الدولة القطرية.. هل كانت قدراً تاريخياً أم انحرافاً عن مشروع الدولة القومية؟

لقد عرفت الدولة في سيرورة تشكلها التاريخية مراحل عدة متوسطة حتى أصبحت بمنزلة الدولة ـ الأمة ذات السيادة.
الكتاب: الدولة الهجينة أوحين تنوء الدولة القُطريّة بتاريخها
الكاتب: علي الصالح مولى
الناشر:مؤمنون  بلا حدود للنشر و التوزيع، لبنان-بيروت، الطبعة الأولى 2026، (عدد صفحات الكتاب 430 من القطع الكبير)


تفتح "عربي21" في هذه القراءة الخاصة، التي يكتبها الباحث والكاتب التونسي توفيق المديني، نقاشاً فكرياً ومعرفياً حول إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر السياسي العربي المعاصر، وهي قضية الدولة القطرية وموقعها في تاريخ تشكل الدولة العربية الحديثة.

وتنطلق هذه القراءة، في جزئها الأول، من كتاب الباحث والجامعي التونسي علي الصالح مولى "الدولة الهجينة أو حين تنوء الدولة القطرية بتاريخها"، الصادر حديثاً عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، لتفحص الأسس النظرية التي قامت عليها النظرة القومية العربية إلى الدولة القطرية بوصفها نتاجاً للتجزئة الاستعمارية و"حالة شر" ينبغي تجاوزها نحو الوحدة القومية. غير أن الكتاب يقترح مقاربة مغايرة، تتجاوز السجال الأيديولوجي التقليدي، عبر مساءلة شروط تشكل الدولة العربية الحديثة، والكشف عن الطبيعة "التهجينية" التي حكمت بناءها السياسي والثقافي والمؤسسي، بما يفتح الباب أمام مراجعة نقدية عميقة لمسلمات راسخة في الفكر القومي العربي وللسرديات الكبرى التي حكمت فهم الدولة والتحديث والهوية في العالم العربي.


دولة سايكس بيكو

دَأَبَ الفكر القومي على نعت الدولة الوطنية العربية الحديثة ب"الدولة القطرية"، وبأنَّها "صنيعة الاستعمار"، وقامت تاريخيًا على أساس التقسيم الكولونيالي، أي دولة "سايكس بيكو". فالفكر القومي العربي على اختلاف تلاوينه، هو امتدادٌ لفكر عصر النهضة العربية الأولى وتتويجٌ له، وإلى حدٍّ ما قطيعة معرفية معه.

وتسيطر على الفكر القومي النظرة الطوباوية والرومانسية بشأن حلِّ المسألة القومية العربية، لا سيما حين اعتبر الوحدة العربية تحصيل حاصل لمقولة الأمة العربية، بوصفها العتلة التي تستطيع أن تنقل العرب من وهدة التأخر التاريخي إلى حال من التقدم. فالدخول إلى العصر الحديث ليس له من معنى واحد واتجاه واحد، ألا وهو الدخول في عصر توحيد الدول العربية القطرية، أي عصر وحدة الأمة العربية. فالمهم أن تكون الأمة العربية أولاً، وبعد ذلك تأتي الوحدة العربية كما لو بحتمية طبيعيةٍ.

بينما تنظر الرؤية الموضوعية والعلمية إلى حلِّ المسألة القومية باعتبارها ضرورة تاريخية للعرب، ضمن الظروف التاريخية المرتبطة بها، وانطلاقاً من هذا الواقع العربي، ومن دون القفز على حقائقه. ولعل مرد فشل الفكر القومي في تحقيق ما توهم طويلاً أنه حتمية تحقيق الوحدة العربية في إطار دولة قومية مركزية، هو بالدرجة الأولى إهمال الجوانب التي لا تروق له في الواقع العربي، وإسقاطها من الحساب تماماً ويأتي في مقدمة المسائل التي أهملها الفكر القومي "الدولة القطرية"، باعتبارها "حالةَ شرٍّ".

طوال المراحل التاريخية لصعود الامبراطورية العثمانية وانهيارها كان قرار إسطنبول الاستراتيجي هو الدفاع عن العالم الإسلامي في مواجهة أوروبا الصناعية الصاعدة والطامعة لاستعمار العالم العربي والإسلامي، بصرف النظر عن العلاقات غير المتكافئة والمتوترة التي كانت قائمة بين الأتراك والعرب.
في هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي:"الدولة الهجينة  أو حين تنوء الدولة القطرية بتاريخها"، لمؤلفه الباحث و الجامعي التونسي علي الصالح مولى،والمتكون من مقدمة وثلاثة أبواب كبيرة، حيث يحتوي كل باب على ثلاثة فصول، إضافة إلى خاتمة، والصادر عن دار نشر :مؤمنون بلا حدود في يناير 2026،  يحلل فيه الباحث علي الصالح تشكل الدولة في العالم العربي ، حيث تؤكد الشواهد الكثيرة التي تعترضه في مناسبات ونصوص وأحداث، وقوع انزياحات كبرى عنه ومَيْلاً شديداً نحو أنموذجٍ دولتيٍّ هجينٍ قائمٍ على تركيب لا معقول أو متعسف بين أنظمة قيمية وتجارب تاريخية متناقضة.

تجسد ذاك الأنموذج في كيان تواضع الناس على تسميته أسماء يفيض بعضها على بعض بالغموض أو اللامعنى مثل "دولة الاستقلال" و"الدولة الوطنية" و"الدولة القطرية"، وهي مُسَمِّيات قد تسمح من وجهة نظر مختصة في تاريخ الفلسفة السياسية، بالتعامل معها كما لو أنها انقلاب على تسمية مستقرة في الفكر والممارسة السياسيين المعاصرين ومتضمنة كل المحمولات الحداثية، وهي الدولة القومية المعبر عنها اصطلاحاً بـ "الدولة - الأمة Etat nation". ولا جدال في أن استحداث هذا المنوال المهجن اقتضى من المبشرين به والقائمين عليه، بذل جهود كبرى ومتنوعة لتأصيله وعقلنته وتسويقه في مستوى التشريع والمأسسة والدعاية.

اقترح الباحث علي الصالح  مصطلح "الدولة الهجينة"؛ لأنه يستجيب على نحو دقيق، لمقتضيات الرؤية التي تتحكم في جميع مفاصل هذا الكتاب اخترناه لأنه يمنح الدولة سمة هُوَوِيّة وهو في هذا، يشترك مع كل الصياغات التعريفية التي تتضمنها المركبات النحوية النعتية من قبيل الدولة الفاشلة، والدولة المارقة والدولة المستبدة، والدولة العلمانية والدولة الديمقراطية والدولة العالقة والدولة المستحيلة، والدولة الممزقة... غير أنه يختلف عنها اختلافاً نوعياً من جهة على الأقل، وهي التي تَهَبُ الكتاب ما به يختص. فإذا كانت النعوت التعريفية التي ذكرنا أمثلة منها تَحُدُّ الدولة حد سيرة ومال، انطلاقاً مما يُستنتج بعد مراقبة أدائها، فإنّ حد الدولة بالنعت "التهجينية" هو حدّ للتكوين وليس للتجربة. وههنا، تتدخل السياقات بوصفها تتموقع في الما قبل لا في الما بعد. وبهذا، يصبح التعريف بالتكوين مفتاحاً تفهمياً وتفسيرياً لمضامين التعريف بالمال، كأن نتساءل: هل تكون الدولة الهجينة دولة ديمقراطية أو دولة ليبرالية أو دولة علمانية؟ أو كأن نتساءل: ألا يكون فشل هذه الدولة أو تلك في أن تكون دولة ديمقراطية أو علمانية أو ليبرالية سببه أنها دولة هجينة؟ ونظنّ أنّ إنجاز عمل تحت هذا السقف قادر على تقديم إسهام منهجي أولاً، ومعرفي ثانياً لحقل الدولة العربية(ص19 من المقدمة).

التحديث السياسي في عصر النهضة

يبحث  الباحث  علي الصالح في الباب الأول الذي تكونت مادته من ثلاثة فصول ، موضوع التحديث السياسي في عصر النهضة: بحث في المرجع والسياق والوسائل، وهو موضوعٌ  مطروقٌ عربيًا  من قبل العديد من الكتاب والباحثين الذين تبنوا العقل الإصلاحي بالمسألة السياسية، والبحث في المسارات التي تحرك فيها، وهو يجيب عن الأسئلة التي طرحها الباحث  على نفسه، خاصة تلك المتعلقة بالحكم المطلق والحكم المقيد. وحاول أن يسترشد بمفردات التمدن السياسي التي استخدمها ومرجعياتها والإشكالات المتولدة من عمليات ترحيلها من بيئتها الأم الثقافية والتاريخية والفلسفية والدينية، والقذف بها في بيئة أخرى عبر آلية الاقتباس التي تحكمت كلياً تقريباً في نشاط العقل الإصلاحي الإسلامي.

في هذا الباب سعى الباحث  بناء على ذلك، إلى الكشف عن معالم أطروحة ذاك العقل الإصلاحي وتقييم ما اقترحه من البدائل، وهو مسكونٌ  بهاجسٍ معرفيٍّ يرقى إلى أن يكون فرضية من بين فرضيات الكتاب التأسيسية ملخصها أنّ هذا العقل فكر في السياسة دون أن يفكر في الدولة أولاً، وأنَّ لهذا التفكير ارتداداتٍ لاحقة ستؤثر على نحو من الأنحاء في مجمل التفكير السياسي الذي ستنشأ في أكنافه الدولة العربية ثانياً.

فقد انصرف الباحث علي الصالح في فصول الباب الأول إلى رصد جزء من عناصر السياق الأكبر، وهو ينظر في طرائق تفكير المصلحين الروّاد ومرجعياتهم والمساحات التي تحركوا فيها. وهو يلح على أمرٍ مهم مفاده أنَّ وعيهم بأهمية تحديث الحياة السياسية والانتصار للقيم الناظمة لفلسفة الحداثة السياسية، لئن برهن على نوع من الاستعداد لإقامة دولة العدل والحرية، لم يتمكن من الإفلات الكامل من قبضة العقل الإفتائي والقياسي الذي يربط تحقيق المصلحة بما لا يتناقض مع الشرع الإسلامي . وبهذا، تم النزوع إلى ممارسة ضربين من عمليات الفرز والانتقاء: الاستبعاد والتكييف. ونتج عنهما نوع من الإفساد لما تكون به القيم الحائزة على جواز العبور الشرعي إلى الثقافة الإسلامية جزءاً من برادايم نشأت بمقتضاه الحداثة الأوروبية. وبدت المنقولات كالأشلاء الممزقة والمنتزعة من ذاك البرادايم. وأريد لها أن تُزرع في برادايم آخر له منطقه الخاص به.

يقول  الباحث علي الصالخ:لقد" دافعنا، في ضوء ذلك، عن فكرة أساسية مفادها أن استراتيجيا التركيب العشوائي التي برع في تصنيعها ذاك العقل وأعطته هويته، لم تكن فقط صالحة لبناء نظرية في التحديث قادرة على تأمين الانتقال من مدار التخلف إلى الزمن السياسي الحداثي، بل كانت قادرة أيضاً على طبع مجمل أطروحات التحديث في المستقبل بسمتها الغالبة عليها، وهي التهجين، حيث تتساكن أنظمة قيمية متنافرة دون أن تكون مُؤَهَّلةً لإنتاج مخارج حقيقية في اتجاه العالم الحديث. كان ثمة، إذن، اشتغال بالسياسة دون توفر العوامل المساعدة على ميلاد عقل ديني يجتهد خارج القيود. ولذلك، امتنعت إمكانية بروز لاهوت تحرر إسلامي في المسألة السياسية.

وبسبب هذا الامتناع، استعصى ميلاد مجال سياسي في الثقافة السياسية الإسلامية في القرن التاسع عشر. وكان ثمة، كذلك، تفكير في الدولة، ولكن في إطار المحافظة على شرعية الدولة السلطانية القائمة، وتمكينها من جرعات أمل "وهمية" لاستدامة بقائها. ولذلك، دعونا إلى مراجعة الكثير مما كُتِبَ عن عصر النهضة"(ص 130).

سقوط الزمن الإمبراطوري العثماني

ويأتي الباب الثاني تحت عنوان "على أبواب زمن سياسي جديد: أي إمكان عربي للانخراط فيه؟" لمتابعة مسار تطوّر الأسئلة التي سكنت الباب الأول من ناحية، ولمزيدِ أَشْكَلَةِ مسألة الدولة العربية من ناحية ثانية. وهو بذلك، بابٌ مصنوعٌ من أطروحتين متعاكستين: أطروحة الدفاع عن الدولة السلطانية التي بان عقمها وتأكد فساد استراتيجية الاقتباس والتركيب والتهجين وأطروحة الدولة القومية التي يُفْتَرَضُ أنّها البديل الذي سيملأ الفراغ بعد سقوط المنوال الدولتي الإمبراطوري القديم. وفي سياق هذا الباب الثاني باشر الكاتب البحث في الإمكانات المتاحة للاستجابة لمعقول التاريخ السياسي الذي يقضي بأن تستلم الدولة القومية المشعل من الدولة الإمبراطورية.

وطوال المراحل التاريخية لصعود الامبراطورية العثمانية وانهيارها كان قرار إسطنبول الاستراتيجي هو الدفاع عن العالم الإسلامي في مواجهة أوروبا الصناعية الصاعدة والطامعة لاستعمار العالم العربي والإسلامي، بصرف النظر عن العلاقات غير المتكافئة والمتوترة التي كانت قائمة بين الأتراك والعرب.

نشوء الدولة ـ الأمة بالمعنى البرجوازي

لقد عرفت الدولة في سيرورة تشكلها التاريخية مراحل عدة متوسطة حتى أصبحت بمنزلة الدولة ـ الأمة ذات السيادة. وجاءت الدولة الأوروبية الحديثة بعد مراحل من التفكك والاندماج، وكان ذلك منذ ظهور معاهدة وستفاليا 1648، التي أنهت الحروب الدينية في أوروبا واقترحت فكرة الدولة في ذلك الوقت.

وازدادت فكرة الدولة الحديثة بلورة بقيام الثورة الفرنسية في 14 تموز1789 لأنَّ السلطة صارت وظيفية، ولم تعد خاصية طبقة معينة أو دين معين أو حق إلهي، ولا سيما بعد أن سقط النظام الإقطاعي، وترسخت الثورة الصناعية في بريطانيا (1760-1830)، ونجاح الثورة الأمريكية 1782.ومنذ لك الوقت بدأت فكرة الدولة الحديثة تترسخ اعتماداً على مبدأ الدولة القومية، أي الدولة-الأمة بالمعنى البرجوازي.

لعل مرد فشل الفكر القومي في تحقيق ما توهم طويلاً أنه حتمية تحقيق الوحدة العربية في إطار دولة قومية مركزية، هو بالدرجة الأولى إهمال الجوانب التي لا تروق له في الواقع العربي، وإسقاطها من الحساب تماماً ويأتي في مقدمة المسائل التي أهملها الفكر القومي "الدولة القطرية"، باعتبارها "حالةَ شرٍّ".
مثّل نشوء الدولة في أوروبا واحداً من أهم درجات التطور والحداثة. لعب النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري دوراً في بلورة مفهوم الدولة القومية الذي شكل قاعدة الكيانات الأوروبية التي كانت تعاني من انقسامات على نفسها وصراع بين بعضها البعض للسيطرة على الأراضي والمقاطعات.

وصارت الدولة القومية قوة عارمة في القرنين 18، و19.ولذلك فإنَّ الدول ذات السيادة التي كانت تتمشى مع التوزيع الجغرافي للقوميات قد أضافت تبريراً قانوناً لفكرة مبرر وجود الدولة الحديثة. وانحدرت القومية في بعض الأحيان إلى شوفينية ومن الاعتزاز بالذات إلى احتقار الآخرين، حالة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.

وهكذا، فإنَّ الدولة القومية الحديثة ذات السيادة المنتشرة في العالم الثالث، ومنها العالم العربي، هي نتاج أوروبي. وقد احتاجت ثلاثة أمور أساسية هي: إنجاز أكبر قدر من المركزية السياسية، وإقرار النظام السياسي، وفرض ثقافة عليا.

مع ظهور فكرة القومية تقلص عدد الدول بالتدريج في أوروبا، لأنَّ المنحى الذي اتخذته الحركة القومية هو منحى توحيدي للكيانات المجزأة. فعلى سبيل المثال كان بألمانيا قبل معاهدة وستفاليا 900 دولة، وأدَّت الحروب بينها إلى تناقصها فصارت 355 دولة. وأسفرت حروب نابليون الأول عن زوال 200 دولة منها. وفي عهد الاتحاد الكونفدرالي الألماني 1815 لم يبق منها سوى 36 دولة دخلت ذلك الاتحاد، واستمرت عملية توحيد المناطق بالحرب حتى ظهرت ألمانيا الموحدة على يد بسمارك1871، وتكونت من 24 دولة كانت باقية. وكانت عمليات التوحيد عن طريق الحروب مستمرة في كل أوروبا، وتمت الوحدة الإيطالية 1870 اعتماداً على ضم الولايات والدوقيات والإمارات والمقاطعات ذات الثقافة المشتركة، وفي مقدمتها اللغة في دولة واحدة. وقد انتقلت الموالاة في فترة الدمج والتوحيد من الحاكم إلى الدولة أي صارت السيادة للدولة. واسفرت كل هذه الجهود عن ثورة القومية وفكرتها في أوروبا.

كيف تأسست الدولة التركية العلمانية

عمل السلطان عبد الحميد الثاني على ترسيخ السياسة التوازنية التي قوامها: موازنة القوى بين العدو القريب المؤثر والعدو البعيد الكامن، من خلال ديبلوماسية دقيقة ومرنة، وحاول تكوين مساحة تأثير تتحقق فيها مصالح دولته، أو ما يسمى بـ "الحديقة الخلفية" (Hinterland)، والتي تتمثل في المسلمين الذين يعيشون تحت الاستعمار خارج حدود الدولة العثمانية.

في ظل النظام الدولي الاستعماري في ذلك الوقت، والتناقض الداخلي الذي عاشته البنى الاستعمارية، كان العالم الإسلامي يتكون من تشكيلين سياسيين مختلفين: الأول، يتمثل بالدولة العثمانية التي تمتلك مؤسسة الخلافة، والتي تحاول الصمود والوقوف على قدميها ضد صراع التقاسم بين القوى الاستعمارية، والثاني، يتمثل بالدول الإسلامية التي تم استعمارها من قبل عدة دول إمبريالية.

كان السلطان عبد الحميد يرى أن استمرار وجود الدولة العثمانية مرتبط باستغلال هذه العلاقة بشكل مؤثر في النظام الدولي، لشعوره بحد كبير بقوة العلاقة بين هاتين البنيتين.

ومع ذلك في آخر عهد الحكم العثماني، حين كانت الامبراطورية العثمانية تلقب بـ "الرجل المريض" في قلب الشرق، رفض السلطان عبدالحميد الخضوع لإملاءات وشروط الحركة الصهيونية العالمية لجهة السماح بالاستيطان اليهودي  في فلسطين.

معالم الانقلاب الأتاتوركي

كان من أبرز الانقلاب الجذري الذي ألحقه مصطفى كمال أتاتورك بالدولة العثمانية، والتي بدت إرهاصاته منذ سنة 1922، أن نصّب عسكر تركيا الكمالية أنفسهم حماة للعلمانية وحراساً للمبادىء الأتاتوركية. فتأسست بذلك الجمهورية التركية الحديثة في سنة 1923، وريثة السلطنة العثمانية التي استمرت حقبة دامت أكثر من أربعة قرون، فحوّلت السيطرة الأتاتوركية على تركيا في عام 1923 البلاد من سلطة دينية إلى نظام علماني بالغ في تطرفه تجاه مظاهر التديّن، فحظر وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة لعقود خلت.

لقد أسس مصطفى كمال أتاتورك على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، مقر الخلافة الإسلامية، الجمهورية التركية الحديثة أو تركيا ما بعد العثمانية المؤسَّسة عام 1925، وحافظ عليها ورثته من خلال الاعتماد على الجيش، في إطار بناء دولة علمانية قومية وتسلطية ذي مرجعية سياسية ـ ثقافية هي النمط العلماني الفرنسي.
وأدّى إلغاء الخلافة في شكل خاص إلى بعض الخيبة والانتقادات. ظلّ الإسلاميون ينتقدون بشدّة العلمانية في تركيا. لكن على الرغم من ذلك، كانت مرحلة الإصلاح في تركيا آنذاك مصدراً لـ"الإعجاب بمصطفى كمال في أوساط النخب الحديثة الصاعدة" في البلدان العربية.

لقد أسس مصطفى كمال أتاتورك على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، مقر الخلافة الإسلامية، الجمهورية التركية الحديثة أو تركيا ما بعد العثمانية المؤسَّسة عام 1925، وحافظ عليها ورثته من خلال الاعتماد على الجيش، في إطار بناء دولة علمانية قومية وتسلطية ذي مرجعية سياسية ـ ثقافية هي النمط العلماني الفرنسي. وأراد مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، أن تكون الدولة التركية الجديدة ذات هيكلية وهوية علمانيتين أشد تعصباً من البلاد التي اخترعت العلمانية كفرنسا.

من الزمن الإمبراطوري إلى الزمن القومي الوطني

انصرف الباحث علي الصالح في  في البحث المتعلق  بـ "سقوط الزمن الإمبراطوري: ماذا بعد؟" إلى النظر في عوامل انتهاء موجبات استمرار هذا الزمن السياسي وكل المضامين والقيم التي كانت توفّر له أسباب الاستمرار من جهة، وإلى الأفق الذي انفتح ومدى قدرته على ملء الفراغ الناتج عن حدث السقوط من جهة ثانية. فركز، في هذا الإطار، الجهد على ما أثاره ميلاد أول دولة قومية في العالم الإسلامي، وهي الدولة التركية من جدل، وعلى الفرص المتاحة للنسج على منوالها عربياً. صحيح أن معقول التاريخ يقول إن الدولة القومية العربية كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق.

ولكن الصحيح أيضاً أن معطلات أوقفت هذا المسار وتسلّحت بما يكفي من الأسباب لتصنيع سياق آخر لمنوال آخر من الدول، وتأسيساً على هذه المفارقة، بنى الباحث  معقولية الفصل الثاني من الباب الثاني و الذي حمل العنوان التالي: "من الزمن الإمبراطوري إلى الزمن القومي الوطني" ، وأشار الى التنازع بين السياقين الأكبر والأصغر عامة، وللصعوبات الذاتية والخارجية التي تنتصب ضد استكمال مسار الدولة القومية خاصة. لقد حرص على إبراز فوضى البدائل ومخاطر تعطل معقول التاريخ وانقلاب السياق الأصغر على السياق الأكبر، حتى يبيّن أنّ الملابسات التي حفت بنشأة الدولة في الفضاء السياسي العربي لم تكن مساعدة على أن تكون الولادة طبيعية.

بقول الباحث علي الصالح:"سيَنْقُلُ هذا الباب، إذن، أصداء معركة السياقات وسيقدم لنا مزيداً من القرائن للظفر بإجابة عن هذين السؤالين: ما الذي حال دون قيام الدولة القومية العربية، رغم أن السياق الأكبر كان يدفع في اتجاهها، وفيه يتجسد المعقول السياسي؟ وكيف استطاعت الدولة القطرية أن تقتحم ذاك المعقول فتوقف مساره، وتنجح في الإعلان عن نفسها منوالاً دولتياً بديلاً مكتفية بدعم يأتيها من السياق الأصغر؟ ولا شك في أن تركيزنا على ما سميناه معركة السياقات مقصود فنحن نعمل على استثارة المهمل من المساحات في تاريخ الدولة العربية المعاصرة واستنطاقها؛ لأننا نميل إلى أن فيها ثراء بإمكان الباحثين في الدولة أن يُفيدوا منه لتنمية المعرفة المتخصصة في هذا المجال.

واستجابة لهذا المطلب، تألفت مادة الباب من أربعة فصول، كان حظ السياق الأكبر منها الفصلين الأول والثاني، وكان نصيب السياق الأصغر منها الفصلين الثالث والرابع. وهي في الجملة، تمثل المقطع الزمني والثقافي الثاني الذي ينطلق عملياً من تاريخ انهيار الزمن السياسي القديم متجسداً في الدولة السلطانية العثمانية، وينتهي عند بناء الدولة القطرية في الفضاء الجغرافي العربي. ويربط هذه الفصول بمباحثها الثمانية خيط ناظم ننتقل بواسطته في الزمان، وكذا في القضايا في اتجاه الدولة التي ستنشأ بعد رحيل الاستعمار المباشر. ولا بأس من الإشارة إلى أننا سنلاقي متاعب جمة في هذه الرحلة؛ لأنها ستكون في ساحة نزاع حاد بين البدائل، ومع مواجهة مثيرة معرفياً بين تلكما الطبقتين السياقيتين"(ص131).

وهذا ما تكفل بإظهاره على نحو جلي، الفصل الثالث الذي سماه:"الدولة الوطنية والهوية الدستورية". في هذا الفصل، سيقع الإعلان عن هزيمة معقول التاريخ واندحار السياق الأكبر من جهة، وظهور معقول صناعي لاستيعاب زمن غير تاريخي، وهو زمن الدولة القطرية من جهة ثانية. فكان الانشغال بالمداخل الثقافية ذات الصلة بالهوية عموماً، وبما يجعلها صناعية غير تاريخية خصوصاً. وفي هذا الفصل، نكون قد وقفنا، بصفة نهائية، على مشهد خروج الدولة القطرية إلى الوجود. وهو ما يُيَسِّر لنا مهمة الانتقال من دارسة سياقات التشكل إلى فحص مخرجاتها. إنّنا، إذن، في الدولة من الداخل حيث التهجين ماثل أمامنا في هذا المعمار الجديد. وسينهض الفصل الرابع بأعباء دراسته؛ وذلك بإبراز خصائصه والكشف عن هوية دولة خرجت من رحم سياقات متصارعة وتجمعت فيها المفارقات.