لماذا استهدفت "إسرائيل" تلة علي الطاهر جنوبي لبنان بـ1100 طن من المتفجرات؟

تقع تلة علي الطاهر بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا شمال نهر الليطاني ويبلغ ارتفاعها نحو 600 متر عن سطح البحر - الأناضول
تقع تلة علي الطاهر بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا شمال نهر الليطاني ويبلغ ارتفاعها نحو 600 متر عن سطح البحر - الأناضول
شارك الخبر
تتعرض تلة علي الطاهر في محافظة النبطية جنوبي لبنان بصورة شبه يومية لمحاولات تقدم إسرائيلية، بالتوازي مع قصف مدفعي وغارات جوية متواصلة؛ يأتي هذا رغم وقوعها ضمن ما يسميه جيش الاحتلال "المنطقة الأمنية" التي تنتشر فيها قواته.

والأحد، هدد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بـ"القضاء" على كل من يقترب من مرتفعات علي الطاهر، زاعماً أن جيش الاحتلال يستعد "عملياتياً للسيطرة" على المنطقة، بعد ادعائه القضاء على مسلحين وتدميره أنفاقاً تابعة لـ"حزب الله" هناك.

اظهار أخبار متعلقة


وزعم كاتس أن مرتفعات علي الطاهر "جزء من الخط الأصفر ومن المنطقة الأمنية لإسرائيل في لبنان"، التي ادعى أن مساحتها تبلغ 700 كيلومتر مربع، وأضاف: "كما أوضحنا أنا ونتنياهو، لن نتحرك من المنطقة الأمنية، والجيش لن ينسحب أو يعيد انتشاره حتى نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان".

الموقع والأهمية

تقع تلة علي الطاهر بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني، ويبلغ ارتفاعها نحو 600 متر عن سطح البحر، وهو ما جعلها ذات أهمية جغرافية وعسكرية، إذ تتيح مراقبة مساحة واسعة من جنوبي لبنان، تشمل النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان ومحيط نهر الليطاني ومناطق أخرى.

تعد التلة جزءاً من سلسلة مرتفعات تضم تلال علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة، وتشكل، إلى جانب موقعها المرتفع، كتلة جبلية متصلة، كما ترتبط جغرافياً بمجال قلعة الشقيف، التي تبعد عنها نحو 4 إلى 5 كيلومترات.

تُنسب أهمية تلة علي الطاهر إلى عدة عوامل، منها إشرافها على عدد من حواضر جبل عامل، وموقعها الذي يتيح التحكم في مسارات الوصل بين جنوب لبنان والبقاع، فضلاً عن كونها مدخلاً إلى العمق الجبلي في إقليم التفاح وجبل الريحان، كما صَعَّبت وعورة تضاريسها من سهولة السيطرة عليها.

الاحتلال يدعي السيطرة.. وحزب الله ينفي

عقب استئناف الحرب بين دولة الاحتلال وحزب الله عام 2026، عادت التلة إلى الواجهة، ولا سيما بعد إعلان إسرائيل "السيطرة" على قلعة الشقيف في 31 أيار/مايو، حيث انصب التركيز الإعلامي لاحقاً نحو علي الطاهر.

ومنذ مطلع أيلول/سبتمبر الجاري 2026، كثّف جيش الاحتلال غاراته على التلة ومحيطها، قبل أن يعلن في 3 أيلول/سبتمبر ما وصفه بـ"السيطرة العملياتية" على المنطقة، رغم إعلانه في 26 حزيران/يونيو أنه سيطر على المرتفعات، وهو ما نفاه "حزب الله" آنذاك.

وفي 19 حزيران/يونيو، قُتل قائد الكتيبة 52 وثلاثة من أفراد طاقم دبابته، بعدما أُصيبت خلال عملية قال جيش الاحتلال إنها استهدفت السيطرة على شبكة كبيرة تحت الأرض خلال عملية شنها في كفرتبنيت وعلي الطاهر، بمشاركة وحدات مدرعة وقوات من الكوماندوس وغولاني وإيغوز والهندسة.

تاريخ من الصراع على التلة

وللصراع على التلة تاريخ طويل، فبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أقام الاحتلال موقعاً عسكرياً فيها، وحتى الانسحاب عام 2000، شكّل موقع علي الطاهر أحد أبرز التحصينات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، وكان هدفاً متكرراً لعمليات حزب الله.

وتربط تقارير محلية بين موقع علي الطاهر ومجزرة باص النبطية عام 1994، حين استهدف القصف الإسرائيلي حافلة مدرسية في يوم الأم، في 21 آذار/مارس، ما أدى إلى سقوط شهداء ومصابين، وفق ما أوردته صحيفة السفير اللبنانية. 

مجمعات تحت الأرض

تزعم تقارير بحثية وصحفية عبرية وجود منشآت وتحصينات وأنفاق تابعة لـ"حزب الله" داخل تلة علي الطاهر، مستخدمة مصطلحات "مركز الأعصاب" و"المدينة الملجأ" لوصف المنطقة، وربطتها بقيادة وحدة "بدر" في حزب الله، فيما لم يصدر عن الحزب تأكيد أو نفي لهذه المعلومات.

وقال مركز "ألما" للبحوث والتعليم الإسرائيلي، وهو مركز غير حكومي، في تقرير صدر في وقت سابق، إن تلة علي الطاهر تضم بنية تحتية "استراتيجية" للأنفاق تابعة لـ"حزب الله"، من بينها مجمعات تحت الأرض يزيد طول أكبرها على كيلومتر.

وبحسب هذه التقارير، يوجد ما بين 10 - 15 مقاتلاً لحزب الله داخل منشأة تحت الأرض في المنطقة، فيما تعمل قوات الاحتلال الإسرائيلية على تشديد الحصار عليهم وقطع خطوط الإمداد، وسط محاولات لإيصال معدات ومؤن إليهم بواسطة طائرات مسيرة.

نحو 1.1 مليون كلغ من المتفجرات

يوم 11 أيلول/سبتمبر، نفذ الجيش الإسرائيلي سلسلة تفجيرات ضخمة في مرتفعات علي الطاهر جنوب لبنان، في عملية أعلن عنها رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، معتبرَين أنها تستهدف بنية تحتية استراتيجية لحزب الله أُقيمت على مدى نحو عقدين.

 
ومع احتدام الحملة الانتخابية الإسرائيلية قبل موعد الاقتراع في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، قالت تل أبيب إن العملية تأتي في إطار ما وصفته بـ"المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، وإن الجيش سيبقى في المنطقة لمواصلة تدمير أي بنية مماثلة.

هزة بقوة 4.1 درجات 

لم يكن التفجير مجرد حدث حربي معتاد، فقد سجلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية جراء التفجير هزة بقوة 4.1 درجات في المنطقة، بينما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بأن الارتجاجات ودوي الانفجار شعر بهما السكان في النبطية وصولاً إلى صيدا.

 
وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام أكثر من 1100 طن من المتفجرات لتدمير شبكة أنفاق يزيد طولها عن كيلومترين تحت المرتفع، وهو ما طرح تساؤلات بشأن التداعيات على الصخور والتربة والمياه والنباتات والحيوانات.

نظراً لوقوع تلة الطاهر شمال نهر الليطاني، وهو أهم مورد مائي في جنوب لبنان وأحد الأحواض الزراعية الرئيسية في المنطقة؛ لذا يصبح الحديث عن احتمال تسرب ملوثات من موقع التفجير إلى المياه الجوفية أو السطحية أمراً يستحق متابعة ميدانية ورصداً لنوعية المياه في الأسابيع المقبلة.

ماذا يمكن أن يحدث داخل المرتفع؟

يعادل 1100 طن نحو 1.1 مليون كيلوغرام من المتفجرات، أي ما يوازي وزن نحو 44 ألف كيس إسمنت، وعندما تنفجر كميات كبيرة من المتفجرات، تنتقل الطاقة أولاً في صورة موجات ضغط تؤدي إلى تكسير الصخور وتحطيم الفراغات والأنفاق الطبيعية وإعادة توزيع الضغوط داخل الكتلة الصخرية.

اظهار أخبار متعلقة


وفقاً لتقرير نشرته إذاعة "مونت كارلو" الفرنسية، قد تكون النتيجة المباشرة انهيار أجزاء من الأنفاق، أو تدمير أو انزياح كتل صخرية ضخمة، أو تحرك التربة على المنحدرات - وهذه ليست آثاراً نظرية فقط، إذ أفادت تقارير محلية بتناثر الصخور والأتربة وإغلاق طريق في محيط المنطقة بعد التفجير.

ضرر لن تظهر آثاره فوراً

ربما يكون الغبار أحد الآثار الأكثر وضوحاً جراء التفجير، حيث إن تمزيق الصخور وتحويلها إلى جسيمات دقيقة يرفع تركيز الغبار في الهواء، قبل أن يترسب جزء منه على النباتات والتربة والمياه القريبة.

 
أما التربة نفسها فقد تتعرض للتعرية أو الطمر بالركام، وقد تتضرر طبقتها السطحية التي تحتوي جزءاً كبيراً من النشاط البيولوجي والبذور والكائنات الدقيقة.

الضرر على النباتات والحيوانات

لا يعني التأثير على التنوع البيولوجي بالضرورة اختفاء الأنواع من المنطقة، لكنه قد يبدأ بتدمير موائل صغيرة ومواقع تعشيش وجحور، وإجبار الحيوانات على مغادرة المناطق القريبة من مصدر الانفجار. كما يمكن للضوضاء والاهتزازات والغبار أن تؤثر في سلوك الحيوانات والطيور.

في النهاية، انتهى الانفجار خلال لحظات، لكن آثاره لا تنتهي بالضرورة بانقشاع الدخان. فالطاقة التي هزت الأرض، والصخور التي انهارت، والغبار الذي انتشر، والغطاء النباتي الذي ربما دُمِّر، كلها تفتح سؤالاً أكبر من حجم الانفجار نفسه: كم من الوقت تحتاج الأرض في "علي الطاهر" لكي تستعيد ما فقدته؟
التعليقات (0)