سباق الإيرادات أم الأفكار والحلول في المؤسسات الخيرية: المعيار هو الحلول أم حجم التبرعات؟

عيسى محمد
"البرامج والأفكار النوعية التي تقدمها لتنمية المجتمع وتأهيله بدلاً من مجرد إغاثته المؤقتة"- جيتي
"البرامج والأفكار النوعية التي تقدمها لتنمية المجتمع وتأهيله بدلاً من مجرد إغاثته المؤقتة"- جيتي
شارك الخبر
على هامش أحد المؤتمرات الإنسانية الداعمة لغزة في مدينة إسطنبول، وفي أثناء زيارة لمعرض مصاحب، كان المشهد كاشفاً لواقع العمل الخيري والإنساني. وبصحبة أحد المؤسسين الأتراك ورئيس إحدى المؤسسات الكبيرة، طرح الرجل مبتسماً تساؤلاً بدا في طرحه دعابة، لكنه يحمل في باطنه عمقاً نقدياً: "هذه كلها جمعيات منفِّذة.. فأين المموِّلون؟". إن هذا السؤال يضعنا مباشرة أمام إشكالية تضخم أعداد المؤسسات الخيرية والمنظمات غير الحكومية ومدى تحقيق أهدافها التي تخدم الأمة. ففي مدينة إسطنبول وحدها، يفوق عدد جمعيات المجتمع المدني المُرخَّصة 23 ألف مؤسسة، وهو رقم مهول يستدعي وقفة جادة.

تضخم الأعداد وتطابق الخدمات

عندما يتجول المشارك في المؤتمرات أو الزائر لمعارضها -التي تمثل جزءاً صغيراً من الآلاف التي لم تشارك- يجد أن الغالبية العظمى من الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسات تتشابه إلى حد كبير، سواء طبيعتها (مثل الإغاثة، كفالة الأيتام، المساعدات الغذائية) أو في أساليب التنفيذ. والأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو الارتباط الوثيق بين الأزمات الإنسانية ونشوء مئات بل آلاف المؤسسات الجديدة.

الواقع يفرض طرح تساؤلات مشروعة حول حقيقة الأهداف والاستراتيجيات الجديدة التي تقدمها هذه المؤسسات للعمل الخيري والإنساني وللأمة، وقدرتها على ابتكار وخلق حلول للتمويل، خاصة في ظل هذا التزاحم الهائل

وقد تجلى ذلك بوضوح في أزمات سابقة مثل الصومال (1991–1993)، والبوسنة والهرسك (1991)، والشيشان (1995)، وظهر بشكل أكبر خلال الثورة السورية (2011)، ونراه اليوم جلياً في سياق حرب غزة (2023). كل أزمة تخلق جيلاً جديداً من المنظمات سرعان ما يذبل أو يموت بمجرد انتهاء الأزمة أو الكارثة الإنسانية، رغم حاجة المجتمع للبناء والتنمية.

أسئلة مشروعة حول جدوى التوسع

هذا الواقع يفرض طرح تساؤلات مشروعة حول حقيقة الأهداف والاستراتيجيات الجديدة التي تقدمها هذه المؤسسات للعمل الخيري والإنساني وللأمة، وقدرتها على ابتكار وخلق حلول للتمويل، خاصة في ظل هذا التزاحم الهائل.

هل تُنشأ هذه المؤسسات في الأساس لتتسابق في تحصيل الإيرادات، وربما من نفس المتبرعين والممولين؟ هل الإيرادات وحجمها هو المعيار الحقيقي للنجاح وتحقيق أهداف المنظمات الإنسانية؟

ما الجدوى من إنشاء منظمات جديدة بأعداد كبيرة، بينما تتشابه خدمات معظمها إلى حد التطابق؟ فعلى الرغم من أن كل مؤسسة تضع في أدبياتها رؤى وأهدافاً استراتيجية كبرى ومستحقة، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن تشابه كبير في أنواع الخدمات المقدمة، ما يضعها جميعاً في خانة "المنفِّذ" للخدمات التقليدية، ويقلل من فرص الابتكار والتكامل. بل إنها تتزاحم على نفس المتبرعين والممولين، ووصل الحد إلى عرض المؤسسات لخدماتها على بعضها البعض.

السباق الحقيقي: الحلول لا الإيرادات

لذلك، يصبح من الضروري إعادة التفكير في آليات ومعايير تقييم خطط وبرامج ومشروعات المؤسسات الخيرية والإنسانية. المعيار الحقيقي: هل هو ما تم تحقيقه من الإيرادات وجمع الأموال، أم ما تم تقديمه من حلول جذرية للمشكلات التي يواجهها المجتمع؟ يجب أن تكون المعايير الجديدة قائمة على الحلول المبتكرة، والخدمات المرنة والسهلة، ومدى قدرة المؤسسة على المساهمة الفعالة في حل الأزمات والمشكلات المستدامة، وما هي البرامج والأفكار النوعية التي تقدمها لتنمية المجتمع وتأهيله بدلاً من مجرد إغاثته المؤقتة.

يجب أن يكون السباق في الحلول والأفكار، وليس في كمية الأموال التي تم جمعها. إن العمل الخيري الإنساني يجب أن يُبنى على الابتكار، والتنسيق، والتكامل، لا على كمية الأموال والتكرار.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)