ليس من السهل أن يقرأ المرء كتابًا بعنوان "المشروع
الإسلامي" قراءة عابرة؛ فالعنوان نفسه يضع القارئ أمام سؤال يتجاوز
الكتاب
إلى واحد من أكثر الأسئلة إشكالًا في الفكر العربي والإسلامي الحديث: هل يوجد
بالفعل "مشروع إسلامي" واحد يمكن تحديد مكوناته وهويته ورسالته وأدواته،
أم أن ما نسميه بهذا الاسم ليس سوى مجموع اجتهادات وتجارب وحركات وتصورات سياسية
متباينة، يجمعها الانتماء إلى مرجعية إسلامية، لكنها تختلف اختلافًا عميقًا في فهم
الدولة والمجتمع والسلطة والاقتصاد والإنسان؟
هذه المسافة بين "الإسلام"
باعتباره دينًا ومرجعية قيمية وحضارية، وبين "المشروع الإسلامي"
باعتباره تصورًا بشريًا للتغيير والتنظيم والسياسة، هي المدخل الأهم لقراءة كتاب
عبد الرزاق مقري. فالكتاب، كما يقدمه مؤلفه، مذكرة فكرية مكثفة تستهدف شرح جوهر
المشروع الإسلامي ورسالته وأهدافه السياسية والاقتصادية وأدواته، وقد استخلص مادته
من ورقة بحثية قدمها في مؤتمر دولي بالأردن سنة 2009 حول مشاريع التغيير في
المنطقة العربية.
ومن هنا فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في
الأجوبة التي يقدمها، وإنما ربما تكمن أكثر في الأسئلة التي يفتحها، وفي التوترات
التي تظهر بين خطاب الصحوة ومنطق الدولة، وبين المرجعية الدينية ومتطلبات السياسة
الحديثة، وبين الحركية التنظيمية ومقتضيات المؤسسات، وبين ادعاء الشمول الإسلامي
وواقع التعدد الاجتماعي والسياسي.
والكتاب، بهذا المعنى، ليس مجرد
عرض لمشروع
سياسي؛ إنه محاولة لتأسيس شرعية فكرية لانتقال الحركة الإسلامية من المجال الدعوي
والاجتماعي إلى المجال السياسي والحضاري.
من "الإسلام" إلى "المشروع
الإسلامي"
أول ما يستوقف القارئ هو استخدام عبارة "المشروع
الإسلامي" بصيغة المفرد. فالكتاب يفترض، بدرجة كبيرة، وجود بنية مشتركة يمكن
أن تسمى «المشروع الإسلامي»، وأن هذه البنية يمكن تحليلها إلى مكونات وهوية ورسالة
وأهداف وأدوات.
وهذا الافتراض مفهوم من داخل التجربة
الحركية التي ينتمي إليها المؤلف، لكنه يحتاج إلى قدر أكبر من التفكيك إذا أردنا
الانتقال من الكتاب الحركي إلى الكتاب الفكري.
الإسلام ليس حزبًا سياسيًا، وليس تنظيمًا، وليس نظرية واحدة في الدولة. وما يسمى في الأدبيات المعاصرة "الإسلام السياسي" يضم اتجاهات شديدة التنوع، بل متعارضة أحيانًا، في مسائل السلطة والديمقراطية والدولة الوطنية والعنف والمواطنة والشريعة والعلاقات الدولية.
فالإسلام ليس حزبًا سياسيًا، وليس تنظيمًا،
وليس نظرية واحدة في الدولة. وما يسمى في الأدبيات المعاصرة "الإسلام السياسي"
يضم اتجاهات شديدة التنوع، بل متعارضة أحيانًا، في مسائل السلطة والديمقراطية
والدولة الوطنية والعنف والمواطنة والشريعة والعلاقات الدولية.
ولهذا فإن الانتقال من القول إن الإسلام
يقدم منظومة من القيم والمقاصد، إلى القول بوجود "مشروع إسلامي" محدد،
ليس انتقالًا تلقائيًا، وإنما هو فعل اجتهادي بشري.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين: الأول هو الإسلام باعتباره
مرجعية دينية وأخلاقية وحضارية. والثاني هو المشروع السياسي الذي يقدمه بشر مسلمون لتجسيد هذه المرجعية
في التاريخ.
هذا التمييز ليس شكليًا. إنه ضروري حتى لا
تكتسب الاختيارات السياسية للحركة حصانة دينية لمجرد أنها وُضعت تحت عنوان «إسلامي».
فحين نقول إن العدل مقصد إسلامي، فإننا نقرر
قيمة دينية عامة. لكن حين ننتقل من ذلك إلى نظام انتخابي معين، أو نموذج اقتصادي
معين، أو تصور محدد للعلاقة بين السلطات، فنحن دخلنا مجال الاجتهاد السياسي
والتجربة البشرية.
والكتاب كان سيزداد قوة لو أنه جعل هذه
المسافة بين «الإسلام» و«المشروع الإسلامي» واضحة منذ البداية، بدل أن يسمح
أحيانًا بتداخلهما.
قوة الكتاب.. تحويل الحركة من حالة دعوية
إلى رؤية شاملة
مع ذلك، لا يمكن إنكار أهمية المحاولة التي
يقوم بها مقري. فالكتاب يريد أن يقول
للحركة الإسلامية إن زمن اختزال العمل الإسلامي في الوعظ والتربية والدعوة قد
انتهى، وإن الفكرة التي تريد التأثير في المجتمع والدولة لا بد أن تتحول إلى مشروع
متعدد الأبعاد. وهذه إحدى نقاط القوة الأساسية في الكتاب.
فالمشروع، كما يظهر في تصور مقري، لا يقتصر
على الحزب والانتخابات، وإنما يمتد إلى الدعوة والتربية والعمل الاجتماعي
والمؤسسات والإعلام والاقتصاد والسياسة وسائر أدوات التأثير في المجتمع. وهذه النظرة المركبة أكثر
نضجًا من التصور الذي يختزل الإسلام السياسي في المنافسة الانتخابية.
إن المجتمع لا يتغير بالقانون وحده، كما أن
الدولة لا تتغير بالدعوة وحدها. وبين الاثنين توجد شبكة هائلة من المؤسسات والقيم
والعادات والثقافة والتعليم والاقتصاد والإعلام والمجتمع المدني. ومن هذه الزاوية، فإن
الكتاب يقدم تصورًا متقدمًا نسبيًا عن معنى العمل الإسلامي بوصفه مشروعًا طويل
المدى، لا مجرد حملة انتخابية أو تنظيم سياسي.
لكن هذا الاتساع نفسه ينتج مشكلة أخرى. فحين يصبح كل شيء جزءًا من
"المشروع"، يصبح من الصعب معرفة أين يبدأ المشروع وأين ينتهي، وما الذي
يمكن إخضاعه للقياس والتقييم.
من شمولية الإسلام إلى شمولية المشروع
تقوم الفكرة الإسلامية الحديثة، في أحد
تجلياتها الحركية، على التأكيد على شمول الإسلام: عقيدة وعبادة وأخلاقًا واجتماعًا
واقتصادًا وسياسة. غير أن شمول الدين لا يعني
بالضرورة وجود برنامج سياسي تفصيلي جاهز. وهنا تقع واحدة من أهم
القفزات المنهجية التي ينبغي الانتباه إليها.
فإذا كان الإسلام يدعو إلى العدل، فهذا لا
يعني أن النصوص تحدد وحدها أفضل نموذج للضرائب أو التعليم أو الإدارة أو السياسة
النقدية أو شكل المحكمة الدستورية أو العلاقة بين الحكومة والبرلمان.
وإذا كانت الشورى قيمة إسلامية، فهذا لا
يحسم وحده السؤال المتعلق بشكل النظام الانتخابي أو حدود صلاحيات الرئيس أو طبيعة
النظام القضائي. وإذا كان التكافل
الاجتماعي مقصدًا، فهذا لا يحدد تلقائيًا حجم الدولة أو نوع النظام الضريبي أو
درجة تدخلها في السوق.
إن المجتمع لا يتغير بالقانون وحده، كما أن الدولة لا تتغير بالدعوة وحدها. وبين الاثنين توجد شبكة هائلة من المؤسسات والقيم والعادات والثقافة والتعليم والاقتصاد والإعلام والمجتمع المدني. ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب يقدم تصورًا متقدمًا نسبيًا عن معنى العمل الإسلامي بوصفه مشروعًا طويل المدى، لا مجرد حملة انتخابية أو تنظيم سياسي.
إن الانتقال من "القيم" إلى "المؤسسات"
يحتاج إلى اجتهاد بشري، وإلى علوم سياسية واقتصادية واجتماعية، وإلى معرفة
بالتاريخ وبخبرات الأمم، وإلى اختبار مستمر للنتائج. وهذا تحديدًا هو المكان
الذي يحتاج فيه المشروع الإسلامي إلى مزيد من التواضع المعرفي. فالمشكلة ليست في أن يقدم
الإسلاميون اجتهادًا سياسيًا إسلاميًا؛ بل في أن تتحول اجتهاداتهم السياسية إلى
شيء يشبه الأحكام الدينية القطعية.
الحركة شيء، والدولة شيء آخر
لعل السؤال الأعمق الذي يختبئ خلف الكتاب
هو: هل تستطيع الحركة الإسلامية أن تنتقل من منطق الحركة إلى منطق الدولة دون أن
تحمل معها كل آلياتها التنظيمية؟
الحركة تحتاج إلى الولاء والانضباط والتعبئة
والهوية المشتركة. أما الدولة فتحتاج إلى
الحياد المؤسسي، وتعدد المصالح، واستقلال السلطات، وتداول السلطة، وقبول المعارضة،
وحماية الأقلية، واستقلال القضاء، وقواعد لا تتغير بتغير الأشخاص. وهذا اختلاف جوهري.
الحركة يمكن أن تقول لأعضائها: نحن أصحاب
مشروع واحد. لكن الدولة لا تستطيع أن
تقول لمواطنيها جميعًا: أنتم أعضاء في مشروع واحد. الدولة الحديثة تقوم، في
جزء أساسي من شرعيتها، على أنها ملك لجميع المواطنين، لا ملك للحزب الفائز ولا
للجماعة صاحبة المرجعية.
وهنا يصبح السؤال شديد الحساسية: إذا وصل حزب إسلامي إلى
السلطة عبر الانتخابات، فهل تصبح الدولة أداة لتنفيذ مشروع الحزب، أم يصبح الحزب
نفسه خاضعًا لقواعد الدولة ومؤسساتها وحدود الدستور؟ الجواب الذي ينبغي أن يكون
حاسمًا هو الثاني.
واللافت أن هذا الإشكال ظل حاضرًا في تطور
فكر مقري اللاحق. ففي كتاباته اللاحقة حول "الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور"،
يقر بأن الحركات الإسلامية حين انتقلت إلى السياسة وجدت نفسها أمام فقه ومعارف
وأدوات مختلفة عن تلك التي نجحت بها في مجال الدعوة، وأنها وقعت بسبب ذلك في "إرباك
واضطراب الرؤية".
وهذا الاعتراف المتأخر مهم جدًا في قراءة
الكتاب موضوع النقد؛ لأنه يكشف أن المؤلف نفسه اكتشف لاحقًا أن الانتقال من الصحوة
إلى الدولة ليس مجرد إضافة السياسة إلى الدعوة، وإنما هو تحول في طبيعة المهمة
نفسها.
المشكلة ليست الوصول إلى السلطة بل القدرة
على مغادرتها
وهنا نصل إلى معيار أكثر صرامة لقياس أي
مشروع سياسي. ليس السؤال فقط: كيف يصل المشروع إلى
السلطة؟ بل: كيف يمارس السلطة؟ والأهم: كيف يغادر السلطة؟
الديمقراطية لا تختبر أساسًا عندما يفوز حزب
نؤيده، وإنما عندما يخسر. فإذا كان الحزب الإسلامي يقبل أن يخسر الانتخابات، ويسلم السلطة لخصمه،
ويقبل بحق المعارضة في العودة إلى الحكم، ويحمي خصمه السياسي عندما يصبح هو
الحاكم، فقد بدأ بالفعل في بناء تصور ديمقراطي ناضج.
أما إذا أصبحت الديمقراطية مجرد آلية للوصول
إلى السلطة ثم جرى اعتبار المشروع فوق التداول، فنحن أمام استخدام إجرائي
للديمقراطية لا أمام إيمان كامل بمنطقها. وهذا السؤال ينبغي أن يكون
مركزيًا في أي قراءة للمشروع الإسلامي.
"الشريعة" ليست جوابًا مؤسسيًا
مكتملًا
هناك قضية أخرى تتطلب قدرًا كبيرًا من
الدقة، وهي علاقة المشروع بالشريعة. فالقول إن الشريعة مرجعية للمشروع الإسلامي مفهوم من داخله. لكن السؤال
السياسي الحقيقي ليس: هل نريد الشريعة؟ بل: كيف نفهم الشريعة؟ ومن
يفسرها؟ وما الفرق بين القطعي والظني؟ وما مجال الاجتهاد؟ وكيف تتحول المقاصد إلى
تشريعات؟ ومن يملك حق الاعتراض على تفسير الأغلبية؟ وكيف نتعامل مع التعدد الفقهي؟
وما الذي يحدث عندما يتعارض اجتهاد فقهي معتبر مع قرار ديمقراطي صادر عن مؤسسات
منتخبة؟
هذه الأسئلة ليست هوامش. إنها قلب المسألة. لأن الدولة الحديثة لا
تعمل على مستوى المبادئ العامة فقط؛ بل تعمل عبر نصوص قانونية وإجراءات ومؤسسات
وصلاحيات محددة.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام الفكر
الإسلامي المعاصر ليس إثبات أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وإنما إثبات **كيف**
يمكن ترجمة هذه الصلاحية إلى مؤسسات عادلة قابلة للعمل في زمان ومكان محددين.
المجتمع قبل الدولة، أم الدولة قبل المجتمع؟
يقدم الكتاب تصورًا واسعًا عن المجتمع
ومؤسساته باعتبارها جزءًا من المشروع. وهذه نقطة إيجابية، لأنها تمنع اختزال
التغيير في الدولة. لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالًا بالغ الأهمية: هل المجتمع المدني مستقل
فعلًا عن التنظيم السياسي؟
إذا كانت الجمعيات والنقابات والمؤسسات
الاجتماعية والثقافية كلها تتحرك ضمن رؤية سياسية واحدة، فقد نكون أمام مجتمع مدني
واسع من حيث العدد، لكنه محدود من حيث الاستقلال.
المجتمع المدني لا يصبح قويًا لمجرد كثرة
مؤسساته، بل يصبح قويًا عندما يستطيع أن يعارض الحزب الذي يشاركه المرجعية نفسها. وهذه نقطة ينبغي أن ينتبه
إليها أي مشروع يسعى إلى بناء مجتمع حي. فالتعددية الحقيقية ليست
أن توجد عشر مؤسسات تتفق جميعًا مع الحزب، وإنما أن توجد مؤسسات مستقلة يمكنها أن
تختلف معه، بل وأن تعارضه، دون أن تفقد انتماءها إلى المجتمع.
مشكلة "الآخر"
من الملاحظ في المشاريع الحركية الإسلامية
أن الهوية كثيرًا ما تتشكل من خلال العلاقة بالآخر: الاستعمار، الغرب، الصهيونية،
الأنظمة المستبدة، العلمانية، القومية، وغيرها.
ولا شك أن لهذه العناصر حضورًا حقيقيًا في
التاريخ العربي والإسلامي. لكن المشروع الحضاري لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد في حالة مواجهة. فالمشروع لا يختبر نفسه
فقط عندما يكون هناك عدو خارجي. بل يختبر نفسه في الحياة اليومية العادية: كيف يدير مدينة؟ كيف يدير
جامعة؟ كيف يضع ميزانية؟ كيف يعالج الفقر؟ كيف يتعامل مع اختلاف الناس؟ كيف يحمي
الحريات؟ كيف يضمن استقلال القضاء؟ كيف يمنع الفساد داخل مؤسساته؟ كيف يراقب
حاكمه؟ كيف يضمن ألا تتحول المرجعية الأخلاقية إلى سلطة سياسية مطلقة؟
هذه الأسئلة هي التي تنقل المشروع من خطاب
المقاومة إلى فلسفة الحكم.
من المقاومة إلى الحكم
وهنا يمكن فهم جانب من تطور فكر مقري نفسه. ففي كتاباته اللاحقة يعترف
بأن الحركات الإسلامية نجحت بدرجة كبيرة في «الصحوة»، لكنها واجهت صعوبات حين
انتقلت إلى السياسة والحكم، ويربط ذلك بالحاجة إلى تجديد الفكر والأدوات والمؤسسات
والقيادة والخطاب وإدارة الصراع.
وهذا التطور الفكري مهم؛ لأنه يعني أن "المشروع
الإسلامي" في صورته الأولى لم يكن نهاية الطريق، بل كان مرحلة من مراحل البحث
عن نظرية أكثر اكتمالًا.
يقدم الكتاب تصورًا واسعًا عن المجتمع ومؤسساته باعتبارها جزءًا من المشروع. وهذه نقطة إيجابية، لأنها تمنع اختزال التغيير في الدولة. لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالًا بالغ الأهمية: هل المجتمع المدني مستقل فعلًا عن التنظيم السياسي؟
بل يمكن القول إن كتاب "المشروع
الإسلامي" يبدو اليوم، في ضوء كتابات مقري اللاحقة، كأنه يمثل مرحلة مبكرة من
محاولة الانتقال من سؤال: "ما هو المشروع؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "كيف يعبر المشروع إلى الدولة؟ ثم إلى
السؤال الأصعب: "كيف يمارس المشروع
الدولة دون أن تبتلعه الدولة أو يبتلع الدولة؟"
المعضلة التي لم تُحل بالكامل.. من يمثل
الإسلام؟
ربما تكون هذه أعقد مشكلة تواجه أي مشروع
سياسي إسلامي. عندما يقول حزب إنه
إسلامي، فهو لا يقول فقط إنه يستلهم قيمًا إسلامية، وإنما يكتسب في الوعي العام
درجة من الشرعية الرمزية لا يملكها الحزب العادي.
لكن ماذا يحدث إذا اختلف مسلمان حول
السياسة؟ هل أحدهما أكثر إسلامًا من الآخر؟ وإذا اختلف حزبان إسلاميان، فمن يملك
تمثيل الإسلام؟ وإذا خسر الحزب الإسلامي الانتخابات، هل يكون المجتمع قد رفض
الإسلام، أم رفض برنامجًا سياسيًا معينًا؟
هذه الأسئلة تكشف خطورة دمج الدين بالحزب. فمن مصلحة الإسلام نفسه أن
تبقى هناك مسافة بين الدين وبين التنظيم السياسي. لأن الحزب يمكن أن يخطئ. ويمكن أن يفسد. ويمكن أن يفشل. ويمكن أن يهزم انتخابيًا.
ولا ينبغي أن يتحول فشل الحزب إلى فشل
للدين، كما لا ينبغي أن تتحول المعارضة للحزب إلى معارضة للإسلام. وهنا تصبح عبارة "الإسلام
مرجعية" أكثر نضجًا إذا فهمناها باعتبارها مجالًا مفتوحًا للاجتهاد السياسي،
لا باعتبارها إجابة جاهزة عن كل سؤال سياسي.
قيمة الكتاب في زمنه وحدود الكتاب في زمننا
ينبغي أيضًا أن يكون النقد عادلًا مع الكتاب
من حيث سياقه التاريخي. فالكتاب، بحسب المؤلف نفسه، خرج من ورقة بحثية قدمت سنة 2009، أي قبل
موجة التحولات الكبرى التي عصفت بالعالم العربي. ومن ثم لا يصح أن نطالبه
بأن يجيب مسبقًا عن كل ما كشفته السنوات اللاحقة من أزمات. لكن مرور الزمن يسمح لنا
بشيء آخر: اختبار الفرضيات.
لقد أظهرت تجربة السنوات التالية أن مشكلة
الإسلاميين لم تكن فقط في امتلاك «المشروع»، وإنما في إدارة التعدد، وبناء
التحالفات، والعلاقة بالمؤسسة العسكرية، وإدارة الدولة، والاقتصاد، والإعلام،
والقضاء، والمعارضة، والشارع، والفاعلين الدوليين.
وقد أصبح واضحًا أن الانتقال من المجتمع إلى
الدولة ليس انتقالًا خطيًا من الصحوة إلى النهضة. بل هو انتقال مليء
بالتناقضات والانتكاسات والمساومات، وقد يفشل المشروع فيه رغم امتلاكه قاعدة شعبية
واسعة.
هل المشروع الإسلامي مشروع حضاري أم مشروع
سياسي؟
هذا هو السؤال الذي أعتقد أن الكتاب يتركه
مفتوحًا أكثر مما يحسمه. إذا كان المشروع "حضاريًا"، فإنه ينبغي أن يكون أوسع من
الحزب، وأوسع من الدولة، وأوسع من الحركة.
وينبغي أن يستطيع المسلم أن يكون جزءًا من
الحضارة الإسلامية دون أن يكون عضوًا في حزب إسلامي. وينبغي أن يستطيع المسيحي
أو اليهودي أو العلماني أو اليساري أو الليبرالي أن يكون مواطنًا كامل الحقوق في
دولة ذات أغلبية مسلمة، دون أن يشعر أنه يعيش خارج "المشروع".
أما إذا كان المشروع هو مشروع حزب سياسي،
فينبغي أن يخضع لقواعد المنافسة السياسية الطبيعية، وألا يستمد حصانة إضافية من
مجرد وصفه بالإسلامي.
هذه الثنائية مهمة للغاية: المشروع الحضاري أوسع من
الدولة. والحزب أضيق من الدولة. والخلط
بينهما هو أحد أكبر مصادر الالتباس في الفكر الإسلامي السياسي. ما الذي يمكن إنقاذه من
المشروع؟
مع كل هذه الملاحظات، سيكون من الظلم اختزال
الكتاب في نقاط ضعفه. ففيه مجموعة أفكار تستحق الاحتفاظ بها وتطويرها. أولها أن النهضة لا يمكن
أن تكون مجرد استيراد لنموذج غربي أو تكرار لتراث الماضي. وثانيها أن الإصلاح لا
يمكن أن ينجح دون بناء الإنسان والمؤسسة معًا. وثالثها أن السياسة ليست
منفصلة عن الاقتصاد والتعليم والثقافة والمجتمع. ورابعها أن العمل الإسلامي
لا ينبغي أن يظل أسير رد الفعل التاريخي، وإنما يحتاج إلى رؤية استراتيجية طويلة
المدى. وخامسها أن الانتقال إلى
الدولة يفرض على الحركة الإسلامية تغيير أدواتها وثقافتها التنظيمية، وهي فكرة
ستصبح أكثر وضوحًا في كتابات مقري اللاحقة، خصوصًا في حديثه عن ضرورة الفصل
الوظيفي بين العمل الدعوي والسياسي والمؤسسات المدنية.
وهذه كلها أفكار ذات قيمة، حتى لمن يختلف
جذريًا مع الخلفية الأيديولوجية للكتاب.
لكن ما الذي يحتاج إلى إعادة بناء؟
يحتاج المشروع، في تقديري، إلى خمس نقلات
فكرية أساسية.
أولًا ـ الانتقال من مفهوم "المشروع
الإسلامي الواحد" إلى الاعتراف بتعدد المشاريع والاجتهادات الإسلامية.
ثانيًا ـ الانتقال من سؤال "كيف نصل
إلى الحكم؟" إلى سؤال "كيف نبني دولة عادلة حتى عندما لا نحكم؟".
ثالثًا ـ الانتقال من مفهوم الشمولية
الأيديولوجية إلى مفهوم المرجعية القيمية.
رابعًا ـ الانتقال من مركزية التنظيم إلى
مركزية المؤسسة.
خامسًا ـ الانتقال من شرعية الانتماء إلى
شرعية الإنجاز.
فالناس لا تحتاج فقط إلى أن تعرف أن الحزب
إسلامي؛ وإنما تحتاج إلى أن تعرف: هل هو عادل؟ هل هو نزيه؟ هل يستطيع إدارة
الاقتصاد؟ هل يحترم القانون؟ هل يحمي المختلف؟ هل يقبل التداول؟ هل يحاسب مسؤوليه؟
هذه الأسئلة أكثر قسوة من السؤال عن الهوية،
لكنها أكثر أهمية بالنسبة إلى الدولة.
الكتاب بين "الصحوة" و"النهضة"
يمكن القول في النهاية إن "المشروع
الإسلامي" لعبد الرزاق مقري كتاب مهم داخل مسار الفكر الحركي الإسلامي؛ لأنه
يحاول أن يمنح العمل الإسلامي بنية كلية تتجاوز الدعوة إلى السياسة والاقتصاد
والمجتمع والثقافة.وقوته الأساسية أنه لا يتعامل مع الإسلام
كخطاب وعظي منفصل عن حركة التاريخ، وإنما يراه قوة اجتماعية وحضارية تسعى إلى
التأثير في الواقع.
لكن ضعفه الأساسي ينبع من المصدر نفسه:
اتساع المشروع أكثر من اللازم، وتداخل الديني بالسياسي، وعدم الفصل الكافي بين
المرجعية الإسلامية والاجتهاد الحركي، وبين منطق التنظيم ومنطق الدولة.
إن السؤال الحقيقي الذي يتركه الكتاب وراءه
ليس: هل نحتاج إلى مشروع إسلامي؟
بل: أي مشروع إسلامي؟ ومن
يعرّفه؟ ومن يملك حق الاجتهاد فيه؟ وما حدود سلطته؟ وكيف يتعايش مع مشاريع إسلامية
أخرى ومع مواطنين لا يتبنون رؤيته؟ والأهم: كيف يضمن ألا يتحول من مشروع لتحرير
الإنسان إلى مشروع لإعادة إنتاج السلطة باسم الدين؟
وهذا هو الامتحان الذي لا تنجح فيه البيانات
الكبرى، وإنما تنجح فيه المؤسسات. ولذلك ربما يكون أكثر تعبير دقيق عن موقع الكتاب هو أنه كتاب في
الانتقال من الصحوة إلى التفكير في الدولة، لا كتاب حاسم في نظرية الدولة
الإسلامية.
وهو بهذا المعنى مهم لا لأنه قدم الإجابة
النهائية، وإنما لأنه يكشف بوضوح حجم السؤال الذي ما زال الفكر الإسلامي المعاصر
يبحث عن إجابة له: كيف تتحول القيم الإسلامية
من طاقة أخلاقية وحضارية إلى نظام سياسي عادل، دون أن تتحول السياسة إلى دين، ودون
أن يتحول الدين إلى حزب؟