أكدت المديرة التنفيذية لمنظمة "بتسيلم" يولي نوفاك، أن المشروع
الإسرائيلي متواصل لمحو الوجود
الفلسطيني، قائلة أن تصاعد العنف والتهجير وترسيخ السيطرة الإسرائيلية يقابله خطاب دولي قديم يختزل الواقع في "صراع" قابل للإدارة.
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا لنوفاك، تناولت فيه الصعوبات التي تواجهها منظمات حقوق الإنسان في اختيار اللغة المناسبة لوصف العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، معتبرة أن وضوح الخطاب الإسرائيلي المتطرف تجاه الفلسطينيين لم يقابله تغيير مماثل في المواقف الدولية، التي ما زالت تكتفي إلى حد كبير بإدانة العنف والحديث عن إدارة الصراع وإنهاء
الاحتلال، من دون ممارسة ضغط حقيقي على دولة الاحتلال.
وقالت نوفاك إن منظمة "بتسيلم" أدركت قبل نحو عام أنها تواجه صعوبة في شرح ما يجري في الضفة الغربية، موضحة أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل على العكس، إذ وثقت المنظمة على مدى نحو ثلاث سنوات وبشكل يومي عمليات حرق وهدم للمنازل، وتهجيرا للمجتمعات، وإطلاق نار وقتلا للأطفال، وإغلاقا للطرق، ومظاهر مهينة لفرض "التفوق اليهودي" من جانب المستوطنين والحكومة الإسرائيلية على حد سواء.
وأضافت أن أشكالا من العنف كانت نادرة نسبيا في الضفة الغربية أصبحت ممارسات روتينية، بما في ذلك القصف الجوي، والتدمير واسع النطاق للمناطق السكنية، والتهجير الجماعي، مشيرة إلى أن ذلك أثار لدى المنظمة سؤالا حول كيفية إيجاد كلمات تعبّر عن واقع لا يمكن لحدث منفرد أن يحيط به.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضحت نوفاك أن وصف هذا النظام الشامل يتطلب الإنصات إلى لغتين سياسيتين في آن واحد، مشيرة إلى أن الأولى هي اللغة التي يستخدمها النظام الإسرائيلي لتبرير أفعاله وإضفاء الشرعية عليها، فيما تتمثل الثانية في لغة الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الحكم الإسرائيلي، والتي تصف تأثير هذا الحكم على حياته.
ورأت أن اللغة السياسية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تشكل أيضا ما يمكن للناس تبريره وما يمكنهم تجاهله، موضحة أنه بالنسبة للفلسطينيين الخاضعين للحكم الإسرائيلي ولعدد كبير من المراقبين حول العالم، تبدو الطرق المغلقة والمنازل المهدمة وعمليات التهجير والعنف عناصر لهيمنة ظالمة بشكل صارخ، بينما تستطيع اللغة السياسية الإسرائيلية تصوير الواقع ذاته باعتباره أمرا ضروريا، بل وطبيعيا.
وفي وصفها لتجربتها الشخصية، قالت نوفاك، وهي يهودية إسرائيلية، إنها نشأت في كنف تلك اللغة، التي وصفت الهيمنة العنيفة بأنها "أمن"، وسلب الممتلكات والأراضي بأنه "استيطان"، والعنف واسع النطاق بأنه "دفاع عن النفس".
وأشارت إلى أن هذه اللغة تستمد جانبا كبيرا من قوتها من مخاوف حقيقية، موضحة أنها نشأت وهي تعي هذا الخوف، الذي قالت إن له مصادر عديدة، من بينها عقود من الهجمات المسلحة التي استهدفت الإسرائيليين، قبل أن يتفاقم بشكل أكبر عقب الهجوم الذي قادته حركة حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وبحسب نوفاك، تستغل اللغة السياسية الإسرائيلية هذا الخوف من خلال تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم واختزالهم في فئة واحدة هي "التهديد"، كما تستخدم العنف الذي يمارسه البعض لتبرير السيطرة على شعب بأكمله وقمعه، معتبرة أن ذلك يمثل إحدى الوسائل التي يضمن بها نظام الفصل العنصري "الأبارتهايد" استمراريته.
وأوضحت أن اللغة التي نشأت عليها لم تكن تقتضي منها إنكار المعاناة الفلسطينية، إذ كان بإمكانها الاعتراف بها والشعور بالرعب إزاءها، مع الاستمرار في اعتبار النظام الذي أنتجها نظاما شرعيا في جوهره.
وقالت نوفاك إن هذا الأمر تغير في ظل سنوات من تزايد تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، إذ باتت معاناتهم تقابل بالتجاهل التام في جزء كبير من الخطاب العام الإسرائيلي. وأضافت أن لغة أولئك الذين يعيشون في ظل هذا النظام تكتسب أهمية بالغة، لأن الأشخاص الذين يشهدون هذه السلطة ويكابدون ويلاتها وينجون منها قادرون على وصف واقع حياتهم، التي تفتقر إلى الحماية وتتشكل ملامحها بفعل الخوف والضعف وانعدام اليقين.
وأشارت إلى أن منظمة "بتسيلم" نشرت يوم الاثنين تقريرا حول العمليات الجارية في الضفة الغربية، معتبرة أن التقرير يروي قصة ذات جذور عميقة تبدأ بعمليات الطرد والتهجير الجماعي للفلسطينيين إبان النكبة عام 1948، حين هُجّر أو طُرد مئات الآلاف منهم، وما تلا ذلك من حرمان اللاجئين من حق العودة، مرورا بممارسات الاحتلال والاستيطان ونظام الفصل العنصري "الأبارتهايد".
ورأت نوفاك أن السياسة الإسرائيلية دأبت، على مدى هذه المراحل، على ترسيخ السيادة اليهودية، وفي الوقت نفسه جعل الوجود الفلسطيني والحياة السياسية للفلسطينيين أكثر هشاشة وعدم استقرار.
وتناولت نوفاك ما وصفته بنفور كثير من الإسرائيليين من مصطلح "الاستعمار الاستيطاني"، معتبرة أن هذا الموقف ليس وليد الصدفة، لأن الخطاب السياسي الإسرائيلي عوّدهم على تلقي المصطلح باعتباره إنكارا للتاريخ اليهودي وللانتماء اليهودي.
وأقرت بأن الروابط التاريخية والدينية والثقافية اليهودية بهذه الأرض حقيقية، وكذلك التاريخ الطويل من الاضطهاد والعنف الذي تعرض له اليهود في أنحاء مختلفة من العالم، لكنها اعتبرت أن ذلك لا يغير، من وجهة نظرها، حقيقة أن السيادة اليهودية الحصرية أقيمت على أنقاض حقوق الفلسطينيين وعبر تجريدهم من ممتلكاتهم وأراضيهم.
وأضافت أن السياسات الإسرائيلية تغيرت بمرور الوقت، لكن المنطق الكامن وراءها ظل ثابتا، معتبرة أن إسرائيل حافظت على نظام سياسي يضع اليهود في مرتبة تعلو على الفلسطينيين من حيث الحقوق والسلطة والسيطرة على الأرض.
وقالت نوفاك إن المشروع القائم منذ فترة طويلة في الضفة الغربية تسارع خلال السنوات الثلاث الماضية، بالتزامن مع ازدياد حدة العنف وممارسته بصورة أكثر علانية، مشيرة إلى أن القادة الإسرائيليين باتوا يعلنون بشكل متزايد أهدافا تشمل تكريس السيادة اليهودية الدائمة، وإنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير، والدفع باتجاه رحيلهم.
وفي هذا السياق، أشارت إلى خطة طرحها وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الحرب، بتسلئيل سموتريتش، عام 2017، والتي تضع الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات، هي التخلي عن مطالبهم الوطنية وقبول العيش في ظل الهيمنة اليهودية، أو الرحيل، أو مواجهة القوة العسكرية في حال اختيارهم المقاومة.
وأكدت نوفاك أن سموتريتش لم يبتكر هذا المشروع، لكنها رأت أن خطته تجعل منطقه صريحا بشكل غير معتاد، مشيرة إلى أنه يعلن حاليا استخدام الصلاحيات الممنوحة له للدفع به قدما.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضحت أن المشروع يُعرف باللغة الإنجليزية باسم "الخطة الحاسمة" (Decisive Plan)، بينما تحمل الكلمة العبرية المستخدمة فيه، "هخراعاه" (hachra’ah)، دلالة سياسية أقوى من مجرد "الحسم"، إذ تشير إلى إنهاء الصراع بصورة لا رجعة فيها من خلال إلحاق هزيمة نهائية بالطرف الآخر.
ورأت أن "هخراعاه" ليست مثالا معزولا، بل جزء من منظومة كاملة من المصطلحات السياسية والعسكرية التي تحول الإكراه إلى أمر يبدو تقنيا وروتينيا. وأوضحت أن عبارة "افتعال الاحتكاك" تعني خلق مواجهات متعمدة مع السكان الفلسطينيين حول أراضيهم، غالبا عبر العنف والترهيب، إلى أن تُستنزف المجتمعات ويضطر السكان إلى المغادرة.
وأضافت أن الاستخدام العسكري الإسرائيلي الراهن لعبارة "عمليات التشكيل" (shaping operations) يشير إلى إعادة تشكيل المشهد الطبيعي فعليا، بما في ذلك اقتلاع آلاف أشجار الزيتون التي تشكل مصدر رزق للفلسطينيين، فيما يصور مصطلح "تشجيع الهجرة" الهروب من الترهيب والعنف باعتباره خيارا طوعيا.
كما أشارت إلى أن عبارة "النصر المطلق" أصبحت ركيزة أساسية في الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال الهجوم على غزة، ولاقت تبنيا واسعا بوصفها هدفا وطنيا.
وقالت نوفاك إن الواقع الكامن وراء هذه العبارات ملموس للغاية بالنسبة للفلسطينيين، الذين تحاصرهم القيود والهجمات من كل جانب، موضحة أن الطريق إلى العمل قد يُقطع، أو قد يقتحم مستوطن مسلح أرض أحدهم، أو قد يُعتقل أحد أفراد عائلته.
وأضافت أن اللغة السياسية لا تتألف من الكلمات فحسب، بل تُكتب أيضا على أرض الواقع، مشيرة إلى أن حملات منظمة للمستوطنين نصبت خلال العامين الماضيين آلاف الأعلام الإسرائيلية على طول الطرق، وفوق قمم التلال، وعند مداخل القرى الفلسطينية.
وأوضحت أن هذه الأعلام تمثل بالنسبة إلى العديد من الإسرائيليين اليهود مصدر فخر، إذ تُظهر السيادة الإسرائيلية على الأرض وكأنها أمرا واقعا وراسخا بالفعل، بينما تؤكد للفلسطينيين، في المقابل، سيادة مفروضة عليهم ومدعومة بقوة لا يملكون القدرة الفعلية على مواجهتها، مشيرة إلى أن إزالة علم قد تجلب مستوطنين مسلحين أو جنودا، وقد تنتهي بالاعتقال أو الاعتداء أو ما هو أسوأ.
وقالت نوفاك إن منظمة "بتسيلم" حاولت، في تقريرها، قراءة هذه المصطلحات السياسية مجتمعة، مشيرة إلى أن الكلمة التي استقرت عليها لوصف المحصلة النهائية لهذه الأفعال التي تبدو منفصلة عن بعضها هي "المحو".
وشرحت أن منطق "المحو" لا يتطلب اختفاء كل فلسطيني، بل يسعى إلى جعل الحياة الجماعية الفلسطينية مستحيلة بصورة متزايدة، مع ضمان سيطرة إسرائيلية يهودية دائمة. واعتبرت أن هذا المنطق اتخذ في غزة أقصى صوره تطرفا، عبر ما وصفته بـ"الإبادة الجماعية"، فيما يجري في الضفة الغربية تفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين البقاء على أرضهم والعيش كمجتمع وكشعب.
وانتقدت نوفاك استمرار الحكومات والمؤسسات الدولية، رغم إعلان إسرائيل عن أهدافها بوضوح، في إعادة صياغة تلك الأهداف بلغة سياسية تقليدية، من قبيل صراع ينبغي إدارته، واحتلال يُتوقع أن ينتهي، وحكومة متطرفة تحتاج إلى كبح جماحها.
ورأت أن هذه الصياغة تتيح للحكومات إدانة العنف من دون مواجهة النظام الكامن وراءه، وتمكّنها من البقاء في إطار سردية سياسية مريحة بدلا من مواجهة التزاماتها بموجب القانون الدولي وممارسة الضغط المستمر اللازم لتغيير الواقع.
اظهار أخبار متعلقة
وخلصت إلى أن هذا النهج يحجب حقيقة أكبر تتمثل، بحسب رأيها، في دخول المشروع السياسي مرحلة جديدة تهدف إلى ترسيخ السيطرة اليهودية الإسرائيلية بشكل دائم، بالتزامن مع تقويض مقومات الحياة الجماعية الفلسطينية.
وفي ختام مقالها، قالت نوفاك إن منظمة "بتسيلم" بدأت هذا العمل لأنها لم تجد كلمات تفي بوصف الواقع الذي يتكشف أمامها، معتبرة أن هذه الصعوبة قد تكون جزءا من آلية عمل النظام الاستعماري، إذ قد يبدو، مع مرور الوقت، حتى الواقع المشحون بالعنف والخوف والدمار وكأنه أمر حتمي لا سبيل إلى تغييره.
وأكدت أن مهمة المنظمة تتمثل في إظهار هذا الواقع مجددا بوصفه نتاجا لخيارات بشرية وليس قدرا مفروضا، داعية إلى النظر إلى ما يبدو أحداثا منفصلة باعتبارها خيارات سياسية ضمن مشروع قائم على الهيمنة وسلب الحقوق والمحو.
وشددت نوفاك على أن رفض اللغة التي تبرر العنف الممارس ضد الفلسطينيين يجب أن يقترن أيضا برفض النظام الذي يولد هذا العنف، والإصرار على وضع حد له.