في حكاية تختلط فيها الرومانسية بالمفارقة،
وتعبر فيها الكتب القارات بحثا عن قلب متصالح، وجدت
الروائية الجزائرية أحلام
مستغانمي نفسها طرفا في قصة حب غير مألوفة، بطلها شاب جزائري مقيم في
اليابان،
استعان بأدبها وتوقيعها في محاولة لاسترضاء حبيبته زينب، قبل أن تتحول محاولته
المتعثرة إلى
رسالة حب وصلت إلى الكاتبة نفسها، فاستحقت منها ردا استثنائيا.
بدأت الحكاية في أروقة معرض الشارقة الدولي
للكتاب، حين التقى الشاب بلال، وهو مؤثر جزائري مهتم بنشر الثقافة، بالروائية
أحلام مستغانمي، واقتنى مجموعة من أفخم طبعات كتبها، قبل أن يطلب منها توقيع نسخة
إضافية لحبيبته زينب، أملا في أن تكون الهدية الأدبية جسرا يعبر به إلى قلبها،
ويكسب من خلالها مسامحتها.
لكن الكتاب الموقّع لم ينجح في إنجاز
المهمة، وظلت زينب على موقفها، ليجد بلال نفسه أمام خيار آخر، فاختار أن يسجل
فيديو قصيرا من اليابان، يوجه فيه رسالة حب إلى حبيبته، في محاولة جديدة لاستمالة
قلبها، مستعينا بمكانة الكاتبة الجزائرية وبتوقيعها الذي حمله معه من الشارقة.
وسرعان ما تجاوز الفيديو حدود الحكاية
الشخصية، بعدما انتشر على منصات التواصل الاجتماعي، ووصل إلى عشرات الآلاف من
المشاهدين، مصحوبا بمئات التعليقات، قبل أن يصل إلى مستغانمي نفسها، التي لم تكتف
بمشاهدته، بل خصّت صاحبه برسالة مطولة كشفت فيها عن تأثرها بما وصفته بأنه أجمل
رسالة حب وصلتها في الأيام الأخيرة.
وفي ردها، الذي نشرته عبر حساباتها، رأت
مستغانمي أن بلال لم يكن يوجه إليها مجرد رسالة عابرة، بل كان يعبر عن محبة صادقة،
وإن اختار لها أسلوبا مشاكسا، يتعارض في ظاهره مع المعنى الذي أراد إيصاله. وذهبت
إلى أن هذه المفارقة تعكس، في جانب منها، طبيعة المزاج الجزائري الذي قد يلجأ إلى
التعبير عن الحب بنقيضه، في مزيج من العاطفة والمشاكسة.
ولم تفوّت الكاتبة الإشارة إلى انتماء بلال
إلى منطقة أولاد نايل، مستحضرة ما ارتبط بها في الذاكرة الجزائرية من كرم ونبل
وفصاحة، ومعتبرة أن الشاب أظهر جانبا من هذه الخصال في طريقته الخاصة في التعبير
عن مشاعره. وكتبت مخاطبة إياه: "احشم على عرضك يا نايلي"، في استحضار
ساخر لعبارة جزائرية دارجة، قبل أن تنقلب النبرة إلى إشادة بما رأت فيه من محبة
ووفاء.
من اليابان إلى لبنان.. رسالة تعبر القارات
ولعل ما منح الحكاية بعدا إنسانيا إضافيا هو
المسافة التي تفصل بين أطرافها. فبلال يصور رسالته من اليابان، بينما شاهدتها
مستغانمي في لبنان، في مشهد تختصر فيه التكنولوجيا المسافات، وتعيد فيه اللغة
المشتركة وصل ما باعدته الجغرافيا.
واستوقفت الكاتبة الطريقة التي اختار بها
الشاب التعبير عن مشاعره، معتبرة أن الفيديو كان، إلى جانب كونه رسالة شخصية، ردا
ذكيا وربما استفزازيا على شائعات انتشرت، خصوصا في الجزائر، بشأن القصة. ولم توضح
طبيعة تلك الشائعات، لكنها أشارت إلى أن بلال استخدم أسلوبا غير تقليدي في التعامل
معها، محولا الموقف إلى مساحة للتعبير عن المحبة.
وأبدت مستغانمي شيئا من الأسف لأنها لم تمنح
الشاب وقتا أطول خلال لقائهما في معرض الشارقة، مشيرة إلى أنها غادرت المعرض قرابة
الثانية ليلا، بعد جلسة توقيع استمرت سبع ساعات ونصف الساعة متواصلة، وهو ما نقلته
وكالة أنباء الشارقة، بحسب ما أوردته في رسالتها.
وقالت إن انشغالها بالتوقيعات حال دون
الاستماع إلى تفاصيل حكاية بلال مع حبيبته التي وصفتها بالمستحيلة، معربة عن
شعورها بأنها ربما قصّرت في حق قارئ جاء من اليابان محمّلا بشغف كبير بكتبها، ولم
تكن تعلم أنه سيحملها معه إلى أقاصي العالم.
ولم تكتف الكاتبة بالتعبير عن إعجابها
برسالة الشاب، بل وعدته بإرسال كتابها المقبل إليه أينما كان، مع إهداء أجمل يليق،
بحسب تعبيرها، بحجم الحب الذي عبّر عنه، والذي شبّهته بعشق الفرسان في زمن آخر.
وبهذا الوعد، منحت الحكاية امتدادا أدبيا جديدا، حتى وإن ظلت المصالحة المنتظرة
بين بلال وزينب معلقة.
أحلام مستغانمي.. حين يصبح الحب لغة للكتابة
تحتل أحلام مستغانمي مكانة بارزة في الرواية
العربية المعاصرة، بوصفها واحدة من الكاتبات اللواتي استطعن تحويل اللغة إلى فضاء
واسع للبوح العاطفي واستعادة الذاكرة. فمنذ روايتها الشهيرة «ذاكرة الجسد»، التي
رسخت حضورها في المشهد الأدبي العربي، ظل الحب في عالمها أكثر من حكاية بين
عاشقين؛ إنه ذاكرة وطن، وحنين إلى زمن مضى، وصراع بين الرغبة والغياب، وبين ما
يتمناه الإنسان وما تعجز الحياة عن منحه إياه.
وفي أعمالها، تتجاور العاطفة مع السياسة
والتاريخ، ويتحول العشق إلى مدخل لاستكشاف الإنسان في انكساراته وتوقه إلى الحرية.
وقد أسهم أسلوبها الذي يمزج الشعر بالسرد في توسيع دائرة قرائها، لتصبح أعمالها
حاضرة في وجدان جمهور عربي واسع، يتابع كتاباتها بوصفها تعبيرا عن تجارب تتجاوز
حدود الشخصي إلى أسئلة الذاكرة والهوية والوجود.
ولعل ما يمنح حكاية بلال خصوصيتها أن
مستغانمي، التي اعتادت أن تكتب عن الحب بوصفه تجربة وجودية تتجاوز العلاقات
العابرة، وجدت نفسها هذه المرة داخل حكاية لا تحتاج إلى خيال روائي. فبدلا من أن
تكتب عن عاشق يطارد حبيبته عبر صفحات الرواية، وجدت أمامها شابا جزائريا يطارد قلب
حبيبته من أقاصي اليابان، مستعينا بكتبها وتوقيعها، قبل أن يستنجد بالكلمة والصورة.
وكأن الحياة قررت أن تضع الكاتبة في قلب
إحدى الحكايات التي طالما استلهمت منها أدبها، لتنتقل من موقع الراوية التي تصوغ
مصائر العشاق إلى موقع الشاهدة على قصة حقيقية، تتداخل فيها مشاعر الحب مع مفارقات
الواقع.
حين تحب الأديبات.. تتحول العاطفة إلى أدب
لطالما أقام الحب علاقة ملتبسة بين حياة
الأديبات وأعمالهن؛ فثمة قصص عاطفية تجاوزت أصحابها لتصبح جزءا من الذاكرة
الأدبية، وثمة رسائل حب تحولت، بفضل اللغة، إلى نصوص خالدة، حتى بات من الصعب
أحيانا الفصل بين العاشقة التي تعيش التجربة والكاتبة التي تعيد خلقها بالكلمات.
ومن رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران، التي
ظلت موضع اهتمام القراء والباحثين، إلى تجارب أدبية أخرى، ظل الحب مادة تتجاوز
حدود الاعتراف الشخصي، لتصبح سؤالا عن الحرية والوحدة والغياب، وعن قدرة الكلمة
على حفظ ما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به.
غير أن المفارقة في حكاية أحلام مستغانمي أن
الأدوار انقلبت هذه المرة؛ فالكاتبة التي جعلت من الحب موضوعا لأعمالها وجدت نفسها
تتلقى رسالة عاطفية لا تخصها وحدها، بل تتوسط فيها بين عاشق وحبيبته. لم تكن بطلة
الحكاية، لكنها أصبحت شاهدة عليها، وربما شريكة في صياغة فصل جديد منها.
وبين بلال الذي يبحث عن طريق إلى قلب زينب،
ومستغانمي التي وجدت في رسالته ما يستحق الاحتفاء، تتجدد العلاقة القديمة بين الحب
والأدب؛ فقد يعجز الكتاب عن إصلاح علاقة، لكنه ينجح أحيانا في إنقاذ الحكاية من
النسيان، ويمنح أصحابها فرصة لرؤية مشاعرهم من زاوية مختلفة.
كتاب لم يصالح زينب.. لكنه كسب قلب الكاتبة
ولم يكن حديث بلال عن كتب مستغانمي مجرد
تفصيل في الحكاية، فقد أثار فضولها، خصوصا بعدما تحدث بشغف عن كتابها "أصبحتُ
أنتَ"، الذي قال إنه قرأه في وقت قياسي وأنهاه بشغف. ووجدت الكاتبة في حديثه فرصة
للتعرف إلى أثر كتاباتها في قارئ يعيش بعيدا عنها جغرافيا وثقافيا، فسألته عما
أحبه تحديدا في الكتاب وما الذي علق بوجدانه، معتبرة أن معرفة ذلك قد تساعدها في
كتاباتها المقبلة.
وهكذا، تحولت محاولة استرضاء زينب من خلال
كتاب موقّع إلى حكاية أدبية عابرة للقارات، جمعت كاتبة جزائرية بقارئ يعيش في
اليابان، وأعادت التذكير بالدور الذي يمكن أن تؤديه الكتب في بناء جسور إنسانية
تتجاوز الجغرافيا واللغة.
وبينما لا يزال مصير المصالحة بين بلال
وزينب غير محسوم، يبدو أن الشاب نجح، على الأقل، في استمالة قلب الكاتبة، التي
قابلت رسالته بمودة ووعد أدبي. أما الكتاب الذي عجز عن فتح باب قلب زينب، فقد فتح
أمام صاحبه بابا آخر، نحو كاتبة رأت في مشاكساته حبا، وفي رسالته حكاية تستحق أن
تروى.