أظهرت الحروب
المعاصرة حالة من السقوط في فخ النشوة التكنولوجية للجيوش النظامية، متوهمةً أن
امتلاك أحدث المقاتلات ومنظومات الذكاء الاصطناعي والتفوق الاستخباراتي المتقدم
كفيلٌ بحسم الحروب بضربات خاطفة تفرض الاستسلام على الخصوم. ويتجلى هذا الوهم
اليوم بأوضح صوره في السلوك العسكري الصهيوني، الذي يكرر خطيئة القوى الاستعمارية
الكبرى عبر التاريخ: الاعتقاد بأن إحداث حالة من الدمار الهائل، والاغتيالات
الممنهجة، واستهداف الأعيان المدنية قادر على كسر إرادة حركات التحرر الوطني وشطب
حقوقها التاريخية. غير أن المواجهة الممتدة منذ 7 أكتوبر 2023 تثبت مجدداً أن
قوانين "الحرب غير المتناظرة" (Asymmetric
Warfare) تخضع لمنطق يكسر معادلات التفوق الناري الأعمى ويفكك غطرسة
القوة.
مفارقة القوة ولا
تناظر الإرادة
تكمن العقدة الأساسية
للجيش النظامي في العجز الهيكلي عن مواجهة "فاعلي ما دون الدولة"
بالمعايير العسكرية الكلاسيكية. فالجيوش التقليدية صُممت تاريخياً لخوض معارك
نظامية ضد دول تملك مقار سيادية، ومراكز ثقل حكومية واضحة يمكن السيطرة عليها
لإعلان النصر. أما حركات التحرر الوطني، فتتحرك وفق استراتيجية شبكية نقيضة تقوم
على تفريغ قوة العدو من قدرتها الصلبة على تحقيق الأهداف المرسومة، وتحويل تفوقه
التقني إلى استنزاف لا ينتهي في حرب أشباح لا خطوط تماس ثابتة فيها ولا مراكز
قيادة مركزيّة يمكن شلها نهائياً.
حركات التحرر الوطني، فتتحرك وفق استراتيجية شبكية نقيضة تقوم على تفريغ قوة العدو من قدرتها الصلبة على تحقيق الأهداف المرسومة، وتحويل تفوقه التقني إلى استنزاف لا ينتهي
هنا يبرز مفهوم "لا
تناظر الإرادة" (Asymmetry of Will)، فالحرب بالنسبة للمحتل تظل خياراً سياسياً
محكوماً بحسابات الكلفة والجدوى وسقف محدود جداً لاحتمال الخسائر البشرية
والاقتصادية، بينما هي بالنسبة لصاحب الأرض معركة وجود حتمية لا رجعة عنها ولا
مجال فيها للمساومة على البقاء، فهو لا يملك رفاهية حساب الخسائر والمكاسب رقمياً،
بينما يرى المحتل يدخل أرضه وبيته. هذا الفارق الحاسم في الدوافع يفسر جانباً من
الفشل المتكرر للقوى العظمى تاريخياً أمام الشعوب المُحتلة، وهو ما تناوله أندرو
ماك في دراسته التأسيسية حول أسباب هزيمة الدول الكبرى في الحروب الصغيرة، إذ يرى
أن
الاحتلال يولّد لدى الطرف المحلي تماسكاً أكبر واستعداداً أعلى لتحمل تكاليف
الحرب، في حين تتزايد بالنسبة إلى القوة الخارجية التكاليف السياسية والاقتصادية
والبشرية مع إطالة أمد
الصراع. ومن هنا يستطيع الطرف الأضعف، في بعض الحالات،
تعويض تفوق خصمه المادي من خلال قدرته على الاستمرار في الصراع واستنزاف إرادته
السياسية.
الجغرافيا
العضوية تبتلع أسلحة التفوق
صمود حركات
التحرر الوطني يتأسس على الاندماج العضوي في البيئة الحاضنة والجغرافيا، سواء كانت
غابات فيتنام الاستوائية، أو جبال أفغانستان الوعرة، أو شبكات الأنفاق المحفورة
يدوياً في غزة. هذا التماهي الوجودي بين المقاتل وأرضه، تاريخه وشعبه، يُبطل
فاعلية الترسانات الجوية الأحدث. فالطائرات المسيرة والقنابل الارتجاجية الذكية قد
تدمر وتقتل، لكنها تقف عاجزة عن السيطرة على الإرادة القتالية، أو تثبيت استقرار
أمني مستدام فوق ركام المدن.
لقد برهنت
التجارب التحررية الكبرى، من جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي واجهت الآلة
الفرنسية، إلى مقاتلي الفيتكونغ الذين أرهقوا الولايات المتحدة، إلى "رمح
الأمة" الجناح العسكري لحركة المؤتمر الوطني في مواجهة نظام الفصل العنصري في
جنوب أفريقيا، أن
المقاومة الشعبية لا تهدف إلى كسر العدو بضربة قاضية في معركة
نظامية مؤطّرة بأبعادها، بل إن غايتها الجوهرية تكمن في حرمانه من
قد تنجح التقنية في ارتكاب مجازر وتدمير الأحياء السكنية، لكنها تظلّ عاجزة عن بناء شرعية أو تثبيت بقاء لمشروع إحلالي غريب
الاستقرار،
وإرهاق مفاصل أجهزته، وتجريده من شرعيته الأخلاقية، وجعل كلفة استمرار الاحتلال
تفوق قدرته على الاحتمال. وحين تتحول المعركة إلى التحام صفري ومواجهة دائمة ومستمرة،
تفقد الخوارزميات العسكرية المعقدة قيمتها، وتغرق الجيوش الغازية في مستنقع لا
خروج منه إلا بخسائر مدوّية.
فخ الاستنزاف
وتفكك الجبهة الداخلية
إن معضلة الكيان
المحتل لا تقتصر اليوم على العجز العملياتي في الميدان، بل تمتد لتضرب عمق بنيته الاجتماعية
والسياسية. فهذا الكيان الاستيطاني بطبيعته تأسس على ركائز بن غوريون التاريخية:
"الحرب القصيرة، ونقل المعركة إلى أرض العدو، وتحقيق الحسم السريع"،
اعتماداً على استدعاء جنود الاحتياط وتأمين مظلة أمان زائفة لمجتمع المستوطنين.
وحين ينجح فاعلو ما دون الدولة في إسقاط هذه الركائز الثلاث وجرّه إلى حرب استنزاف
ممتدة، تنقلب القوة العسكرية إلى وبال داخلي، حيث تشل حركة الإنتاج والموانئ،
وتستنزف الموازنات العامة، وتتصاعد الهجرة العكسية لنخب الأعمال والكفاءات، مما
يعمّق أزمة الثقة بالمنظومة الحاكمة ويفكك العقد الاجتماعي الهش.
إن الدرس البليغ
الذي يكرره التاريخ ولم يستوعبه قادة الاستعمار الحديث بعد، هو أن التفوق
التكنولوجي لا يصنع حسماً سياسياً فوق أرض ترفض الخضوع بطبعها. قد تنجح التقنية في
ارتكاب مجازر وتدمير الأحياء السكنية، لكنها تظلّ عاجزة عن بناء شرعية أو تثبيت
بقاء لمشروع إحلالي غريب. وفي نهاية المطاف، فإن المدى الزمني للصراع يحسمه دائماً
من يعتبر البقاء في أرضه شرطاً للحياة، لا من يقاتل دفاعاً عن امتياز استعماري
زائل لا أفق له.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.