في خطوة كَرّست مسارا
من الجدل يتفاعل منذ أشهر طفت أزمة
الولاية الثالثة للرئيس الحالي
محمد ولد الشيخ الغزواني
إلى واجهة المشهد السياسي من جديد.
فبعد سلسلة من الدعوات
والمبادرات المتفرقة التي أطلقها قياديون وأطر في حزب "الإنصاف" الحاكم خلال
الفترة الماضية، جاء البيان الذي صدر قبل يومين للمكتب السياسي للحزب الحاكم، ليتوج
تلك التحركات بتبنٍ حزبي صريح، فتح الباب أمام قراءة المعارضة له كتمهيد لتعديل الدستور
والسماح للرئيس بالبقاء في السلطة.
ولم يتأخر الرد من
خندق المعارضة، إذ تصدر حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" (تواصل) -ذو
المرجعية الإسلامية والذي يمثل أكبر أحزاب المعارضة وثاني قوة سياسية في البرلمان-
واجهة الرفض، مصدرا بيانا حذر فيه من المساس بالمواد الدستورية المحصنة، واصفا انتقال
هذه الدعوات من الخطاب الفردي إلى البيان الرسمي للحزب الحاكم بأنه "انخراط لا
مواربة فيه" في مسار خرق الدستور.
رسائل مشفرة
عاد الجدل بخصوص تعديل
الدستور، عقب اجتماع عقده المكتب السياسي لحزب "الإنصاف" الحاكم قبل يومين
في ختامه أصدر بيانا تناول فيه رؤيته للحوار الوطني المرتقب، مثمنا ما تحقق من تقدم
في مساره التحضيري، ومشيدا بروح التوافق بين مختلف القوى السياسية.
وأكد المكتب السياسي
للحزب الحاكم رفضه لخطابات الكراهية والدعوات إلى الفتنة والفوضى، لما تمثله من تهديد
للسلم الأهلي والوحدة الوطنية، مشددًا على ضرورة التصدي لها، وترسيخ خطاب المسؤولية
والاعتدال، واحترام مؤسسات الدولة ورموزها.
لكن النقطة التي أثارت
غضب المعارضة تمثلت في فقرة من البيان حث فيها المكتب السياسي لحزب "الإنصاف"
لجنته الدائمة على "دراسة وتلبية المطالب التي عبر عنها المنتخبون والمناضلون
والأطر خلال الزيارات الميدانية الأخيرة".
هذه المطالب، بحسب
نص البيان، تتعلق صراحة بـ"التمسك بشخص رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني".
ولم يقف الأمر عند
هذا الحد، بل دعا البيان إلى "الدفع باتجاه الإصلاحات الكفيلة بتحقيق ذلك"
دون القول بشكل صريح إنه يدعو إلى تعديل الدستور.
اظهار أخبار متعلقة
لكن في القاموس السياسي
الموريتاني، تُقرأ عبارة "الإصلاحات الكفيلة بتحقيق ذلك" على أنها تمهيد
سياسي لإجراء تعديلات دستورية تلغي القيود المفروضة على عدد الولايات الرئاسية، مما
يفتح الباب أمام الغزواني للاستمرار في حكم البلاد.
"لا مساس بالدستور"
التقط حزب التجمع الوطني
للإصلاح والتنمية "تواصل" المعارض الرسالة المشفرة للحزب الحاكم بسرعة، واعتبر
أن صدور مثل هذا الموقف من أعلى هيئة تنفيذية في حزب "الإنصاف" الحاكم، يمثل
"انخراطا لا مواربة فيه في مسار الدعوة إلى فتح الباب أمام ولاية ثالثة للرئيس".
وشدد "تواصل"
على أن هذه الخطوة تمثل "خرقا سافرا لمواد الدستور الموريتاني" الذي حسم
بشكل قاطع عدد الولايات الرئاسية في اثنتين فقط، وحصّن الأحكام المتعلقة بتلك المدد،
حيث ينص الدستور الموريتاني على عدم جواز تعديل المواد المتعلقة بالتناوب على السلطة.
ورفض الحزب المعارض
بشكل قاطع المحاولات الرامية إلى تسويق هذه الدعوة في قوالب مثل "المطالب الشعبية"
أو "الإصلاحات الضرورية".
وأكدأن الإرادة السياسية الآنية للبعض لا
يمكن أن تتحول إلى "مبرر مقبول لتجاوز القواعد الدستورية مشددا على أن خرق النص
الدستوري لا يمكن أن يُسمى بحال من الأحوال "إصلاحا".
ووجه "تواصل"
بوصلة النقاش نحو هموم الشارع الموريتاني، معتبرا أن الأولوية القصوى في هذه المرحلة
يجب أن تنصب على "توجيه الجهد السياسي للقوى الوطنية كافة، وفي مقدمتها السلطة
الحاكمة، نحو معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتحسين الخدمات
الأساسية المتردية".
واعتبر أن محاولة إعادة
فتح ملف حُسم دستوريا تعكس ابتعادا عن الأولويات الوطنية الحقيقية المتمثلة في تعزيز
دولة المؤسسات والقانون.
وفي هذا الإطار قال
المتحدث الرسمي باسم حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" اكناته ولد النقره،
إن ما صدر عن حزب "الإنصاف" الحاكم "يعد انخراطا واضحا في مسار الدعوة
إلى فتح الباب أمام مأمورية رئاسية ثالثة، خصوصًا أن الدعوة صدرت عن أعلى هيئة تنفيذية
في
حزب الإنصاف".
وأوضح ولد النقره في
تصريح خاص لـ"عربي21" أن حزب الإنصاف الحاكم قدم دعوته بخصوص تعديل
الدستور في صيغة الاستجابة لمطالب المنتخبين والمناضلين والأطر.
وأضاف: "نرى أن
الإرادة السياسية الآنية لبعض الأطراف في النظام لا يمكن اعتبارها بحال مبررا لتجاوز
أحكام الدستور، ذلك أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على استمرار الأشخاص، وإنما على قوة
المؤسسات واحترام الدستور وسيادة القانون، وهو ما يؤكد عليه الحزب في أكثر من مناسبة".
ثوابت التداول السلمي
وعبر حزب "التجمع
الوطني للإصلاح والتنمية" عن رفضه القاطع لكل دعوة إلى ولاية رئاسية ثالثة
"أياً كان مصدرها أو مبررها"، منددا في الوقت ذاته بأي محاولة لـ"الالتفاف
على الأحكام الدستورية المتعلقة بالمأموريات الرئاسية أو إعادة تفسيرها بما يخدم تمديد
السلطة".
ولم يكتف الحزب بموقفه
الرافض، بل أطلق نداء عاجلا لكافة القوى السياسية والوطنية لتحمل مسؤوليتها في حماية
الدستور والدفاع عن مبدأ التداول السلمي على السلطة بالوسائل الديمقراطية السلمية".
"رسائل بالغة السلبية"
رأى المتحدث الرسمي
باسم حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" كناته ولد النقره، في حديث لـ"عربي21" أن
الدعوة إلى تعديل الدستور تبعث برسائل سياسية بالغة السلبية، ومن شأنها إرباك مسار
الحوار وتقويض مناخ الثقة الهشة بين الأطراف المشاركة فيه.
ولفت إلى أن حزب
"الإنصاف" الحاكم نفسه أعلن في الوقت ذاته أن الحوار فرصة لتعزيز الثقة والاستقرار
وتطوير الممارسة الديمقراطية.
وفي رده على سؤال عربي21 بشأن
ما إذا كان حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" قد ينسحب من الحوار قال
ولد النقره: "موقفنا من الحوار لا ينبغي أن يُستبق بافتراضات، فالحزب سيدرس الموقف
المناسب في ضوء تطورات المسار ومواقف الأطراف وما قد يترتب عليها".
اظهار أخبار متعلقة
لكنه لفت إلى أن الموقف
المبدئي للحزب "هو وجوب احترام الدستور ومواده المحصنة، ولن يكون الحزب جزءا من
أي أجندة سياسية قد تقدم على انتهاكها، كما لن يكون جزءا من الغطاء السياسي لذلك، وسيظل
الحزب متمسكًا بالدفاع عن الدستور والتداول السلمي على السلطة بالوسائل الديمقراطية
السلمية".
مناخ التهدئة
منذ وصوله السلطة حرص
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني على إرساء تهدئة سياسية بعد الانتخابات
الرئاسية من خلال لقاءات دورية مع قادة الأحزاب السياسية بما فيها أحزاب المعارضة.
لكن الدعوة الصريحة
لعدد من قيادات حزب الإنصاف الحاكم إلى تعديل الدستور للسماح للرئيس الغزواني بالترشح
لولاية رئاسية ثالثة في وقت تتجه في الأطراف السياسية إلى حوار وطني أثار المخاوف بشأن
مستقبل الحوار.
وبدلا من أن تتجه الأطراف
السياسية إلى طاولة الحوار بأجندات تركز على الإصلاحات الانتخابية، التنمية المشتركة،
تعزيز الوحدة الوطنية، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، يجد الفاعلون السياسيون أنفسهم
أمام لغم سياسي جديد قد يكون بداية تصدع للتهدئة السياسية التي طبعت المشهد السياسي
طيلة السبع سنوات الماضية.
سيناريوهات متوقعة
الأثر المحتملة للسجال
بين الأطراف السياسية الرئيسية على الحوار السياسي المرتقب قد يتجلى في سيناريوهين
رئيسيين، الأول: هو تحول هذا الحوار من فرصة للتوافق الوطني إلى صراع بخصوص تعديل الدستور
في حال سعت أحزاب الموالاة لاستخدام مخرجاته كغطاء سياسي لتمرير التعديلات الدستورية
المطلوبة وهو ما يتوقع أن يقابل برفض أو انسحاب من قوى المعارضة التي قد ترى في الحوار
مجرد ذريعة لتشريع التمديد.
أما السيناريو الثاني
فهو الانهيار المبكر لمسار التحضير للحوار، حيث قد تشترط المعارضة قبل الجلوس إلى الطاولة
صدور موقف رسمي وقاطع من الرئاسة الموريتانية يتبرأ من بيان الحزب الحاكم ويغلق باب
المأمورية الثالثة نهائيا.
وفي غياب مثل هذا الضمان،
فإن العودة إلى مربعات الاحتقان السياسي تظل واردة رغم التهدئة السياسية الحالية وحاجة
البلد إلى توافقات وطنية كبرى لمواجهة تحدياته الأمنية والاقتصادية في محيط إقليمي
بالغ التعقيد.