"الدفع بالتي هي أحسن": منهجية اقتدار أم ستارٌ للاستكانة؟

محمد عزت الشريف
"التفاوض بلا أوراق ضغط لا يوقف المعتدي، بل يصبح إعادة بناء القوة الذاتية الخيار الوحيد"- عربي21/AI
"التفاوض بلا أوراق ضغط لا يوقف المعتدي، بل يصبح إعادة بناء القوة الذاتية الخيار الوحيد"- عربي21/AI
شارك الخبر
1. المفاهيم المغلوطة في زمن الشدة

في لحظات اختناق الصراع، تُسخّر القوى المعتدية تفوقها المادي لإحكام السيطرة، بينما تفتش القوى الأضعف عن مخرج تحت ضغط الفارق. غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في اختلال ميزان السلاح، بل في ضبابية المفاهيم التي تُفرغ أدوات المواجهة من فاعليتها.

لقد جرى اقتطاع النص القرآني "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" عن سياقه التأسيسي -كما نصت تفاسير الطبري والقرطبي والسعدي عند بيان سياق آيات الدفع- ليُعاد تدويره كمرادف للمسالمة المجانية وقبول الأمر الواقع. هذا الاختزال يقطع الصلة بين سنّة التدافع وحركية السلوك السياسي، فيُسلم المبادرة للمعتدي تحت غطاء أخلاقي مزيف.

2. ما معنى "الأحسن" في ميدان السياسة؟

لا يعني "الدفع بالتي هي أحسن" إلغاء حق الدفاع، بل يُستلهم منه مبدأ اختيار الاستجابة الأجدى التي تحقق المقصد وتدرأ الضرر بأعلى قدر من الرشد. ولضبط الطرح بلا تعقيد أسلوبي، نعتمد المبادئ التالية:
لا يعني "الدفع بالتي هي أحسن" إلغاء حق الدفاع، بل يُستلهم منه مبدأ اختيار الاستجابة الأجدى التي تحقق المقصد وتدرأ الضرر بأعلى قدر من الرشد

- الموازنة الأخلاقية والميدانية: اختيار الوسيلة السياسية التي تجمع بين سلامة المبدأ وتقليل الخسائر البشرية، مع اعتبار حقوق المجتمع السيادية خطاً أحمر لا يجوز التنازل عنه.

- معيار "الأحسن": القدرة على موازنة الكلفة بالمآل، واختيار الفعل الأكثر صيانةً لحياة المجتمع والمحقق لغايات وجوده.

- طبيعة الخصم الإلغائي: الاحتلال الاستيطاني الذي يقرن تمدده الميداني بالنفي التشريعي لسيادة الضحية وحقوقها، ومحاولة تحويلها إلى كتل سكانية تُدار أمنياً وخدمياً.

وهنا تبرز الحاجة للتمييز بين الموازنة الأخلاقية ونظرية الاختيار العقلاني المجردة؛ فالأخيرة تُحسَب بالأرقام والمنفعة المادية المحضة دون اعتبار للكرامة أو السيادة.

3. حجة التهدئة وصيانة الأرواح

لتحرير المفهوم، يجب التمييز بين المهادنة المرحلية التي تهدف لصيانة الأرواح وإعادة بناء القوة، وبين الهروب من كلفة القرار السياسي. ومثلما تقع التهدئة المجانية في فخ الخنوع، تقع المواجهة غير المحسوبة في فخ "وهم البطولة" والاندفاع الشعاري الذي يستهين بالدماء والمعاناة اليومية.

وهنا يجب التوقف بإنصاف أمام حجة المهادنة طويلة الأمد؛ إذ ينطلق أصحاب هذا الطرح من أن إيقاف نزيف الدماء، وحفظ النفوس، وحماية البنية التحتية للمجتمع يُعدّ مقصداً شرعياً وإنسانياً مقدماً على الشعارات المبدئية المعزولة عن الواقع. قبول الهدنة في حالات الحصار والتجويع قد يكون هو الخيار "الأحسن" عملياً، شريطة ألا يُتخذ ذلك مدخلاً لتصفية قضية الضحية نهائياً.

فالتفاوض أداة سياسية تتحدد قيمتها بموقعه من القوة:

- تفاوض تراكم القوة: يُدار كاستمرار للاشتباك بوسائل سياسية لتحسين الشروط وصيانة أصل السيادة.

- تفاوض استهلاك القوة: يُدار من موقع التنازل المتدرج وتجريد المجتمع من أوراق ضغطه، فيتحول إلى آلية لمنح الخصم أرباحاً مجانية.

4. عندما تعجز القيادة وتتحرك الشعوب

غالباً ما تُوظف السلطات العاجزة مفهوم "درء المفاسد" لتبرير التنازلات الدائمة. وعندما تفقد القيادة الرسمية قدرتها على صيانة أصل الحق، تنتقل مسؤولية التقدير إلى الحاضنة الشعبية والمقاومة الحية.

وتمارس الحاضنة مسؤوليتها عبر آليات عملية:

- تجريد الخطاب العاجز من احتكار تمثيل الرشد السياسي.

- بناء أطر التضامن المجتمعي (إغاثياً، ومعرفياً) لتعزيز الصمود.

تحويل أي تهدئة فرضت فوقياً إلى حالة رفض ومقاومة صامتة تُفشل مخططات التصفية.

5. حدود التفاوض مع خصم يسعى لإلغائك

تنجح التهدئة عادة مع خصم يسعى لأهداف سياسية محددة يمكن المساومة عليها. لكن الوضع يختلف جوهرياً أمام "الخصم الإلغائي" الذي يُحدد عبر معيارين:

- تكامل الجريمة مع نفي الأهلية: اقتران الاستباحة الميدانية بالنفي القانوني والسياسي لحقوق الضحية.

- تفريغ العهود من السيادة: تحويل الاتفاقات إلى ترتيبات أمنية وتسهيلات معيشية بديلة عن الحقوق الوطنية.

تُظهر تجارب التسوية (كنموذج أوسلو) كيف أُعيد إنتاج خلل القوة بأشكال أمنية جديدة. أمام هذا النموذج، ينكشف أن التفاوض بلا أوراق ضغط لا يوقف المعتدي، بل يصبح إعادة بناء القوة الذاتية الخيار الوحيد لتفعيل المفهوم القرآني.

6. قواعد خماسية لضبط القرار السياسي

لكيلا تُتخذ "التهدئة" ستاراً للفرار، أو تُتخذ "المواجهة" مطية للتهور، يخضع القرار السياسي لخماسية معيارية تتجلى في السيرة والتاريخ:

- الشرعية الشفافة: مخاطبة المجتمع بصراحة بكلفة القرار ومقاصده، اقتداءً بالصراحة النبوية مع الصحابة حول العهود ومآلاتها.

- صيانة أصل الحق: ألا يؤدي التراجع التكتيكي إلى إلغاء السيادة؛ كقبول النبي ﷺ بصلح الحديبية لفتح الفضاء الدعوي والسياسي دون مساس بأصل الرسالة.

استعادة الفاعلية تبدأ بالتحرر من المصطلحات المضللة، وبناء وعي سياسي يتسم بالحرية، والموازنة الرشيدة، وشفافية الشراكة مع الأمة
- ميزان التناسب: الحساب الدقيق بين الكلفة الميدانية والعائد في حماية الأرواح؛ كما في خروج موسى عليه السلام إلى مدين لحفظ النواة الصلبة وتجنب صدام غير منتج.

- تنمية القدرة: أن يفتح القرار أفقاً لإعادة بناء القوة؛ فقد بنى موسى كفاءته في مدين قبل العودة، ووسّع صلح الحديبية حلفاء الرسالة.

- مرونة المراجعة: امتلاك الشجاعة لتعديل الاتجاه إذا تغيرت المعطيات، واعتبار الهدن ترتيبات مرحلية خاضعة للتعديل وفق الميدان والمآلات.

7. خاتمة: اقتدار الوعي

إن "الدفع بالتي هي أحسن" منهجية اقتدار تجمع بين المبدأ الأخلاقي ورصانة الحسابات. الفارق قاطع بين قيادة حية تُمارس التهدئة كمناورة محسوبة تحمي المجتمع بالتلاحم معه، وبين سلطة تركن إلى الاستكانة فتضيّع الأرض والإنسان.

إن استعادة الفاعلية تبدأ بالتحرر من المصطلحات المضللة، وبناء وعي سياسي يتسم بالحرية، والموازنة الرشيدة، وشفافية الشراكة مع الأمة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)