لم تكن معركة
الفلسطينيين على امتداد عقود
معركة أرض وذاكرة فحسب، بل كانت أيضا معركة رواية؛ رواية من يملك الحق في تعريف
المكان، ومن يحدد أسماءه، ومن يروي تاريخ أهله ومآسيهم وعمليات اقتلاعهم من أرضهم.
وفي قلب هذه المعركة برز
الأدب الفلسطيني بوصفه أحد أكثر أشكال المقاومة الثقافية
قدرة على عبور الحدود، فيما أدت ترجمته إلى اللغات الأجنبية دورا محوريا في نقل
التجربة الفلسطينية من فضائها العربي إلى قراء في أوروبا وأمريكا وآسيا وأمريكا
اللاتينية.
فالترجمة هنا لا تعني مجرد نقل نص من لغة
إلى أخرى، وإنما نقل تجربة تاريخية وثقافية شديدة التعقيد إلى مجتمعات قد لا تعرف
فلسطين إلا من خلال الأخبار والصور والصراع السياسي. وعندما يقرأ القارئ الأجنبي
رواية عن لاجئ فلسطيني، أو قصيدة عن قرية مدمرة، أو يوميات من غزة، فإنه يواجه
القضية الفلسطينية من زاوية مختلفة: زاوية الإنسان الذي يعيش التاريخ، لا البيانات
السياسية التي تتحدث عنه.
وتشير دراسات تناولت تاريخ
ترجمة الأدب
الفلسطيني إلى أن اختيار الأعمال الفلسطينية وترجمتها في بعض البلدان ارتبط،
بدرجات مختلفة، بالسياق السياسي وبكيفية استقبال القضية الفلسطينية في تلك
المجتمعات. ففي فرنسا مثلا، بدأت ترجمات بارزة لأعمال محمود درويش وغسان كنفاني
منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تمتد إلى كتاب مثل إميل حبيبي وسحر خليفة
وأدباء من أجيال أحدث مثل عدنية شبلي.
غسان كنفاني.. من أدب المقاومة إلى القارئ
العالمي
يمثل غسان كنفاني واحدا من أوضح النماذج على
قدرة الترجمة في تحويل الأدب الفلسطيني إلى خطاب عالمي. ففي روايته القصيرة "رجال
في الشمس"، المنشورة عام 1963، لا يقدم كنفاني للقارئ تاريخا سياسيا مباشرا،
وإنما يحكي مأساة ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت بحثا عن حياة أفضل،
في رحلة تختزل مأساة اللجوء الفلسطيني وما خلفته النكبة من اقتلاع وفقدان واغتراب.
وقد تُرجمت أعمال كنفاني إلى نحو 18 لغة،
بينها الإنجليزية، فيما وصلت "رجال في الشمس"، إلى قراء أجانب منذ عقود. وتظهر سجلات ترجماته
الإنجليزية والألمانية وغيرها كيف ظل العمل حاضرا في سوق الكتاب العالمي بأكثر من
طبعة وإعادة إصدار.
وتكمن أهمية كنفاني في أن القارئ لا يتلقى
منه "معلومة" عن النكبة، وإنما يعيش نتائجها من خلال شخصيات تبحث عن
مكان آمن ومستقبل مستحيل.
وهنا تحديدا تتجلى قوة الأدب: أن يحول
الأرقام إلى وجوه، والتاريخ إلى مصائر، واللجوء إلى تجربة إنسانية يمكن للقارئ في
أي مكان أن يتفاعل معها.
ولم يقتصر حضور كنفاني في اللغات الأجنبية
على الرواية والقصة، بل امتد إلى كتاباته النقدية والسياسية. ومن التطورات اللافتة
في هذا السياق صدور ترجمة إنجليزية لكتابه "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت
الاحتلال 1948 ـ 1968"، الذي يقدم فيه قراءة للأدب الفلسطيني بوصفه جزءا من
معركة الحفاظ على اللغة والهوية في ظل الاحتلال.
محمود درويش.. حين تصبح القصيدة وطنا
إذا كان كنفاني قد نقل إلى العالم مأساة
الفلسطيني من خلال الرواية والقصة، فإن محمود درويش فعل ذلك على نطاق شعري واسع. فدرويش لم يكن مجرد شاعر
فلسطيني تُرجمت قصائده إلى لغات أجنبية، بل أصبح واحدا من أبرز الأصوات الشعرية
العربية التي دخلت إلى المشهد الأدبي العالمي. وقد ترجمت أعماله إلى لغات متعددة،
بينها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والإسبانية واليابانية والروسية
وغيرها.
وتكمن خصوصية تجربة درويش في أن فلسطين عنده
لا تظهر فقط بوصفها قضية سياسية، بل بوصفها مكانا وذاكرة ولغة وحبا ومنفى وأسئلة
وجودية.
وهذه النقلة مهمة للغاية في التعريف بالقضية
الفلسطينية؛ إذ تخرج فلسطين من كونها "ملفا سياسيا" إلى كونها تجربة
بشرية كاملة. ففي قصائد درويش، يظهر
الفلسطيني عاشقا ولاجئا وفلاحا وشاعرا وأبا وابنا ومنفيا، ويظهر الوطن باعتباره
ذاكرة شخصية بقدر ما هو جغرافيا متنازع عليها.
وهكذا يستطيع القارئ الذي لا يعرف تفاصيل
الصراع أن يتعرف إلى فلسطين من خلال علاقة الإنسان بالمكان والبيت والغياب، وهي
مفردات تتجاوز الحدود السياسية واللغوية.
ولم يتوقف هذا الحضور عند الترجمات القديمة؛
إذ تستمر دور النشر العالمية في إعادة تقديم شعر درويش إلى أجيال جديدة، بما في
ذلك مجموعات إنجليزية جديدة تجمع مراحل مختلفة من تجربته الشعرية.
عدنية شبلي.. جيل جديد يعيد طرح القضية
إذا كان درويش وكنفاني يمثلان جيلين أساسيين
من الأدب الفلسطيني، فإن أعمال عدنية شبلي تقدم مثالا على الطريقة التي تدخل بها
القضية الفلسطينية إلى الأدب العالمي من خلال تقنيات سردية حديثة وأسئلة تتعلق
بالذاكرة والعنف والتاريخ.
روايتها "تفصيل ثانوي (Minor Detail)"،
بترجمة إليزابيث جاكيت إلى الإنجليزية، أصبحت من الأعمال الفلسطينية المعاصرة التي
حظيت باهتمام واسع خارج العالم العربي. وتظهر الرواية كيف يمكن لتفصيل تاريخي صغير
أن يتحول إلى مدخل لسؤال أكبر حول الذاكرة والعدالة والعنف وآثار الماضي على
الحاضر. وتدرجها مؤسسات ومصادر أدبية دولية ضمن الأعمال الأساسية التي تساعد
القارئ على التعرف إلى فلسطين.
وتكمن أهمية هذا النوع من الأدب في أنه لا
يكرر بالضرورة خطاب الأدب المقاوم بصورته التقليدية، بل يعيد تفكيك التجربة
الفلسطينية عبر أسئلة فردية ونفسية وتاريخية، ما يتيح دخول القضية إلى فضاءات
القراءة العالمية من أبواب متعددة.
وفي تركيا، على سبيل المثال، ظهرت ترجمات
لأعمال كنفاني وشبلي معا، ما يتيح للقارئ وضع نصين يفصل بينهما نحو ستة عقود ضمن
حوار أدبي حول فلسطين والموت والذاكرة.
سحر خليفة.. الاحتلال في الحياة اليومية
تمثل سحر خليفة نموذجا آخر على قدرة الرواية
الفلسطينية على نقل تفاصيل الاحتلال بعيدا عن الخطاب السياسي المباشر. ففي أعمالها، لا يظهر
الاحتلال باعتباره حدثا عسكريا فقط، وإنما يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى
العلاقات الاجتماعية والأسرة والعمل والحب والمرأة والمدينة.
وترجمت أعمال خليفة إلى لغات أجنبية، وكانت
من الأسماء التي دخلت مبكرا إلى مسار ترجمة الأدب الفلسطيني إلى الفرنسية، إلى
جانب درويش وكنفاني وإميل حبيبي.
وهنا تقدم الرواية للقارئ الأجنبي صورة
مختلفة عن فلسطين: صورة المجتمع الذي يعيش تحت الاحتلال، وليس فقط صورة المواجهة
العسكرية معه.
إميل حبيبي.. السخرية في مواجهة المأساة
أما إميل حبيبي، فيقدم نموذجا مغايرا تماما. في روايته الشهيرة "الوقائع
الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، استخدم حبيبي السخرية والمفارقة
ليقدم تجربة الفلسطيني الذي بقي داخل فلسطين بعد عام 1948.
وترجمة هذا النوع من الأدب تمثل تحديا
مضاعفا، لأن المترجم لا ينقل الكلمات فقط، وإنما ينقل التلاعب اللغوي والسخرية
والإشارات الثقافية والسياسية التي تشكل جزءا من معنى النص.
ومع ذلك، فإن وصول هذا الأدب إلى اللغات
الأجنبية يفتح للقارئ نافذة على تجربة فلسطينيي الداخل، بما يحمله ذلك من تعقيدات
الهوية والمواطنة والذاكرة والانتماء.
من الرواية إلى أدب غزة
في السنوات الأخيرة، اتسعت خريطة الأدب
الفلسطيني المترجم لتشمل أصواتا جديدة من غزة والشتات، ولم تعد القضية حكرا على
الأسماء الأدبية المعروفة. ومن الأمثلة على ذلك مجموعات وقصص وكتابات خرجت من غزة، إضافة إلى
أعمال روائيين وشعراء من الجيل الجديد، ومنهم عطاف أبو سيف، ومصعب أبو توهة،
وغيرهما.
وتكتسب هذه الأعمال أهمية خاصة لأنها تقدم
شهادات أدبية على الحياة في غزة من الداخل، وتقاوم اختزال القطاع في صور الحرب
والدمار. ففي الأدب، تصبح غزة مدينة
لها ذاكرة وشوارع وأصدقاء وعائلات وأحلام، لا مجرد ساحة حرب في نشرات الأخبار.
كما أسهمت مختارات أدبية مثل "غزة تكتب
من جديد" (Gaza Writes Back)" في تقديم أصوات كتاب
شباب من غزة إلى جمهور أوسع خارج المنطقة. وتضم قوائم القراءة الدولية المتعلقة
بفلسطين عددا متزايدا من هذه الأعمال إلى جانب روايات كنفاني وشبلي وخليفة ودرويش
وغيرهم.
الترجمة.. معركة ثانية على الرواية
تكشف تجربة الأدب الفلسطيني المترجم أن
الصراع على الرواية لا ينتهي عند كتابة النص العربي.
هناك معركة ثانية تبدأ لحظة اختيار العمل
للترجمة، ثم اختيار المترجم والناشر، وأخيرا الطريقة التي يُقدَّم بها النص إلى
القارئ الأجنبي. وقد لفت باحثون إلى أن
حضور الأدب الفلسطيني في بعض أسواق الترجمة ارتبط تاريخيا بالسياقات السياسية
وبصورة القضية الفلسطينية في البلد المستقبل. وهذا يعني أن الترجمة نفسها ليست
عملية محايدة دائما، بل يمكن أن تتأثر بما يحيط بالنص من أسئلة سياسية وثقافية.
لكن المفارقة أن الأدب، رغم كل هذه
المحددات، يمتلك قدرة على الإفلات من القوالب السياسية. فالسياسي يقول للقارئ:
"هذه هي القضية". أما الرواية فتقول له: "تعال وعش حياة هذه الشخصية". والشعر يقول له:
"تعال وانظر إلى العالم من نافذة هذا الإنسان".
وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الترجمة الأدبية: أن
تجعل الفلسطيني حاضرا في وعي القارئ العالمي بوصفه إنسانا له قصة، قبل أن يكون
رقما في تقرير أو طرفا في نزاع سياسي.
من "القضية" إلى الإنسان
ربما تكون القيمة الأهم للأدب الفلسطيني
المترجم أنه يعيد تعريف القضية الفلسطينية في الوعي العالمي من خلال الإنسان. فالنكبة في روايات كنفاني
ليست فقط حدثا تاريخيا، بل أب وابن ولاجئ وطريق مغلق. والمنفى عند درويش ليس فقط
عنوانا سياسيا، وإنما سؤال عن البيت والذاكرة واللغة. والاحتلال في روايات خليفة
ليس فقط جنودا وحواجز، وإنما أثر طويل في العلاقات والحياة اليومية.
أما في الأدب الفلسطيني المعاصر، فتتداخل
الذاكرة مع الجسد والعائلة والعنف والهوية، لتقدم القضية من زوايا جديدة لجمهور لم
يعد يكتفي بالرواية السياسية المباشرة.
ولهذا فإن انتشار الأدب الفلسطيني في اللغات
الأجنبية لا يمكن النظر إليه بوصفه نجاحا أدبيا فحسب؛ إنه أيضا شكل من أشكال الحضور
الثقافي الفلسطيني في العالم.
وفي وقت تتصارع فيه روايات متناقضة حول
فلسطين، يصبح الكتاب المترجم مساحة لا تقل أهمية عن المنبر السياسي: مساحة لا
تخاطب الحكومات وحدها، وإنما تخاطب القارئ العادي، وتمنحه فرصة أن يرى فلسطين من
داخل حياة أهلها وذاكرتهم وأحلامهم.
وفي النهاية، قد يستطيع السياسي أن يغيّر
موقفا، وقد تستطيع الأخبار أن تصنع اهتماما مؤقتا، لكن الأدب يملك قدرة مختلفة: أن
يزرع شخصية ومدينة وذاكرة في مخيلة القارئ، ثم يتركها هناك لسنوات. ومن هذه
الزاوية، لا تبدو ترجمة الأدب الفلسطيني مجرد عبور لغوي للنصوص، بل عبور لفلسطين
نفسها إلى ذاكرة العالم.