أثار انسحاب روسيا من اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية كثيرا من التساؤلات حول هذه المحكمة ودورها في التحقيق بجرائم الحرب المنتهكة حول العالم.
ووقع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" قرارا بانسحاب بلاده من اتفاقية روما للمحكمة التي وقعت عام 2000 ودخلت حيز التنفيذ عام 2002م.
وعبرت وزارة الخارجية الروسية عن خيبة أمل موسكو من عمل المحكمة التي لم تتمكن من القيام كهيئة مستقلة موثوقة للقضاء الدولي حسب تعبير البيان.
وأضاف البيان أن روسيا تدعو لمساءلة مرتكبي جرائم الحرب الدولية الأكثر خطورة، وأشارت إلى مشاركتها في تأسيس محكمتي "نورنبيرغ وطوكيو" لمنع الإبادة الجماعية والجرائم الحربية كما قال البيان.
ويأتي الانسحاب الروسي من اتفاقية روما عقب قيام المدعية العامة للمحكمة الدولية "فاتو بنسودا" بالتصريح بأن ضم "شبه جزيرة القرم" كان عبارة عن احتلال وحرب شنتها روسيا ضد أوكرانيا.
واتهمت "بنسوا" روسيا بدعم التشكيلات المسلحة جنوب شرق أوكرانيا، حيث لم تستبعد اعتبار المحكمة لروسيا بأنها مشاركة في صراع مسلح.
الحكم على الضعفاء
وقال إعلامي روسي من موسكو طلب عدم نشر اسمه، بسبب عمله في الإعلام الحكومي في حديث مع "عربي21" إن موسكو كانت الدولة الوحيدة الموقعة من بين الدول الكبرى كأمريكا والصين والهند.
وأضاف أيضا: "إن روسيا في الأصل لم تنضم للمحكمة الجنائية حتى تنسحب، وإنما وقعت على اتفاقية روما التي تحكم عمل الجنائية، فيما يحتاج الانضمام لها توقيع الكريملين وبوتين وهو ما لم يحصل بعد، حيث قرر الأخير عدم التوقيع عليها أخيرا".
وأوضح الإعلامي أن ما استفز روسيا على ما يبدو هو توافق أطراف دولية على اتهام روسيا بارتكاب جرائم مزعومة في أوكرانيا وجورجيا، فيما تغض هذه الدول عن جرائم كبرى تحدث في العراق بسبب الغزو الأمريكي له، أو كما قال.
وختم قوله :"المحكمة حتى الآن لم تحكم سوى على الضعفاء من المجرمين، فيما تركت المجرمين المدعومين من القوى الدولية، فلماذا على روسيا أن تنضم للمحكمة؟"
ليست أول المنسحبين
من جهته قال رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان د.رامي عبدو في حديث مع "عربي21" إن عملية الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية يجب أن تتم عبر طرق رسمية أهمها إشعار الأمين العام للأمم المتحدة، وتصبح سارية المفعول بعد سنة من التوقيع على الانسحاب.
وأوضح عبدو أن روسيا ليست عضوا في الجنائية الدولية، ولكنها موقعة على الاتفاقية التي تحكمها وهي اتفاقية روما، لذلك فإن الانسحاب يكون من التصديق على الاتفاقية الذي يتيح لها الانضمام للجنائية.
وقال أيضا: "ليست روسيا أول المنسحبين، فعدد من الدول الإفريقية انسحبت من الجنائية مثل جنوب إفريقيا بسبب اقتصار غالبية القضايا التي فتحت بجرائم متعلقة بإفريقيا".
ويذكر أن المحكمة الدولية فتحت التحقيق بعشر جرائم إبادة منها تسع في إفريقيا، وأصدرت خمس مذكرات اعتقال كانت جميعها بحق أفارقة.
وشدد عبدو على أن هذه القضايا ومذكرات الاعتقال التي تقتصر على الأفارقة لأن تسود فكرة أن المحكمة وجدت بيد الغرب لاستهداف القارة الإفريقية، وهذا ما جعل الدول الإفريقية للانسحاب من المحكمة.
روسيا وقعت الاتفاقية في وقت سباتها
من جهته قال د.خطار أبو دياب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس في حديث خاص مع "عربي21" إن تسعينيات القرن الماضي شهدت سباتا روسيا إبان مرحلة الرئيس "بوريس يلتسين" ووقعت على اتفاقية روما، فيما لم توقع الولايات المتحدة التي كانت القوة العظمى الوحيدة وقتها.
وأشار أبو دياب إلى أن المفاوضات التي كانت تجريها الولايات المتحدة بعد انسحاباتها سواء من أفغانستان والعراق "كانت تفاوض على حصانة موظفيها وعناصرها من الملاحقة، لأنها لا تسلم بوجوب محاكمة أي أمريكي أمام محكمة دولية أو خارجية".
وأوضح أن هذا الموقف أضعف المحكمة الجنائية الدولية، فاقتصرت غالبية القضايا على أفارقة، ولكنه استدرك وقال: "ولكن حتى عند الوصول للرئيس عمر البشري المطلوب للجنائية الدولية لم تستطع اعتقاله نتيجة تضامن إفريقيا ودول أخرى معه".
وقال د.أبو خطاب إن قضية يوغوسلافيا السابقة ظهرت وكانت بسبب الضعف الروسي السابق حيث تمكنت المحكمة من سجن الرئيس اليوغسلافي السابق "سلوفودان ميلوسوفيتش".
وقال أيضا: "الانسحاب الروسي يدلل على أن روسيا تريد أن تعامل كما الولايات المتحدة، وتريد ألا تتعرض لأي سؤال كما جرى في شبه جزيرة القرم، أو حتى ما جرى للطائرة الماليزية التي أسقطت شرق أوكرانيا بسبب اشتباه في صلة للروس في هذه المسألة".
وختم أبو دياب حديثه قائلا: "المحكمة تتعرض أكثر وأكثر للضعف، لأن هذه المؤسسة كان فيها أمل بأن تكون نموذجية لحماية الناس، واليوم هي تسقط نتيجة التجاذبات الدولية وقدرة الدول الكبرى على حماية نفسها من المحاكمة".
ويذكر أن الفلبين وعلى لسان رئيسها "رودريغو دوتيرتي" أكدت أنها تفكر بشكل جدي بالانسحاب من المحكمة الدولية بسبب اتهامات الدول الغربية له بتنفيذ عمليات قتل خارج إطار القانون، حيث قال: "إذا أرادت روسيا والصين تشكيل نظام جديد، فإن دولته ستكون أول المنضمين إليه".