إسلاميو المغرب والجزائر.. عودة إلى البرلمان ومسارات خارج اللعبة الانتخابية

إن مقارنة الإسلاميين في البلدين تحتاج إلى التمييز بين الإسلاميين المشاركين في الانتخابات، والإسلاميين المقاطعين لها، والتيارات التي تعرضت تاريخيًا للإقصاء أو الحل.. عربي21
إن مقارنة الإسلاميين في البلدين تحتاج إلى التمييز بين الإسلاميين المشاركين في الانتخابات، والإسلاميين المقاطعين لها، والتيارات التي تعرضت تاريخيًا للإقصاء أو الحل.. عربي21
شارك الخبر
أعادت الانتخابات التشريعية التي جرت في كل من المغرب والجزائر خلال عام 2026 الأحزاب الإسلامية إلى واجهة المشهد البرلماني، لكن بصورة مختلفة في البلدين. ففي المغرب، تمكن حزب العدالة والتنمية من استعادة جزء كبير من حضوره بعد انهياره الانتخابي في 2021، بينما حافظت حركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني على حضور معتبر في البرلمان الجزائري، من دون أن تقترب أي من التجربتين من تصدر المشهد السياسي.

وتكشف النتائج عن مفارقة لافتة: الإسلاميون في البلدين خرجوا من مرحلة التراجع الحاد، لكنهم ما زالوا يعملون داخل بيئتين سياسيتين مختلفتين، وبأوزان انتخابية متفاوتة، وباستراتيجيات حزبية لا تتطابق..

المغرب.. عودة "العدالة والتنمية" من بوابة المعارضة


في المغرب، أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول 2026 صدارة حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدًا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدًا، فيما حل حزب العدالة والتنمية في المرتبة الرابعة بـ54 مقعدًا.

وبذلك يكون الحزب الإسلامي قد حقق قفزة كبيرة مقارنة بنتيجة انتخابات 2021، عندما حصل على 13 مقعدًا فقط، بعد أن كان قد تصدر انتخابات 2016 بـ125 مقعدًا وقاد الحكومة لولايتين. وأكدت النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية المغربية الأرقام نفسها التي وردت في النتائج الأولية.

لكن عودة العدالة والتنمية إلى البرلمان لا تعني عودته إلى الحكومة؛ فقد أعلن أمينه العام السابق ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران توجه الحزب إلى المعارضة، في وقت تشكلت فيه الخريطة الجديدة حول أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال.

وتكمن أهمية النتيجة بالنسبة إلى الحزب في أنها نقلته من حالة الانكماش التي عاشها عقب انتخابات 2021 إلى موقع برلماني أكثر حضورًا، لكنها في الوقت نفسه أبقته خارج موقع قيادة الحكومة.

الجزائر.. إسلاميون متعددون بدل حزب واحد


المشهد الجزائري يبدو مختلفًا؛ إذ لا يمثل التيار الإسلامي حزب واحد مهيمن، بل مجموعة من الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية، أبرزها حركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني.

وفي الانتخابات التشريعية التي جرت في 2 يوليو/تموز 2026، حصلت حركة مجتمع السلم على 43 مقعدًا، فيما نالت حركة البناء الوطني 40 مقعدًا، بحسب النتائج النهائية الرسمية. وبذلك يمتلك الحزبان معًا 83 مقعدًا في المجلس الشعبي الوطني، لكنهما بقيا خلف جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل.

وتكشف المقارنة مع انتخابات 2021 عن تراجع واضح في تمثيل حركة مجتمع السلم؛ فقد حصلت آنذاك على 64 مقعدًا وفق النتائج المعلنة، قبل أن تستقر النتائج النهائية لتحالفها آنذاك على 33 مقعدًا، بينما كانت حركة البناء الوطني قد حصلت على 40 مقعدًا.

وعليه، فإن حضور الإسلاميين في البرلمان الجزائري لا يمكن قراءته من خلال حزب واحد، كما هي الحال في المغرب، بل من خلال مجموع قوى إسلامية تتنافس فيما بينها، وهو ما يمنح التيار وزنًا برلمانيًا أكبر من وزن أي حزب إسلامي منفرد.

أوجه التشابه.. عودة بعد التراجع


أحد أبرز أوجه التشابه بين التجربتين يتمثل في أن انتخابات 2026 لم تكرس استمرار الانحسار الذي أصاب الإسلاميين في الانتخابات السابقة، وإنما أظهرت قدرة التيار على استعادة جزء من قاعدته الانتخابية.

في المغرب، ارتفع تمثيل العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعدًا، بينما حافظ الإسلاميون في الجزائر على حضور برلماني كبير عبر حركتي مجتمع السلم والبناء الوطني، رغم التراجع الذي أصاب حركة مجتمع السلم مقارنة بنتيجتها السابقة.

كما تشترك التجربتان في أن الإسلاميين لم يصبحوا القوة الأولى داخل البرلمان. ففي المغرب تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج، بينما تصدرت جبهة التحرير الوطني الانتخابات الجزائرية، وحل الإسلاميون في مواقع لاحقة في الحالتين.

الاختلاف الأول.. حزب إسلامي مركزي مقابل تعدد حزبي


الاختلاف الأبرز يتعلق بطبيعة الخريطة الإسلامية نفسها. فالمغرب يمتلك حزبًا إسلاميًا رئيسيًا هو العدالة والتنمية، الذي خاض تجربة الحكم بين 2011 و2021، قبل أن يتعرض لانهيار انتخابي كبير في انتخابات 2021 ثم يستعيد جزءًا من قوته في 2026.

أما الجزائر، فتضم ساحة إسلامية أكثر تعددًا، تتقدمها حركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني، إلى جانب أحزاب إسلامية أخرى ذات تمثيل محدود، وهو ما يجعل قياس قوة الإسلاميين هناك مرتبطًا بمجموع هذه الأحزاب وليس بنتيجة حزب واحد.

وهذا الاختلاف يؤثر كذلك في طبيعة الخطاب السياسي؛ فالعدالة والتنمية المغربي يدخل المرحلة الجديدة من موقع المعارضة، بينما يتحرك الإسلاميون الجزائريون داخل برلمان متعدد القوى، حيث لا يمتلك أي تيار إسلامي منفرد موقعًا يسمح له بفرض أجندته على المجلس.

الاختلاف الثاني.. حجم المشاركة السياسية


تظهر أرقام المشاركة الانتخابية تفاوتًا كبيرًا بين البلدين. فقد بلغت المشاركة في الانتخابات المغربية الأخيرة نحو 38%، مقابل 21.24% في الانتخابات التشريعية الجزائرية، بحسب النتائج الرسمية.

ويعني ذلك أن النتائج البرلمانية في البلدين جاءت في سياق اتسم بدرجات مختلفة من العزوف الانتخابي، وهو عامل مهم عند قراءة الوزن الشعبي للأحزاب، بما فيها الإسلامية؛ إذ إن عدد المقاعد لا يعكس وحده حجم التأييد الاجتماعي، خصوصًا مع انخفاض نسبة المشاركة.

وفي الجزائر، كانت نسبة المشاركة البالغة 21.24% هي الأدنى في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية، وفق النتائج النهائية الرسمية، مع مشاركة بلغت 10.75% فقط بين أفراد الجالية في الخارج.

النظام الانتخابي وأثره في النتائج


هناك اختلاف آخر يتعلق بقواعد تحويل الأصوات إلى مقاعد، وهو ما يجعل المقارنة المباشرة بين عدد المقاعد في البلدين غير كافية وحدها.

ففي المغرب، جرت انتخابات مجلس النواب على 395 مقعدًا، وأفرزت نظامًا حزبيًا متعددًا لم يحصل فيه أي حزب على أغلبية منفردة، وهو ما يجعل تشكيل الحكومة قائمًا على الائتلافات. وقد تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، فيما جاء العدالة والتنمية رابعًا بـ54 مقعدًا.

أما الجزائر، فيتكون المجلس الشعبي الوطني من 407 مقاعد، وقد أفرزت انتخابات 2026 خريطة تضم أحزابًا كبيرة ومتوسطة ومستقلين، مع حصول جبهة التحرير الوطني على 90 مقعدًا، والتجمع الوطني الديمقراطي على 74، وجبهة المستقبل على 56، ثم حركة مجتمع السلم بـ43 وحركة البناء الوطني بـ40.

"الاختلال" المشترك.. الحضور البرلماني لا يساوي قيادة سياسية


تكشف التجربتان عن فجوة بين القدرة على الحضور داخل البرلمان والقدرة على قيادة المشهد السياسي.. فالعدالة والتنمية المغربي استطاع مضاعفة تمثيله أكثر من أربع مرات مقارنة بـ2021، لكنه لم يستعد موقع قيادة الحكومة. وفي الجزائر، يشكل الحزبان الإسلاميان الرئيسيان كتلة معتبرة من حيث مجموع المقاعد، لكنهما بقيا خلف الأحزاب التي تصدرت المجلس.

ومن ثم، فإن استعادة الإسلاميين جزءًا من حضورهم الانتخابي لا تعني بالضرورة استعادة الدور السياسي الذي كان لبعضهم في مراحل سابقة.

بين التجربتين.. تشابه في النتائج واختلاف في البنية


تبدو الانتخابات المغربية والجزائرية متشابهة في نقطة أساسية: الإسلاميون موجودون، وقادرون على استعادة جزء من جمهورهم، لكنهم ليسوا القوة السياسية الأولى..

غير أن الاختلاف أكثر عمقًا في بنية التيار نفسه. ففي المغرب، يمثل العدالة والتنمية تجربة إسلامية حزبية واحدة ذات تاريخ واضح في المعارضة والحكومة ثم العودة إلى المعارضة. وفي الجزائر، يتوزع الإسلاميون على أكثر من حزب، ويشكلون جزءًا من خريطة حزبية أكثر تعددًا.

كما أن الفارق الكبير في نسب المشاركة يفرض الحذر عند تفسير النتائج باعتبارها تحولًا شاملًا في المزاج الشعبي. فالانتخابات المغربية سجلت مشاركة أقل من 2021، بينما شهدت الجزائر نسبة مشاركة بلغت 21.24% فقط.

وبينما يمكن قراءة النتيجة المغربية باعتبارها استعادة انتخابية جزئية لحزب تعرض لانهيار حاد في 2021، فإن النتيجة الجزائرية تعكس استمرار وجود تيار إسلامي برلماني متعدد المكونات، لكنه لم يتحول إلى القوة الأولى في المجلس.

وفي الحالتين، تبدو المسألة الأساسية أمام الإسلاميين أبعد من مجرد عدد المقاعد: إنها تتعلق بقدرتهم على تحويل الحضور الانتخابي إلى نفوذ سياسي مستدام، وعلى التعامل مع عزوف انتخابي متزايد، وتغير أولويات الناخبين، وتحولات البيئة الحزبية في البلدين.

"العدل والإحسانّ و"الإنقاذ".. إسلاميون خارج المعادلة الانتخابية


لكن خريطة الإسلاميين في المغرب والجزائر لا تكتمل بالنظر إلى الأحزاب التي تخوض الانتخابات وتدخل البرلمان؛ إذ توجد في البلدين تجربتان بارزتان لقوى إسلامية اختارت، في ظروف مختلفة، أن تكون خارج المسار الانتخابي القائم.

في المغرب، تمثل "جماعة العدل والإحسان" الحالة الأبرز. فقد أعلنت الجماعة في سبتمبر/أيلول 2026 مقاطعة الانتخابات التشريعية، ودعت المواطنين إلى عدم المشاركة فيها، معتبرة أن شروط التنافس السياسي الحر والعادل غير متوافرة، وأن المؤسسات المنتخبة لا تملك، وفق تقديرها، القرار السياسي الفعلي.

وبذلك تبرز في المشهد المغربي ثنائية داخل التيار الإسلامي نفسه: حزب العدالة والتنمية الذي اختار العمل من داخل المؤسسات الانتخابية، وجماعة العدل والإحسان التي ترفض المشاركة في الانتخابات بصيغتها الحالية.. ولا يعني ذلك تطابق المشروعين أو أن الجماعة تمثل مجرد امتداد للحزب؛ فلكل منهما تجربته وبنيته وخياراته السياسية، لكن وجودهما يوضح تعدد المواقف الإسلامية من المشاركة السياسية داخل المغرب.

وتقدم الجزائر نموذجًا مختلفًا وأكثر ارتباطًا بتاريخ الصراع السياسي. فقد كانت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في مطلع التسعينيات قوة انتخابية صاعدة، إذ فازت بأغلبية كبيرة في الدور الأول من الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر/كانون الأول 1991، وحصلت على 188 مقعدًا من أصل 228 مقعدًا حُسمت في المرحلة الأولى. وأُوقف المسار الانتخابي مطلع 1992، قبل أن تُحل الجبهة لاحقًا.

وتختلف هذه التجربة جذريًا عن حالة العدل والإحسان؛ فالجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تبتعد عن الانتخابات ابتداءً، بل دخلتها وحققت نتائج كبيرة، ثم انتهى حضورها الحزبي بعد إلغاء المسار الانتخابي وحل التنظيم. أما العدل والإحسان فقد اتخذت موقف المقاطعة من العملية الانتخابية نفسها، وتستمر في العمل خارج المؤسسات البرلمانية.

مساران خارج البرلمان


تكشف الحالتان، رغم اختلاف السياق التاريخي والسياسي، عن مسألة مركزية في قراءة حضور الإسلاميين في المغرب والجزائر: التمثيل البرلماني لا يعكس وحده حجم التيار الإسلامي أو تأثيره الاجتماعي والسياسي..

ففي المغرب، توجد قوة إسلامية اختارت المشاركة الحزبية والمؤسساتية ممثلة في العدالة والتنمية، إلى جانب جماعة كبيرة اختارت عدم دخول الانتخابات. وفي الجزائر، أدى الصدام الذي أعقب صعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 1991 إلى اختفاء الحزب من الخريطة الحزبية، فيما استمر التيار الإسلامي لاحقًا من خلال أحزاب أخرى، أبرزها حركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني.

ومن ثم، فإن مقارنة الإسلاميين في البلدين تحتاج إلى التمييز بين الإسلاميين المشاركين في الانتخابات، والإسلاميين المقاطعين لها، والتيارات التي تعرضت تاريخيًا للإقصاء أو الحل..

من "الإنقاذ" إلى "مجتمع السلم".. اختلاف السياقات


كما أن المقارنة بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحركة مجتمع السلم في الجزائر تكشف تحولًا داخل التجربة الإسلامية الجزائرية نفسها. فالجبهة الإسلامية للإنقاذ ظهرت في مرحلة الانفتاح السياسي الذي أعقب أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988، وخاضت انتخابات 1990 و1991، قبل أن تتوقف العملية الانتخابية في أعقاب نتائج الدور الأول من التشريعيات.

أما حركة مجتمع السلم، فتتحرك في إطار حزبي مختلف، وتشارك في المؤسسات المنتخبة، شأنها في ذلك شأن حركة البناء الوطني. ولذلك لا يصح التعامل مع الحضور الإسلامي الجزائري الحالي باعتباره استمرارًا تنظيميًا للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وإنما باعتباره جزءًا من مسار سياسي إسلامي مختلف نشأ بعد التحولات الكبرى التي عرفتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي.

وفي المغرب أيضًا، لا يمكن اختزال التيار الإسلامي في العدالة والتنمية؛ فوجود العدل والإحسان خارج البرلمان يفرض عند قراءة الانتخابات النظر إلى ما هو أبعد من عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب الإسلامية المشاركة.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التشابه والاختلاف بين البلدين: في المغرب، اختارت جماعة إسلامية بارزة مقاطعة الانتخابات مع استمرار حضورها في المجال العام؛ وفي الجزائر، شهدت البلاد تجربة مختلفة تمثلت في صعود انتخابي كاسح لجبهة إسلامية ثم توقف المسار الانتخابي وحل الحزب، قبل أن تعود أحزاب إسلامية أخرى إلى العمل البرلماني ضمن النظام الحزبي القائم..

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)