من داخل البيت الأبيض.. كيف ساهمت ناتالي هارب في تشكيل موقف ترامب من الإعلام؟

كيف تتغير خريطة الإعلام الأمريكي في عهد ترامب؟ مقال يسلط الضوء على النفوذ والملكية - جيتي
كيف تتغير خريطة الإعلام الأمريكي في عهد ترامب؟ مقال يسلط الضوء على النفوذ والملكية - جيتي
شارك الخبر
تناول الصحفي والمحلل السياسي الإسرائيلي نتانيل شلوموفيتش، في مقال بصحيفة «هآرتس» العبرية، النفوذ المتنامي لناتالي هارب، مساعدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ودورها في تشكيل المعلومات التي تصل إليه، معتبرا أنها تحولت إلى قناة رئيسية بين الرئيس والعالم الخارجي.

وربط شلوموفيتش بين هذا الدور وتصاعد المواجهة بين إدارة ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية، بالتزامن مع تحولات في ملكية مؤسسات إعلامية كبرى، وما تثيره من تساؤلات بشأن استقلالية التغطية الإخبارية وحدود التأثير السياسي والاقتصادي فيها.

في الأسبوع الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي منع ثلاث وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض، لم يكن حتى أقرب مساعديه على علم بأسباب القرار. مثل الحظر بداية جولة جديدة من المواجهة بين الرئيس والصحافة، بلغت مستوى غير مسبوق، حتى بمقاييس ترامب، ولا تزال نهايتها غير واضحة، رغم صدور قرار قضائي أكد حماية الدستور لحرية الصحافة داخل البيت الأبيض أيضا.

لكن وسط الضجيج الذي رافق الأزمة، بقيت الشخصية التي لعبت دورا في إشعال فتيلها بعيدة عن الأضواء. إنها ناتالي هارب، إحدى أكثر الشخصيات نفوذا داخل البيت الأبيض، رغم أنها لا تحظى بشهرة واسعة خارج دوائره.

بدأت الجولة الأخيرة من معركة ترامب مع الصحافة قبل نحو أسبوعين، عندما أعلن عبر منصته «تروث سوشيال» منع شبكات «سي إن إن» و«إم إس ناو»، إلى جانب موقع «بوليتيكو»، من دخول البيت الأبيض.

ورد صحفيو المؤسسات التلفزيونية، بمن فيهم العاملون في شبكة «فوكس نيوز»، بمقاطعة التغطية، فيما لجأت المؤسسات الثلاث إلى القضاء الفيدرالي، الذي أصدر القاضي تيموثي كيلي بشأنها أمرا مؤقتا لمدة أسبوعين. وفي الأربعاء الماضي، تقدمت وسائل الإعلام بطلب لإلغاء قرار ترامب بصورة نهائية.

وبعد صدور الأمر القضائي الذي أعاد إتاحة الدخول إلى البيت الأبيض، اتخذ ترامب خطوة مضادة، تمثلت في منع المؤسسات الثلاث من مرافقة طائرة الرئاسة أو إدراجها ضمن قائمة الصحفيين المدعوين إلى المكتب البيضاوي. ولم يتراجع الرئيس عن المواجهة، بل نقلها إلى مسار آخر.

اظهار أخبار متعلقة



قرار مفاجئ حتى للمقربين من ترامب

منذ اللحظة الأولى، أثار القرار دهشة داخل البيت الأبيض، إذ لم تسبقه مواجهة مباشرة أو مادة صحفية محددة أثارت غضب الرئيس.

وكان عدد من كبار مستشاريه، بينهم رئيسة الأركان سوزي وايلز ونائب الرئيس جيه دي فانس، خارج المبنى عند صدور القرار، فيما فوجئ به العاملون في فريق الاتصالات بالبيت الأبيض، مثلهم مثل بقية المتابعين.

وعندما سئل ترامب عن سبب الحظر، أجاب: «لا يوجد سبب. إنه حظر بسيط. لا أريدهم في مكتبي. لا أريدهم هنا»، قبل أن يوضح أنه لا يريد وجودهم في البيت الأبيض.

ومع تصاعد الأزمة، كشفت شبكة «سي إن إن» أن ناتالي هارب كانت من أبرز مصادر المعلومات التي تصل إلى الرئيس، وأنها عرضت عليه مواد إعلامية منتقاة ساهمت، وفق مصادر مطلعة، في إثارة غضبه من المؤسسات المستهدفة.

ترافق هارب ترامب باستمرار داخل المكتب البيضاوي وفي رحلاته، حتى في زياراته إلى ملاعب الغولف، وتحمل معها طابعة متنقلة لتزويده بالمقالات والأخبار والمنشورات ونتائج البحث التي يريد الاطلاع عليها.

لكن دورها يتجاوز طباعة المواد التي يطلبها الرئيس؛ فهي، وفق روايات وردت في تقارير إعلامية وكتاب عن إدارة ترامب، تؤدي دورا مؤثرا في تحديد المعلومات التي تصل إليه، وما يتابعه من أخبار وتعليقات على التلفزيون والإنترنت.

وأفادت مصادر في البيت الأبيض لشبكة «سي إن إن» بأن هارب عرضت على ترامب مقاطع منتقاة لمعلقين في ثلاث مؤسسات إعلامية، في خطوة قيل إنها استهدفت إثارة غضبه. ولفهم طبيعة نفوذها، لا بد من العودة إلى مسار صعودها داخل الدائرة المقربة من الرئيس.

من مذيعة بقناة يمينية بمساعدة شخصية لترامب

ولدت هارب عام 1991 في كاليفورنيا لعائلة مسيحية متدينة. وكانت والدتها ربة منزل، فيما أدار والدها مشروعا تجاريا صغيرا، قبل أن ينتحر عندما كانت صغيرة.

وبعد دراستها الاتصالات في مؤسسات تعليمية مسيحية، عملت عام 2020 مذيعة أخبار في قناة «وان أميركا نيوز نتوورك» ذات التوجه اليميني.

ومع خسارة ترامب انتخابات 2020 وعودته إلى منتجعه في مارالاغو، بدأت هارب التقرب منه، بعدما كانت من أشد المعجبين به. وترددت على نادي الغولف على نفقتها الخاصة، وعرضت عليه خدماتها في طباعة المواد التي يريدها من الإنترنت، حتى اشترت طابعة متنقلة خصيصا لهذا الغرض.

وعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير 2025، عينت هارب مساعدة شخصية له ومستشارة مقربة، ومنذ ذلك الحين ظهرت في عدد كبير من صوره الرسمية، من دون أن تحظى باهتمام إعلامي واسع في البداية.

لكن ذلك تغير بعد صدور كتاب «تغيير النظام» للصحفيين في صحيفة «نيويورك تايمز» ماغي هابرمان وجوناثان سوان، الذي تناول جوانب من كواليس إدارة ترامب، وأفرد مساحة لعلاقة هارب بالرئيس، ما جعلها موضوعا واسعا للتعليقات والسخرية على الإنترنت.

اظهار أخبار متعلقة



علاقة مثيرة ورسائل شخصية

يصف الكتاب علاقة معقدة بين ترامب، البالغ 80 عاما، وهارب، البالغة 35 عاما، من دون وصفها بأنها علاقة جنسية.

ويشير إلى أن دورها لا يقتصر على الطباعة، إذ اعتاد ترامب أن يطلب منها البحث عن معلومات عبر الإنترنت، كما تتولى كتابة بعض منشوراته على منصته الاجتماعية بناء على ما يمليه عليها.

وتناول الكتاب أيضا رسائل شخصية منسوبة إلى هارب، عُثر عليها في غرفة الرئيس الخاصة، رغم أن دخولها إلى تلك المساحة لم يكن مفترضا، وأثارت، وفق الرواية المنشورة، تحقيقا من جهاز الخدمة السرية.

ومن بين العبارات المنقولة في تلك الرسائل: «أنت الشيء الوحيد الذي يهمني في هذه الحياة».
كما أورد الكتاب عبارة قال ترامب إنه تلفظ بها في لحظة صعبة: «أنتم جميعا ترحلون لكسب المال. لن تتركوني على قيد الحياة».

كيف انتقلت هارب إلى دائرة الضوء؟

جاءت القفزة الأكبر في شهرة هارب بعد إشارة عابرة إليها في خطاب انتخابي مطول للسيناتور الديمقراطي عن ولاية جورجيا جون أوسوف، الذي يخوض حملة لإعادة انتخابه. وقال أوسوف إن ترامب يريد بناء قاعة رقص خاصة به، واصطحاب ناتالي في رحلة على متن الطائرة الرئاسية التي تلقاها هدية من أمير قطر.

وأثارت العبارة تفاعلا واسعا في الأوساط اليمينية على الإنترنت وفي البرامج التلفزيونية، حيث فسرها بعض المعلقين على أنها تلميح إلى علاقة شخصية بين ترامب ومساعدته. ورغم أن هارب تعرضت للسخرية والانتقادات حتى من بعض الأصوات اليمينية، فإن ذلك لم يقلل من حجم النفوذ الذي تنسبه إليها تقارير إعلامية داخل الدائرة المقربة من الرئيس.

في ولايته الأولى، عرف ترامب بمتابعته المكثفة للتلفزيون وتنقله المستمر بين القنوات، إلى جانب استخدامه منصة «تويتر» للتواصل المباشر مع الجمهور.

أما في ولايته الثانية، فقد أصبح اعتماده على وسائل الإعلام أكثر انتقائية، مع انتقاله إلى منصته «تروث سوشيال»، التي يتابعه فيها أساسا مؤيدوه، واستمرار شبكة «فوكس نيوز» بوصفها إحدى أبرز مصادره التلفزيونية.

وبذلك، بات الرئيس محاطا ببيئة إعلامية أضيق مما كانت عليه في ولايته الأولى، فيما تؤدي هارب دورا محوريا في انتقاء ما يصل إليه من أخبار ومواقف.

وقد تبدو هارب، في نظر بعض منتقديها، شخصية مثيرة للسخرية بسبب دورها غير التقليدي، لكن موقعها يمنحها تأثيرا يتجاوز الصورة النمطية لمساعدة شخصية.

فعندما تعرض على ترامب مقاطع لمعلقين ينتقدونه، فإنها تؤثر في نوعية الرسائل التي يتلقاها عن التغطية الإعلامية. وعندما تنقل إليه ما يقوله مؤيدوه بشأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو إسرائيل، فإنها تسهم في تشكيل الصورة التي تصل إلى الرئيس عن هذه الملفات.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى «الطابعة البشرية» باعتبارها مسؤولة عن الاتصالات والمعلومات الشخصية للرئيس، لا مجرد موظفة تتولى تنفيذ طلباته.
التعليقات (0)

خبر عاجل