تُشكل الحادثة التي تعرضت لها رحلة شركة "
فلاي دبي" رقم "FZ1073" المتجهة من دبي إلى تل أبيب نموذجاً هندسياً وإجراءً معقداً لمراجعة منظومات الأمان الجوي وإدارة التهديدات الداخلية داخل
قمرة القيادة.
تعرض الكابتن الهندي "سميت ماتشار" لهجوم حاد من قبل مساعده الأول (عُماني الجنسية وفق الرواية الإسرائيلية)، بينما ذكرت الشركة الإماراتية أن ما حدث هو مشادة بين الطيار ومساعده، ما أدى في المحصلة إلى دخول الطائرة من طراز بوينغ 737 ماكس 8 في انخفاض حاد في الارتفاع، قبل أن ينتهي الموقف بهبوط اضطراري في مطار تبوك بالمملكة العربية السعودية.
ماذا نعرف؟
أقلعت الرحلة في 30 أيلول/ سبتمبر وعلى متنها 174 راكباً، وأثناء تحليقها بدأ انخفاض حاد ومفاجئ في الارتفاع تباينت التقديرات الرسمية والفنية في حسابه؛ حيث تشير سجلات تتبع الطيران والبيانات الرسمية إلى فقدان الطائرة ارتفاعاً تراوح بين 14,000 إلى 17,000 قدم خلال فترة زمنية وجيزة.
وخلال هذا الانخفاض، وقع اعتداء بدني داخل قمرة القيادة، وأفاد الكابتن ماتشار في حديثه المعلن مع رئيس الوزراء الهندي بأنه كان ملقى على أرضية القمرة مصاباً، وتمكن من الوصول إلى آلية تحرير قفل الباب لفتحه، مما سمح بدخول طاقم الضيافة والركاب – وكان من بينهم طيارون إضافيون يسافرون على متن الرحلة – لتثبيت المعتدي واستعادة السيطرة الملاحية والتوجيه للهبوط في تبوك.
اظهار أخبار متعلقة
وتعتمد طائرات بوينغ 737 ماكس باباً مقوّى مضاداً للاقتحام والرصاص، يُدار نظام إقفاله إلكترونياً وميكانيكياً بواسطة قفل مغناطيسي كهربائي "Solenoid Lock" محمي ومربوط بمنظومة التحكم في القمرة.
كيف يفتح الباب؟
يتحكم الطيارون في الباب عبر مفتاح دوّار ثلاثي الحالات مثبت على المنصة المركزية في قمرة القيادة، بحسب موقع
AviationHunt المتخصص في شؤون الطيران.
وضع الفتح المؤقت (UNLKD - Unlocked): عند تحريك المفتاح إلى هذا الوضع، يُقطع التيار الكهربائي عن المزاليج المغناطيسية فوراً ليُفتح الباب، يعمل هذا الوضع بآلية زنبركية؛ حيث يتطلب إمساك المفتاح يدوياً في وضعية UNLKD للفتح، وعند إفلاته يعود تلقائياً إلى الوضع الافتراضي (AUTO).
الوضع الافتراضي (AUTO - Automatic / "ينتظر إذن"): يكون الباب مغلقاً ومؤمناً بالكامل. إذا أراد أحد أفراد الطاقم الدخول من المقصورة، يقوم بإدخال الرمز الرقمي على لوحة المفاتيح الخارجية.
وينطلق نتيجة إدخال الرقم تنبيه صوتي وضوئي داخل القمرة، ويمنح النظام الطيارين مهلة زمنية (حوالي 30 ثانية) للتقييم؛ فإذا لم يتخذ الطيار أي إجراء، يُفتح الباب تلقائياً لعدة ثوانٍ للتصريح بالدخول الطارئ.
وضع الرفض المطلق (DENY - Deny Entry): إذا قام الطيار بتحريك المفتاح نحو "DENY" استجابةً لطلب الدخول الخارجي، يتم إلغاء طلب لوحة المفاتيح فوراً، ويُقفل الباب مشدداً، وتُعطّل لوحة المفاتيح الخارجية لفترة زمنية مبرمجة لمنع أي محاولة إعادة إدخال للرمز.
ويُستخدم رمز الطوارئ الخارجي "Emergency Access Code" من قبل أفراد طاقم الكابينة عند عجز الطيارين عن الاستجابة، حيث يبدأ العد التنازلي التلقائي داخل القمرة للفتح ما لم يتم رفضه يدوياً بزر "DENY".
إرسال الإنذارات ونداءات الاستغاثة
تتوزع إنذارات الطوارئ في الطيران التجاري بين وسائل صوتية تبث عبر الراديو وأكواد رقمية تُبث صامتاً عبر جهاز المجيب الآلي "Transponder".
نداء "مايداي" (Mayday): يُشتق من الفرنسية "M'aider"، وهو أعلى درجات الاستغاثة، يُكرر ثلاث مرات متتالية عبر التردد النشط أو تردد الطوارئ الدولي (121.5 MHz) لإعلان وجود خطر داهم ومباشر يهدد الطائرة والأرواح، ويمنح الطائرة أولوية هبوط وملاحة مطلقة.
نداء "بان-بان" (Pan-Pan): يُشتق من الفرنسية "Panne" وتعني عطل، يُكرر ثلاث مرات صوتياً للحالات الطارئة والمُلحة التي لا تتضمن خطراً حتمياً ومباشراً على السلامة في الحاضر، وتتطلب تعديل المسار أو خدمات تفضيلية من المراقبة الجوية.
اظهار أخبار متعلقة
الأكواد الرقمية
جهاز المُستجيب الآلي هو جهاز بث رقمي ينقل بيانات الارتفاع والشفرة الأمنية لشاشات رادار المراقبة الجوية، ويقوم الطيار بضبط شفرة من 4 أرقام وفق الحالة:
كود Squawk 7700، وهي حالة طوارئ عامة: يُبث للتنبيه الفوري بمواجهة الطائرة لخلل فني، صحي، أو أمني عام، مما يُنبه مراكز الإنقاذ الأرضية لتجهيز مطارات الهبوط الاضطراري، بحسب صحيفة "
ذا ستاندرد".
كود Squawk 7500، وهو من أجل التنبيه من تدخل غير مشروع أو اختطاف، وهو أيضاً كود صامت مخصص لإبلاغ السلطات الأمنية والمراقبة الأرضية بوجود اختطاف أو سيطرة غير مشروعة على الطائرة دون الحاجة للتصريح الصوتي، وهو ما يستدعي عادة استنفار المقاتلات الجوية.
كود Squawk 7600، وهو انقطاع الاتصال اللاسلكي، ومخصص لعطل أجهزة الراديو.
وفي حالة رحلة فلاي دبي، سجلت منصات تتبع الطيران مثل Flightradar24، تسلسلاً رقمياً صامتاً للرحلة FZ1073 بدأ بتفعيل 7700، ثم تغييره إلى 7500 الذي أدى لاستنفار أمني وإقلاع مقاتلات، ثم العودة مجدداً إلى 7700 مع الاقتراب من المجال الجوي لمطار تبوك، بحسب "
الغارديان".
وبالتوازي مع ذلك، استقبل مراقبو الحركة الجوية في تبوك نداءً صوتياً يطلب هبوطاً اضطرارياً.
رواية الطيار ونقاط جدلية
يقع المفتاح في المنصة المركزية بين المقعدين، يتطلب وضع UNLKD الضغط اليدوي المستمر أو الإمساك بالمفتاح لقطع التيار عن آلية الإغلاق المغناطيسية.
وذكر الطيار الهندي في روايته أنه كان ملقى على أرضية القمرة ويتعرض للهجوم البدني عندما وصل للمفتاح.
وتعد النقطة الجدلية الأبرز حول رواية الطيار، وهي قدرة الشخص المصاب والملقى أرضاً على الوصول لمفتاح مرتفع نسبياً عن مستوى الأرضية وإبقائه في وضعية الفتح تحت تأثير قوى الجاذبية (قوة جي فورس نتيجة انخفاض الارتفاع الحاد حينها) والعراك البدني، أو ما إذا كان الباب قد أُتيح فتحه عبر انقضاء مهلة AUTO الزمنية أو خلل في الضغط أدى لفك آلية القفل تلقائياً.
ومن الفرضيات التي يتم تداولها أن المعطيات المتاحة لم تُشر إلى استخدام لوحة المفاتيح الخارجية فور بدء الانخفاض الحاد؛ ويرجع ذلك احتمالاً إلى قيام أحد أفراد قمرة القيادة بوضع الباب على وضعية "DENY" مسبقاً لحظر اللوحة.
ويولد الانخفاض السريع في الارتفاع (فقدان نحو 14,000 إلى 17,000 قدم) تسارعاً وقوى جاذبية متغيرة "G-forces"، وتظل كيفية تحرك الركاب عبر الممر للوصول إلى قمرة القيادة واقتحامها لحظة تحرير القفل مسألة تتوقف على طبيعة زاوية انخفاض الطائرة واستقرارها المرحلي؛ حيث أشارت تقارير التتبع إلى أن الانخفاض تخللته فترات تعديل مسار مؤقتة قد تكون سمحت بالحركة.
اظهار أخبار متعلقة
ومن أجل تفعيل كود الاختطاف (Squawk 7500)، يتطلب إرسال الرمز 7500 إدخالاً يدوياً عبر اللوحة الرقمية لجهاز الترانسبوندر في القمرة، ولم تحدد المعلومات المتوفرة حتى الآن هوية من قام بتغيير الكود من 7700 إلى 7500 ثم إعادته، وما إذا كان ذلك قد تم بواسطة الكابتن المصاب، أو المعتدي لمحاولة التمويه، أو الطاقم البديل الذي تولى القيادة لاحقاً.
وأعادت الحادثة فتح النقاش الدولي حول معايير السلامة المصممة عقب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، حيث أثبتت أن الباب المقوّى المصمم لحماية القمرة من المعتدين الخارجيين يمثل عائقاً أمام عمليات الإنقاذ في حال وجود التهديد من الداخل.
وتتجه الهيئات التنظيمية الجوية لمراجعة مقترحات تقنية وتشريعية جديدة، من أبرزها تسريع تطبيق الحاجز المادي الثانوي (IPSB) - وهو باب شبكي إضافي يفصل الكابينة عن القمرة قبل فتح الباب الرئيسي - ومراجعة بروتوكولات الفحص النفسي الدائم وتتبع الموارد البشرية للحد من خطر التهديدات الداخلية.