تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد مصر.. ما تأثيره على ملف مياه النيل؟

 صعدت أديس أبابا الأزمة ولجأت إلى التصعيد الدبلوماسي معلنة الخميس باعتبار دبلوماسيا مصريا "شخصا غير مرغوب فيه"- جيتي
صعدت أديس أبابا الأزمة ولجأت إلى التصعيد الدبلوماسي معلنة الخميس باعتبار دبلوماسيا مصريا "شخصا غير مرغوب فيه"- جيتي
شارك الخبر
دخلت العلاقات السياسية بين مصر وإثيوبيا مرحلة جديدة من التصعيد قد تصل إلى القطيعة الدبلوماسية؛ على الرغم من التصريحات المصرية المتتابعة من أكثر من مستوى والمؤكدة على "احترام سيادة الدول"، وعدم تدخل القاهرة في الصراع العسكري بين الحكومة الاتحادية في إثيوبيا و7 مجموعات عرقية مسلحة، والذي بدأ نهاية الشهر الماضي.

وتخوض 7 مجموعات عرقية إثيوبية مسلحة هي: "جبهة تحرير تيغراي" وحركة "فانو" في إقليم أمهرة، و"جيش تحرير أورومو"، و"جبهة تحرير أوغادين"، و"جبهة تحرير بني شنقول"، و"الجبهة العفرية أوغوغومو"، و"حركة شعب غوموز"، مواجهات عسكرية ضد حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، المدعوم من أطراف دولية بينها "إسرائيل" والإمارات.

وفي 26 أيلول/ سبتمبر الماضي، اتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، مصر والسودان وأطرافا أخرى بتقديم دعم لجماعات مناوئة لأديس أبابا.

ليأتي رد القاهرة، في 28 أيلول/ سبتمبر الماضي، مؤكدا أن سياسة مصر الخارجية تقوم على مبادئ ثابتة، في مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى.

حينها، شددت الخارجية المصرية على أن "أي ادعاءات تشكك في التزام مصر بهذه المبادئ الراسخة هي والعدم سواء"، كما أشارت القاهرة، في تصريحات مسؤولين إلى أن أديس أبابا تحاول تعليق إخفاقاتها الداخلية وأزماتها المتتالية على أطراف خارجية.

في المقابل، صعدت أديس أبابا الأزمة ولجأت إلى التصعيد الدبلوماسي، معلنة الخميس، عن إجراء قد يكون غير مسبوق في علاقات الجانبين، باعتبار دبلوماسيا مصريا "شخصا غير مرغوب فيه"، وإبلاغ سفارة القاهرة بأديس أبابا بضرورة مغادرته خلال 48 ساعة.

وفي حين قالت الخارجية الإثيوبية إن القرار اتُخذ وفقا لـ"اتفاقية فيينا" للعلاقات الدبلوماسية، إلا أنها لم تذكر أسباب القرار أو تعلن نوعية مخالفة الدبلوماسي المصري؛ ما ردت عليه مصر بقرار مماثل باعتبار مستشار السفارة الإثيوبية بالقاهرة شخصا غير مرغوب فيه، و إمهاله 48 ساعة لمغادرة البلاد، فيما أكد مسؤول مصري لقناة "القاهرة الإخبارية" أن الإجراء الإثيوبي "مؤسف وغير مبرر".

وبرغم ما تعيشه مصر مع إثيوبيا منذ العام 2011، من أزمات وصلت حد جمود العلاقات والتوتر الشديد بسبب بناء الأخيرة سدا على النيل الأزرق دون تنسيق أو اتفاق مع دولتي مصب نهر النيل حول عمليات الملء والتشغيل الأحادي؛ إلا أنه لا توجد سجلات تاريخية معلنة أو سابقة تفيد بأن إثيوبيا أعلنت دبلوماسياً مصرياً "شخصاً غير مرغوب فيه" قبل هذه المرة.

ويجيء القرار الإثيوبي، عقب قرار أديس أبابا إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين من البلاد -ردت عليه أسمرة بإجراء مماثل- بتهمة المشاركة في أنشطة قالت إنها تشكل "تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي"، دون أن تذكر نوع تلك الأنشطة.

اظهار أخبار متعلقة


سابقة في العلاقات

وحول حالة التصعيد الإثيوبية الحالية مع مصر، وإلى أي مدى قد تصل وتقود علاقات البلدين، واحتمالات زيادتها للضغط على مصر بملفات المياه وتكتيف تحركاتها بالقرن الأفريقي، وتأثير ذلك التصعيد على قضية المياه، وكيفية الاستفادة من الأزمة الإثيوبية الحالية، تحدثت "عربي21" مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير فرغلي طه.

الدبلوماسي المصري، في بداية حديثه أوضح أنه رغم توتر العلاقات منذ إعلان بناء "سد النهضة" عام 2011، إلا أنها المرة الأولى التي تتخذ فيها إثيوبيا هكذا قرار، مؤكداً أن "هذا لم يحدث بيننا وبين إثيوبيا مسبقاً"، بين أنها "دولة لديها أزمات داخلية وصراع أهلي تجدد بين الفصائل السبعة ونظام أديس أبابا، والذي يتكرر كل فترة لوجود عرقيات مختلفة وتتنازع على الحكم، إضافة لخلافها التاريخي مع إريتريا مع احتلالها أراضي إريترية، ورغم اتفاق (بريتوريا) عام 2022، لكن الأمور تأزمت مجدداً".

وأكد فرغلي، أن "طرد الدبلوماسي المصري بالنسبة لنا، أمر مستغرب، لكن سبقه اتهامات إثيوبية صريحة بأن القاهرة تساعد الفصائل المسلحة ومصر نفت ذلك، ومع ذلك الحكومة الإثيوبية مصرة على هذا الاتهام".

وأوضح أن "إعلان أي دبلوماسي كما يطلق عليه بالأوساط الدبلوماسية (شخص غير مرغوب فيه) يكون عند دولة الاعتماد أسبابها وعادة لا تعلن الأسباب صراحة وتقال عبارة: (لقيامه بأعمال منافية لصفته الدبلوماسية)، وغالباً الدولتان لا تعلنان، وفي كل الأحوال مصر لن تعلن، ولن تتهم نفسها، ومن الممكن أن يكون الموضوع في الأساس كيدياً".

وبشأن تزامن قطع إثيوبيا علاقاتها مع إريتريا وطرد 10 دبلوماسيين من أديس أبابا، وتوجيه اتهامات لهم بالمشاركة في أنشطة قالت إنها تشكل "تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي"، قال طه إن "تلك الاتهامات لا تنطبق أبداً على واقعة الدبلوماسي المصري، ولا علاقة بين الواقعتين، فمصر وإريتريا دولتان مختلفتان ومصالحهما وإن تشابهت في أمور معينة، ولكنها ليست متطابقة، والجغرافيا ليست واحدة، ومشاكل المياه ليست موجودة بين أسمرة وأديس أبابا ومشكلاتهما حدودية ومختلفة تماماً".

وأكد أن "هذا الربط لا يجوز أولاً من جانب أي محلل، ولا من الجانب الإثيوبي، وأنفيه تماماً؛ لكن أن يتصور أحد أن اتهامات إثيوبيا لإريتريا بمساعدة الفصائل المتحاربة ضد نظام الحكم في أديس أبابا تواكب معها نفس الاتهامات لمصر، فمن هنا يأتي ربطُ من ربط بين الواقعتين وليس في وجهة نظري أنا، لأن الربط غير منطقي حتى ولو تشابه الاتهام".

إلى تصعيد أم إلى هدوء؟

وحول حدود التصعيد الدبلوماسي الحالي، يتصور الدبلوماسي المصري أنه قد يحدث تصعيد آخر، قائلا: "الجانب الإثيوبي يحاول تصدير مشاكله الداخلية بصرف أنظار الشعب الإثيوبي والرأي العام الداخلي إلى الخارج، ويعطي أزماته ومشاكله صبغة قومية ووطنية مع دول الجوار وغيرها"، متوقعاً أن "تستمر أديس أبابا في هذه الاتهامات وقد تستفز مصر".

واستدرك: "ولكن القاهرة لها سياساتها الخارجية والأمنية والعسكرية، وأتصور أن مصر ليس من مصلحتها أن تنجر إلى مثل هذه المواجهات المباشرة، كما أن التحرك المصري والسياسة المصرية في أفريقيا عموماً يجب أن تضع في الاعتبار عدم المواجهة العسكرية مع أي دولة أفريقية، لأن الغالب الأفريقي لديه حساسية مع مصر، وموقفه قد لا يكون معنا على الأقل، إن لم يتهم مصر بأنها تستقوي بالقوة العسكرية وتتمسك بالحقوق التاريخية التي ترفضها أغلب دول حوض النيل، وليس إثيوبيا فقط، فتلك الحقوق التاريخية يسمونها استعمارية".

وفي قراءته لما وراء التحرك الإثيوبي ضد مصر، وما إذا كان محاولة لاستعطاف العالم مستغلة الحرب الأهلية ومزاعم دعم الحركات الانفصالية، للضغط على القاهرة لتقليل حضورها في ملفات الصومال وإريتريا وجنوب السودان، بجانب ملف المياه، قال فرغلي: "إثيوبيا تتخذ من الوسائل السياسية والدعايات والاستخبارات الكثير لتشويه صورة مصر في الظروف الحالية".

ولفت إلى أن مطلب أديس أبابا "منفذاً على البحر الأحمر أو خليج عدن، رغم أن لديها طريقاً برياً تستخدمه للتجارة عبر أراضي جيبوتي والوصول للبحر الأحمر، كما طلبت منفذاً على البحر الأحمر عبر إقليم صوماليلاند، مصر لا شأن لها بذلك، وكذلك هو أيضاً ليس من حقه أن يتدخل في السياسة المصرية في شرق القارة".

وبشأن إمكانية ضغط مصر على إثيوبيا والمطالبة بنقل مقر الاتحاد الأفريقي من أديس أبابا وفق ما طرحه الباحث المصري هاني إبراهيم، كإحدى أسلحة مصر في مواجهة الضغوط والتعنت الإثيوبي بدعوى أن هذه دولة غير مستقرة سياسياً، مع الحصول على دعم دول الجوار الإثيوبي ذات العلاقات السيئة معها مثل إريتريا والسودان، أكد فرغلي، أنه "لن نجد تجاوباً من دول أفريقيا سواء شرق وغرب، وشرق ووسط بالذات، حيث أن لديهم حساسية تاريخية وحاضرة تجاه أي تكتل ضد أفريقيا السمراء في السوابق الاستعمارية وخصوصاً في العالم العربي ومصر بالذات، والتي ساعدتهم سابقاً".

وبين أنه "في الظروف الحالية هناك دعاية ضد مصر بأنها تحاول أن تتزعم القارة وتستقوي بقوتها العسكرية، وأنه ليس لها في شرق أفريقيا وأفريقيا كلها إلا حرصها على مياه النيل؛ وكلها دعاية مضادة، ولذا أن يحدث تكتل لنقل مقر الاتحاد الأفريقي، فالقارة ستفضل أن يكون المقر في أفريقيا السوداء، وليس بدول عربية وذلك رغم أن الرئيس جمال عبدالناصر هو من أقر بوجود (منظمة الوحدة الأفريقية) عام 1963 في أديس أبابا، لتتحول إلى مقر للاتحاد رسمياً عام 2002".

اظهار أخبار متعلقة


تداعيات الأزمة.. وكيف تفيد مصر؟

وفي توقعاته لتأثير التصعيد الحالي على ملف مياه النيل، قال السفير المصري، إن "السد تم بناؤه وتتم إدارته بإدارة إثيوبية منفردة بمساعدة أطراف ساعدتها سابقاً في البناء ومساعدة أطراف أخرى في تأمينه؛ ولكن لحظة إغلاق أو محاولة منع المياه عن مصر أظنها لم تأت بعد دولياً ولا إقليمياً أو الرغبة لدى الأطراف التي بنت السد للضغط على مصر بهذا الغرض".

ويرى أنه "لا يوجد أي ضرر في اللحظة الحالية ممكن أن تفعله إثيوبيا؛ إلا إذا كانت مسألة هيدروليكية أو مائية وفنية، لأن إغلاق السد بالكامل يضر إثيوبيا وهو غير ممكن عملياً، ولكنهم قد يقللون المياه القادمة إلى مصر والسودان إلى الربع مثلاً، ويفاقمون الجفاف كما حدث الصيف الماضي في السودان".

واستدرك: "لكن أن يهدد مصيرياً الحياة في مصر، فأولاً المياه لا يمكن احتباسها كلية، كما أنه يعرف معنى الحرب وليس هنا كلام يقال، والدول الكبرى تعرف ذلك؛ ولكن هناك من يستهدف مصر وخلفه إسرائيل والتكتلات الصهيونية في الولايات المتحدة، بجانب دول عربية ساعدتهم وما زالت تساعدهم ولكن هل هدفها أن تمنع المياه عن مصر؟، لا أستطيع الجزم بذلك، ولكنها تريد أن تملك وسيلة من وسائل الضغط والتحكم".

وفي ظل استفادة إثيوبيا من أزمات مصر في بناء السد، يثار السؤال: كيف للقاهرة أن تستفيد من أزمة أديس أبابا الآن؟، وهو ما أجاب عليه فرغلي بالقول، إن "مشكلتنا مع إثيوبيا مشكلة تاريخية منذ الحملة العثمانية على إثيوبيا في القرن الـ16 ومصر كانت غير مستقلة، فهناك حساسيات ومسائل كراهية وعنصرية".

وأوضح أن "مشكلتنا الحالية هي السد والمياه"، متسائلاً: هل لو ساعدت مصر إثيوبيا في أزمتها مع تلك الفصائل، هل ستقوم بهدم السد مثلاً؟، بالطبع لا، فالسد سيظل موجوداً وهدفه قائماً بالتحكم في المياه للضغط على مصر في أي وقت يحتاجه أي من الأطراف المساهمة، وفي تصوري أنه بالظروف الحالية الأفضل عدم التدخل عسكرياً مباشرة حتى لا نثير أفريقيا والاتحاد الأفريقي، ونثبت أن الاتهامات الإثيوبية غير صحيحة".

وفي نهاية حديثه يتصور الدبلوماسي المصري، أن "مشكلة السد الإثيوبي وملف المياه هما الملفان المصيريان بالنسبة لمصر، ولذا فمن حقها أن تتخذ من الوسائل الكثيرة للدفاع عن حقوقها المائية كمسألة حياة أو موت".
التعليقات (0)

خبر عاجل