قراءته للمشهد الإيراني، يرى توم نيكولز أن طهران تعتبر نفسها في حالة حرب مفتوحة ومستمرة، مؤكداً أنه "في كل مرة تحاول فيها
واشنطن فرض شروط جديدة تعتقد أنها قد تمهد للسلام، يبذل الإيرانيون قصارى جهدهم لرفضها وإعلان استمرار المواجهة".
من جانبه، أوضح الصحفي آدم هاريس أن الصراع شهد تصعيدًا عنيفًا بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية استهداف ما لا يقل عن 300 هدف إيراني، شملت مواقع لتخزين الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والزوارق العسكرية السريعة.
وأضاف أن الرد الإيراني جاء سريعًا بإغلاق مضيق هرمز مجددًا، وسط تقارير عن ضربات طالت أهدافًا في الأردن وسلطنة عُمان، في تطور اعتبره انهيارًا كاملًا لاتفاق وقف إطلاق النار الهش.
وكان الكونغرس قد مرر في حزيران/ يونيو الماضي إجراءً رمزيًا يطالب الرئيس بإنهاء استخدام القوات المسلحة في إيران، إلا أن الخبراء يرون أن هذا التوبيخ التشريعي لن يحل المعضلة، إذ أدركت إيران بالفعل قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، وتوقن أن توتراتها مع دول الخليج لن تنتهي بمجرد انسحاب واشنطن.
مأزق مضيق هرمز ومذكرة التفاهم "الميتة"
وفيما يتعلق بفرص الحل، أشارت نانسي يوسف إلى وجود محاولات للجمع بين المسارين العسكري والدبلوماسي، مؤكدة أن "مذكرة التفاهم بين البلدين باتت بحكم الميتة عمليًا".
وأوضحت أن المعضلة الأمريكية تتمثل في الرغبة بإعادة مضيق هرمز إلى وضعه السابق كممر حر ومفتوح للملاحة الدولية، مع تجنب العودة إلى العمليات القتالية الكبرى، وهو أمر تراه "مستحيلًا"، لأن طهران متمسكة بأوراق الضغط التي كسبتها، وتعتبر المضيق عنصرًا حيويًا لأمنها القومي.
وأضافت أن الصياغة الفضفاضة للفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم، والتي تنص على ضمان المرور الآمن خلال 60 يومًا، فسرتها طهران على أنها تفويض لها بتحديد السفن المارة وشروط عبورها، بينما اعتبرتها واشنطن ضمانًا لحرية الملاحة، وهو التباين الذي يقف في صلب الأزمة الحالية.
أمريكا خسرت الصراع وإيران تحدد الشروط
وفي تقييم عسكري لاذع، جزم نيكولز بأن "الولايات المتحدة خسرت هذا الصراع عسكريًا وسياسيًا"، مبررًا ذلك بأن طهران أصبحت الطرف الذي يفرض الشروط.
ووفقًا له، فإن إيران لن تنهي الحرب إلا باعتراف أمريكي بدورها في مضيق هرمز، والحصول على صندوق لإعادة الإعمار بمئات المليارات من الدولارات لتعويض الأضرار الناجمة عن الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
ووصف نيكولز مذكرة التفاهم ووقف إطلاق النار بأنهما "ورقة توت" استخدمت فقط لتهدئة الأسواق، معتبرًا أن ما يجري هو "حرب عطلة نهاية الأسبوع"، إذ يتصاعد التوتر مع نهاية كل أسبوع قبل أن تعلن التهدئة مؤقتًا، بينما يبقى الواقع أشبه بـ"ملاكمة بطيئة الحركة" بعيدة عن السلام الحقيقي.
من جهتها، وصفت نانسي يوسف الاستراتيجية الأمريكية الحالية بأنها "التصعيد المنضبط" أو "جز العشب"، عبر استهداف الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة الإيرانية منخفضة الكلفة المستخدمة لترهيب السفن التجارية، لكنها حذرت من أن هذا النهج غير قابل للاستمرار، لأن طهران قد تفضل العودة إلى الحرب الشاملة بدلاً من السماح باستنزاف قدراتها تدريجيًا.
العبء الخليجي وغياب البدائل الأمنية
وأكد التقرير أن دول الخليج باتت تتحمل العبء الأكبر ماديًا واقتصاديًا جراء الردود الإيرانية، لا سيما تلك التي تستضيف قواعد أمريكية.
وأشار إلى أن هذه الدول تواجه معضلة حقيقية، إذ تعتمد على الولايات المتحدة كشريك أمني رئيسي، بينما لا تملك بدائل فعلية، كما أن اقتصاداتها تعتمد بصورة كبيرة على استقرار الملاحة في الخليج.
ووصف الخبراء فكرة اضطرار دول الخليج إلى دفع رسوم لإيران مقابل تأمين الملاحة بأنها صادمة، خصوصًا بعد إنفاقها مليارات الدولارات على منظومات الدفاع الجوي لمواجهة التهديدات الإيرانية.
وبمنظور استراتيجي، أشار نيكولز إلى وجود "عدم تكافؤ صارخ في المصالح"، فبينما أصبح الصراع بالنسبة لترامب مسألة تتعلق بالهيبة السياسية، تنظر إليه إيران باعتباره صراعًا وجوديًا مرتبطًا ببقاء النظام وتوسيع نفوذه الإقليمي.
وأكد أن خيار الإنزال البري الأمريكي على الساحل الإيراني أو السيطرة على جزيرة خارق مستبعد تمامًا بسبب كلفته البشرية الباهظة، مستشهدًا بأربعة عقود من محاكاة ألعاب الحرب الأمريكية التي كانت تنتهي دائمًا إلى طريق مسدود.
معضلة إسرائيل.. "لحظة غودفيلاس"
وعن أثر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، شبّه نيكولز الوضع الحالي بمشهد من فيلم "غودفيلاس"، حيث يتعين على واشنطن أن تبلغ تل أبيب بأنها ستتخلى عنها إذا استمرت في توسيع عملياتها العسكرية.
وأوضح أن ترامب طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم مهاجمة لبنان، لكن الأخير تجاهل الطلب، في مؤشر على محدودية قدرة واشنطن على التأثير في قرارات حليفتها.
وأضاف أن إيران تسعى إلى إظهار الولايات المتحدة بمظهر العاجز عن كبح إسرائيل، بينما يضطر ترامب إلى تجنب التصعيد الإعلامي مع تل أبيب خشية انعكاساته السياسية الداخلية.
ميزانيات البنتاغون وغياب الرقابة
وفي الشأن الداخلي الأمريكي، انتقدت نانسي يوسف تراجع الدور الرقابي للكونغرس، مشيرة إلى أن الإدارات الأمريكية تلجأ إلى تغيير المصطلحات، مثل استخدام عبارة "عمليات قتالية كبرى" بدلًا من "حرب"، للالتفاف على القيود التشريعية.
وأضافت أن وزارة الدفاع طلبت ميزانية تبلغ 1.5 تريليون دولار، وهو رقم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لنحو 160 دولة مجتمعة، معتبرة أن واشنطن تتعامل مع كل أزمة سياسية باعتبارها مشكلة لا يمكن حلها إلا عبر القوة العسكرية، مع تراجع واضح للدبلوماسية.
سيناريوهات الأيام المقبلة
وفي ختام النقاش، رجحت نانسي يوسف أن تتركز الأنظار على جهود الوساطة العُمانية والقطرية لإيجاد مخرج دبلوماسي، إلى جانب متابعة تطورات الجبهة الداخلية الإيرانية، معتبرة أن الحشود الكبيرة التي شاركت في جنازة آية الله علي خامنئي منحت النظام زخماً إضافيًا للاستمرار في المواجهة.
أما توم نيكولز، فأبدى تشاؤمه من قدرة واشنطن على تغيير مسار الأحداث، معتبراً أن الاستراتيجية الأمريكية استنفدت معظم أوراقها، وأن المرحلة المقبلة قد لا تحمل سوى استمرار المراوحة في الأزمة ذاتها.