قالت الحاجة هند، جدة الشهيدة الفلسطينية الطفلة
هند رجب، إن العائلة لا تثق بأي تحقيق يجريه
الاحتلال في واقعة استشهاد حفيدتها،
مؤكدة أن "القاتل لن يدين نفسه، وأن الجهة المتهمة بقتل هند لا يمكن أن تكون هي
نفسها الجهة التي تحقق في الجريمة وتحدد المسؤوليات بشأنها".
وشدّدت، في حديث خاص مع "عربي21"، على
ضرورة فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف يفحص الأدلة ويستمع إلى الشهود ويحدد المسؤوليات
بعيدا عن أي ضغوط سياسية أو عسكرية، لافتة إلى أن "العائلة تريد تحقيقا حقيقيا
ينتهي إلى نتائج واضحة ومحاسبة المسؤولين، لا مجرد إجراء يُعلن عنه لمحاولة تبييض صورة
جيش الاحتلال أمام العالم وتبرير ما فعلوه أمام الرأي العام العالمي".
وأضافت جدة هند أن حفيدتها "لم تكن مجرد
اسم ارتبط بمأساة، وإنما طفلة بريئة كانت تحب اللعب والرسم وتحلم بأن تصبح طبيبة، وتركت
برحيلها فراغا وألما كبيرين في قلب العائلة"، مؤكدة أن رسالتهم إلى العالم هي
ألا تنسى هند وألا تنسى معاناة أطفال
غزة، وأن يحصلوا على حقهم في الحياة والأمان والتعليم
والصحة.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن "عائلة هند ستواصل تحركاتها
القانونية والحقوقية والإعلامية للمطالبة بالعدالة، ليس لهند وحدها وإنما لجميع أطفال
غزة".
وفي 19 آب/ أغسطس، أقر جيش الاحتلال لأول مرة
بأن قواته أطلقت النار على سيارة كانت تقل الطفلة هند رجب في غزة في كانون الثاني/
يناير 2024، معلنا فتح تحقيقات جنائية داخلية في استشهادها وفي استشهاد 15 من موظفي
الطوارئ والإغاثة برفح في آذار/ مارس 2025.
وكان جيش الاحتلال ادعى سابقا عدم وجود قواته
في المنطقة القريبة من موقع الاعتداء عند استشهاد الطفلة، قبل أن تكشف تحقيقات ومواد
بصرية وصوتية مستقلة أدلة على وجود القوات الإسرائيلية في المكان.
وأثارت قضية هند رجب غضبا دوليا واسعا بعد انتشار
تسجيل صوتي لآخر اتصال لها أجرته بالهلال الأحمر الفلسطيني في محاولة مؤثرة لطلب المساعدة.
وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
لماذا رفضتم تحقيق الاحتلال في استشهاد هند؟
وهل تثقون بإمكانية أن يكشف التحقيق حقيقة ما حدث؟
عندما نتحدث عن تحقيق يجريه الجيش الإسرائيلي،
وهو الجيش الذي يرتكب يوميا جرائم ومجازر دامية بحق أطفال غزة، فمن الطبيعي ألا تكون
لدينا أي ثقة في هذا التحقيق أو في البيانات الصادرة عنه. كيف يمكن أن نثق بتحقيق يجريه
الطرف المتهم، في الوقت الذي يقتل فيه أطفالنا بشكل متعمد، وعلى مرأى ومسمع من العالم
كله؟.
لا أحد يمكنه أن يثق بهذه التحقيقات في ظل استمرار
التهديدات والعمليات العسكرية التي تستهدف الفلسطينيين وأطفال غزة. ولذلك، بالنسبة
لنا، لا يمكن أن تكون بيانات الجيش الإسرائيلي مصدرا للحقيقة أو أساسا لبناء الثقة.
ونحن لا نرفض التحقيق لمجرد الرفض، وإنما نبحث
عن الحقيقة والعدالة، وما نحتاج إليه هو تحقيق دولي مستقل وشفاف، يستطيع فحص الأدلة،
والاستماع إلى الشهود، وتحديد المسؤوليات بصورة موضوعية، من دون أن تكون الجهة المتهمة
هي نفسها الجهة التي تجري التحقيق وتحدد مساره ونتيجته.
إن الثقة لا تُبنى بمجرد الإعلان عن فتح تحقيق،
وإنما بمدى استقلاله وشفافيته، ونشر نتائجه كاملة، ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت مسؤوليتهم.
هذا هو ما نطالب به: تحقيق يكشف الحقيقة ويحقق العدالة، وليس مجرد إجراء يُعلن عنه
لتهدئة الانتقادات أو امتصاص الضغوط.
هل تواصل معكم الاحتلال بخصوص التحقيق الذي فتحته
مؤخرا؟
لا. لم يتواصل معنا، ونحن فقط نسمع عن ذلك عبر
الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. نحن لا نريد وعودا، وإنما نريد الحقيقة، وهند
تستحق أن تُعامل قضيتها باعتبارها قضية إنسانية وعدلية، لا مجرد واقعة أخرى تُضاف إلى
قائمة طويلة من الحوادث المأساوية.
برأيكم، لماذا أعلن الاحتلال بشكل مفاجئ في هذا
التوقيت تحديدا فتح تحقيق في واقعة استشهاد هند؟
بالتأكيد، التوقيت الذي فتحوا فيه التحقيق جاء
لأن العالم يسألهم كل يوم، ويطالب بالحق في قضية قتل الطفلة الشهيدة هند، ولأن قتل
الشهيدة هند، أو إعدامها، كان موثقا، فلم يعد بإمكانهم إنكار الجرائم التي يرتكبونها
أو إخفاءها.
لذلك أصدروا هذا البيان وأعلنوا عن هذا التحقيق
الذي يدّعون أنهم فتحوه، فقط من أجل تبييض صورتهم أمام العالم، وتبرئة جيشهم المجرم،
وتبرير ما فعلوه أمام الرأي العام العالمي.
بحسب توقعاتكم، ما النتائج التي سينتهي إليها
التحقيق في واقعة استشهاد هند؟
البيان الذي أصدروه قد يكون هدفه فقط أن يقولوا
أمام العالم إنهم فتحوا تحقيقا، وقد يفتحون تحقيقا بالفعل، وقد لا يفتحونه. لكن حتى
الآن لا يوجد ما يدل على وجود شيء ملموس أو إجراء حقيقي يؤكد أنهم فتحوا تحقيقا جادا،
وما نخشاه هو أن يتحول التحقيق إلى مسار طويل وعبثي ينتهي بلا إجابات واضحة، أو أن
يُغلق الملف من دون أي محاسبة حقيقية.
نحن لا نتحدث عن عائلة هند وحدها. نحن، بالطبع،
نتحدث عن شعب غزة بأكمله، الذي يطالب بالتحقيق؛ لأن الجرائم التي تُرتكب بحق أطفال
غزة لا تتعلق بهند وحدها.
لماذا تصر العائلة على تحقيق دولي في استشهاد
هند؟ وما الذي تريدون أن يكشفه هذا التحقيق؟
لأننا نعيش في تحت الاحتلال، فالدولة التي ترتكب
جرائمها كل يوم، وتقوم بإعدام أطفال غزة بشكل متعمد. بالتأكيد، لا يمكن لأحد أن يثق
بها، لا على المستوى الدولي ولا على أرض غزة؛ لأن الجرائم تُرتكب في غزة كل يوم، وبشكل
مباشر، وتنتهك حقوق الأطفال والمدنيين بصورة مستمرة.
نصر على تحقيق دولي مستقل لأننا نريد جهة لا
تكون طرفا في القضية ولا تخضع لضغوط سياسية أو عسكرية. نريد تحقيقا ينظر إلى هند باعتبارها
طفلة لها حق في الحياة، وليس باعتبارها رقما في ملف حرب مدمرة.
نحن نريد أن تكون هناك مساءلة حقيقية في تلك
الجريمة البشعة؛ لأن التحقيق الذي يكشف الحقيقة ثم لا يؤدي إلى محاسبة، يترك جرحا مفتوحا
لدى العائلة. نحن لا نستطيع إعادة هند إلى الحياة، وهذا هو الألم الأكبر، لكن
ربما نستطيع أن نمنع أن تذهب قصتها إلى النسيان، وأن نضمن ألا تتكرر المأساة مع أطفال
آخرين.
هل هناك أي خطوات جديدة تعتزم عائلة هند اتخاذها
خلال المرحلة المقبلة؟
سنواصل المطالبة بالحقيقة والعدالة بكل الوسائل
القانونية والإنسانية والإعلامية المتاحة لنا؛ فقضيتنا ليست مرتبطة بوقت معين، لأن
فقدان هند ليس شيئا ينتهي بمرور الأيام، وسنواصل التواصل مع الجهات الحقوقية والقانونية
التي تستطيع المساعدة في الوصول إلى تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، وحتما سنتمسك بحقنا
في معرفة الحقيقة كاملة.
نحن لا نطالب إلا الدول التي تتحدث عن حقوق الإنسان
وحقوق الأطفال بأن تتحمل مسؤوليتها، وأن تدافع عن هذه الحقوق، وأن تقف إلى جانب أطفال
غزة.
هل تعتقدين أنه ربما يتم إنصاف الشهيدة هند على
صعيد التحقيقات الدولية المأمولة؟
نحن نطالب بذلك، وبالتأكيد نأمل من المؤسسات
الحقوقية أن تطالب بحقوق أطفال غزة جميعا، وليس فقط بحقوق الطفلة الشهيدة هند.
اظهار أخبار متعلقة
نحن نطالب بحقوق جميع أطفال غزة، لأن أطفال غزة
بالنسبة لنا أمانة واحدة، ولا يمكن أن نفصل قضية هند عن قضاياهم. هند واحدة من أطفال
غزة الذين تعرضوا لهذه المأساة، ونحن نريد العدالة لكل أطفال غزة، وليس لهند وحدها.
على صعيد آخر، كيف كانت هند في حياتها اليومية
داخل البيت؟ وما أكثر ما تتذكره الجدة من شخصيتها واهتماماتها وعلاقتها بعائلتها؟
هند كانت طفلة بريئة، تمارس حياتها اليومية مثل
بقية الأطفال في العالم. كانت تلعب وتلهو، وكانت تذهب إلى روضتها كل صباح، وكانت تحب
دائما أن تأتي من بيتها إلى بيت جدتها.
كنا نلعب ونتحدث معها، ونتناول الفطور معها.
كانت هند طفلة بريئة تحب الحياة، وكانت تتمنى حياة جميلة، وكانت تقول إنها عندما تكبر
تريد أن تتعلم الرسم وأن تصبح طبيبة.
هند كانت مثل جميع أطفال غزة؛ تحب الحياة وتحلم
بالمستقبل، تماما مثل أطفال العالم أجمع.
كنت أتمنى أن يتعرف الناس إليها وهي تضحك وتلعب
وتعيش طفولتها، لا أن يعرفوها من خلال المأساة التي انتهت إليها حياتها.
كيف غيّر فقدان هند حياة الأسرة والعائلة بشكل
عام؟ وكيف تتعاملون مع غيابها وذكرياتها بعد مرور هذا الوقت؟
بالتأكيد، هند تركت فراغا كبيرا ووجعا وألما
كبيرا في حياتنا. هي طفلة عانت وشاهدت الدبابات والجيش أمامها، وهذا أمر مؤلم جدا.
كلما سمعنا صوتها المسجل أو رأينا صورتها، نتذكرها،
ونشعر أنها معنا. هند لن تُنسى، ولا يمكن أن تُنسى ولو للحظة.
لقد تركت هند ألما كبيرا في قلوبنا، لأن الحادثة
التي وقعت لها كانت حادثة موجعة ومؤلمة جدا، وما زلنا نعيش آثارها حتى اليوم، ونحن
نحاول أن نحافظ على ذكراها، وأن نجعل اسمها مرتبطا بالحياة والطفولة والعدالة، وليس
بالموت وحده.
أخيرا، ما هي رسالة عائلة هند للعالم اليوم؟
وماذا تريدون أن يتذكر العالم عن هند؟
نحن نطالب العالم دائما بألا ينسى ما حدث لهند،
لأننا لا نريد أن يتكرر ما حدث معها، ولا نريد أن تتكرر هذه المأساة كل يوم مع أطفال
غزة وأطفالنا، وبالتالي رسالتنا للعالم بسيطة: لا تنسوا هند، لا نريد أن تكون هند مجرد
قصة أثارت اهتمام العالم لفترة ثم اختفت من الذاكرة.
أطفال غزة كثيرون يتألمون، لأنهم لا يجدون حياة
طبيعية؛ لا تعليم، ولا صحة، ولا أي اهتمام كاف. أطفال غزة كل يوم يعيشون الألم والوجع
والنقصان.
لذلك، نوجه رسالة إلى العالم بأن يبقى دائما
إلى جانب أطفال غزة، وأن يدافع عن حقوقهم، لأن أطفال غزة يحبون الحياة، مثلهم مثل جميع
أطفال العالم.
نريد من العالم أن يتذكر أن هند كانت طفلة تحب
الحياة، ولها أحلام وطموحات مثل أي طفل آخر، وما نطلبه هو ألا تُنسى هند، وألا تُنسى
معاناة أطفال غزة، وأن يحصلوا على حقهم في الحياة والأمان والتعليم والصحة.