رحلة بصرية في رحاب القرآن (6): اللّباس

منجي الفرحاني
"لباس.. ثم سكن.. ثم مودة ورحمة" AI/عربي21
"لباس.. ثم سكن.. ثم مودة ورحمة" AI/عربي21
شارك الخبر
طُلب مني أن أصوّر بعض المشاهد عن سلوك المرأة والرجل في الصباح، قبل أن يخرج أحدهما أو كلاهما إلى العمل. ففكّرت أولا في اللباس. فاللباس شيء نرتديه، ونخلعه، ونبدّله. نختاره بعناية، ونقف أمام المرآة لنتأكد أنه يليق بنا.

وكثيرا ما أغرقتنا السينما في مشاهد المرأة وهي تقف أمام المرآة طويلا. ترفع يدها إلى شعرها. تصلح خصلة أفلتت من مكانها. تتأمل وجهها. تنظر إلى عينيها. تجرب ثوبا. تشد طرفه قليلا. تقترب من المرآة.. ثم تبتعد خطوة، لتعود إليها من جديد.

قطع..

رجل أمام المرآة. نظرة سريعة. يعدّل ربطة عنقه، أو يرتب ياقة قميصه، أو يصلح شماغه وكوفيته، ويتأكد من هندامه.. ثم يمضي.

لكنني هذه المرة لا أريد أن أصوّر الوجوه. أريد أن أقترب من اللباس نفسه. أبدأ بالكاميرا. ضوء الصباح يدخل من النافذة. غرفة هادئة. يد تمتد إلى الخزانة. باب يُفتح. صف من الملابس المعلقة. أصابع تمر على الأقمشة.. تتوقف. تسحب قطعة. قماش يُفرد على السرير. يد أخرى تلتقط قميصا من علاقة. زر يدخل في عروته. ثم زر آخر.

قطع..

يد ترفع ساعة. يد تلتقط حزاما. عقدة ربطة عنق تُشد ببطء. طرف كمّ يُعدّل. ياقة تُسوّى. ثم.. المرآة. لا نرى الوجه كاملا. فقط جزءا منه. انعكاس ثوب. يد تمر على القماش. التفاتة قصيرة.

قطع..

فستان يُرتّب أمام المرآة. يد تصلح طرفه. مشبك شعر يُثبت. حقيبة تُغلق. مفتاح يُلتقط من فوق الطاولة. ثم الحذاء. قدم تدخل فيه. رباط يُشد. خطوة أولى. ثم خطوة ثانية. صوت الحذاء على الرصيف. طَق.. طَق.. طَق..

ثم أجعل الكاميرا تخرج معهم إلى الشارع. أتوقف. أتأمل المشهد الذي تخيلته. الملابس.. المرآة.. اليد التي تختار. الحذاء الذي يخرج إلى الطريق. ثم تقفز إلى ذهني الآية الكريمة: "هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ". فأجلس متفكّرا.. إن القرآن الكريم يأخذ "اللباس" إلى مكان مختلف تماما.

هنا تتوقف الكاميرا. وتبقى المرآة. لكنها لم تعد مرآة الثياب. كيف ترتدي امرأة زوجها؟ وكيف يرتدي زوج زوجته؟ لا أقصد الثياب.. بل أن يكون الرجل لباسا للمرأة، والمرأة لباسا للرجل. ثم تخرج الكاميرا معهما من البيت. يمشيان في الطريق. كل واحد منهما يحمل يومه معه.

تمر الوجوه. تمر السيارات. تمر امرأة من الجانب الآخر. تتحرك عين الرجل لحظة.. ثم يخفض بصره.

قطع..

الرجل في عمله. امرأة تتحدث إليه في أمر يخص العمل. ينصت إليها باحترام، ثم تعود عيناه إلى الشاشة أمامه.

قطع..

امرأة في مكان عملها. يناديها مديرها. يثني على اجتهادها، وعلى العمل الذي أنجزته. تشكره بابتسامة هادئة. ثم تعود إلى مكتبها.

قطع..

في مكان آخر.. رجل يتلقى ثناء على عمله. يبتسم. يشكر من أمامه. ثم يعود إلى عمله. لا شيء أكثر.

الكاميرا تواصل السير. زيارة عند الأهل. مجلس مزدحم. أصوات تتداخل. ضحكات. أسئلة. ثم يأتي اسم الزوج. وتأتي معه حكاية لا يعرفها إلا اثنان. تلتفت المرأة قليلا. تبتسم. ثم تصمت. لا تضيف شيئا.

قطع..

في مجلس آخر.. يُذكر اسم الزوجة. وتظهر على وجه الرجل ابتسامة صغيرة. لكنه لا يحكي ما جرى في البيت. لا يفتح بابا أغلقه هو وهي. تبقى الحكاية حيث بدأت. بين اثنين.

قطع..

امرأة في الطريق. تمشي بهدوء. ثوبها مرتب. خطوتها ثابتة. لا تستدعي عيون الناس. ولا تبحث عنها.

قطع..

رجل في مجلس. يرفع صوته بالضحك. ثم يهدأ. كلمة كان يمكن أن يقولها.. لكنه يبتلعها. ينظر إلى من أمامه. ويغير الحديث.

قطع..

الهاتف. رسالة. صورة. خبر. سرّ صغير. شيء يمكن أن يُرسل في ثانية إلى عشرات الأشخاص. الإصبع يقترب من الشاشة.. ثم يتوقف. يغلق الهاتف.

الكاميرا لا تسأل لماذا. إنها ترى فقط. في الطريق. في العمل. عند الأهل. في المجالس. في لحظة النظر. في لحظة الكلام. وفي لحظة الصمت.

الرجل يحمل زوجته معه. والمرأة تحمل زوجها معها. في نظراتهما. في كلامهما. في حضورهما بين الناس. وفي الأسرار التي لا تخرج من البيت.

ثم تعود الكاميرا إلى البيت. يُفتح الباب. يدخل أحدهما. يرفع الآخر عينيه. نظرة قصيرة. ثم ابتسامة. وتغلق الكاميرا على الباب.

لباس.. لا نراه، لكننا نراه في كل شيء. رجل يعود إلى البيت بعد يوم طويل. يضع مفاتيحه. يخلع معطفه. يجلس. امرأة تراه. لا تسأله. تضع أمامه كوب ماء. ثم تتركه قليلا. لقطة طويلة.

وفي بيت آخر.. كلمة قيلت في غرفة مغلقة. باب يُغلق. لا أحد في الخارج يعرف شيئا. تبقى الكلمة بين اثنين. الكاميرا لا تقترب أكثر. ثم يأتي الغضب. تخرج الكلمة من مكانها. سر قديم. تفصيل صغير. شيء قيل ذات مساء، حين كان البيت آمنا. الآن يخرج إلى الخارج. أمام الآخرين.

لقطة لوجه صامت. لقطة لعينين لا تلتقيان. باب يُغلق. وثوب كان يوما نظيفا.. صار ملطّخا. ماذا يحدث حين يتحول اللباس إلى شيء يكشف بدل أن يستر؟

وربما تبدأ الحكاية من البداية.. من لحظة الاختيار. صورة على الهاتف. وجه جميل. فيديو قصير. رقصة على تيك توك. ليلة عرس. أضواء. موسيقى. فستان. بدلة. سيارة تنتظر أمام القاعة. ابتسامات أمام الكاميرات.

تُختار الصورة.. قبل الإنسان. ثم تنطفئ الأضواء. تغلق أبواب الأعراس. تختفي شاشة الهاتف. وتبقى غرفة. وطاولة. وسرير. وفنجانان. وشخصان.. لا جمهور بينهما.

هناك فقط يبدأ السؤال: هل اختار كل واحد منهما لباسا؟ أم اختار صورة لباس؟ وهل اختار سكنا؟ أم دخل بيتا جميلا، وبقي فيه غريبا؟

وهنا تأتي آية أخرى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".. لباس.. ثم سكن.. ثم مودة ورحمة. السكن.. لا السكون.

الكاميرا تدخل بيتا آخر. رجل يعود متعبا. يضع مفاتيحه. يجلس. لا أحد يسأله شيئا. امرأة تضع أمامه كوب ماء. يجلسان. الصمت بينهما ليس فراغا. إنه مكان. مكان يستطيع فيه الإنسان أن يكون كما هو. ثم يد تمتد. يد أخرى تلتقي بها. نظرة. ابتسامة صغيرة. مودة.

ثم مشهد آخر. إنسان مريض. شخص آخر يقترب منه. يرفع عنه الغطاء. يضبط الوسادة. يطفئ الضوء. ويخرج بهدوء. رحمة. لا كلمات كبيرة. لا خُطب. فقط إنسان يترك للإنسان مكانا آمنا.

ثم تتوقف الكاميرا عن امرأتين من كتاب الله.. الأولى.. امرأة العزيز. باب. ثم باب آخر. أبواب مغلقة. يوسف في الداخل. والرغبة تقترب. ثم تأتي الكلمة: "هَيْتَ لَكَ".

لقطة..

باب مغلق. خطوات. ثم تنكشف الحقيقة. وتأتي الكلمات: "أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ". وفي قراءتي لهذه الصورة.. لقد خانت لباسها.

ثم صورة أخرى. امرأة من مدين. طريق. وموسى واقف وحده. ثم تأتي إحدى المرأتين. لا تقتحم المشهد. لا تندف، بل: "فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ" خطوات هادئة. مسافة محفوظة. وصوت يأتي من بعيد. صورتان. امرأتان. ومشهدان.

وقد يسألني أحدكم: لماذا عرّجتُ على هاتين المرأتين؟ لأن من يقف خلف الكاميرا رجل.. يرى في الأولى فتنة تقول: "هَيْتَ لَكَ"، وما أكثرهنّ! ويرى في الثانية حياء جميلا يمشي على عفّة.. بل كأن العفة نفسها قد ارتدت ثوبا ومشت.

ثم تعود الكاميرا.. إلى المرآة الأولى. إلى الصورة الأولى. إلى ذلك السؤال الذي ظل يرافقني: كيف يكون الإنسان لباسا للإنسان؟

ثم أعود إلى القماشة البيضاء. إلى ريشاتي. إلى ألواني. أجلس أمام البياض. وأتأمل. ماذا يمكن لريشة أن ترسم من لباس لا يُرى؟ وكيف يمكن للون أن يرسم سكنا ليس له جدران؟ وكيف يمكن لقماشة بيضاء أن تحمل المودة والرحمة؟

ثم أبتسم بيني وبيني. وأقول: نعم.. تستطيع أن تحاول. فأمسك الريشة. ولا أعرف بعد ماذا سأرسم. أحدّق في القماشة البيضاء.. وأنتظر.

ثم فجأة، تغمرني لحظة إلهام. فأرسم.. امرأة تقف أمام المرآة. تنظر طويلا.. لكنها لا ترى نفسها. بل ترى زوجها. وبدل الألوان الصاخبة، أختار تدرجات الأبيض والأسود والرمادي؛ فهذه الألوان من الناحية السينمائية، وحدها قادرة على تجريد الزيف وإظهار جوهر الأشياء. وتحت الصورة، أكتب بخط أنيق: "هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ".


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)