في وقت تتسع فيه الحروب والأزمات الإنسانية،
وتتراجع فيه الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على تطبيق مبادئها بصورة متساوية، حاول
مؤتمر دولي عقد في لندن،أول أمس السبت، فتح نقاش مختلف حول سؤال يتجاوز الخلافات السياسية
والدينية والثقافية: هل يمكن بناء أرضية أخلاقية مشتركة بين البشر، وما الذي يمكن
أن تفعله هذه القيم إذا تحولت من مبادئ عامة إلى سياسات وممارسات ومؤسسات؟
المؤتمر، الذي نظمه "المركز الدولي
للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري ـ لندن"، حمل عنوان: "المشترك
الأخلاقي الإنساني ودوره في بناء عالم يسوده العدل والسلم والتراحم"، بمشاركة
باحثين وأكاديميين ومفكرين وشخصيات من خلفيات وبلدان مختلفة.
ولم يقتصر النقاش على تعريف
القيم المشتركة،
بل امتد إلى أسئلة العدالة الدولية والدبلوماسية والتعليم والإعلام والعلاقات
الدولية، وصولا إلى العلاقة بين الكونية والخصوصية، وإمكان تحويل مفاهيم مثل
الكرامة والتراحم والتضامن إلى أدوات عملية في عالم متعدد الأقطاب.
من القيم المجردة إلى اختبار السياسة
جاء السؤال المركزي للمؤتمر في سياق دولي
يصعب فيه الفصل بين الأخلاق والسياسة. فمبادئ مثل العدالة والسلام وحقوق الإنسان
تحظى بحضور واسع في الخطاب الدولي، لكن تطبيقها يظل موضع خلاف، خصوصا عندما تتعارض
حماية المدنيين أو احترام القانون الدولي مع حسابات الدول ومصالح القوى الكبرى.
وفي الجلسة الأولى، التي حملت عنوان "المشترك
الأخلاقي والعدالة الدولية"، تناول رئيس المركز ومدير المؤتمر محمد حمداوي
دور المشترك الإنساني في تحقيق العدل الدولي، بينما ناقش رفيق عبد السلام، وزير
الخارجية التونسي الأسبق، العلاقة بين العدالة الدولية من جهة والمبادئ الأخلاقية
والواقع السياسي من جهة أخرى.
وهنا برزت إحدى القضايا الأساسية التي رافقت
أعمال المؤتمر: المشكلة ليست دائما في غياب القواعد والمبادئ، وإنما في مدى
استعداد النظام الدولي لتطبيقها بالمعيار نفسه على مختلف الأطراف.
ومن هذه الزاوية، بدا الحديث عن "المشترك
الأخلاقي" محاولة للانتقال من مستوى الشعارات العامة إلى سؤال أكثر صعوبة:
كيف يمكن جعل القيم معيارا للحكم على السياسات، وليس مجرد لغة تستخدمها الدول
والمنظمات في المناسبات الدولية؟
الدبلوماسية.. حين تصطدم القيم بموازين
القوة
لم يكن من السهل فصل هذا السؤال عن التحولات
الجارية في النظام الدولي. فالجلسة الثانية ناقشت "المشترك الأخلاقي
والدبلوماسية في عالم متغير"، وتناولت تحولات السياسة الخارجية للاتحاد
الأوروبي وأبعادها الأخلاقية، إلى جانب مفهوم الدبلوماسية الأخلاقية في ظل
التحولات الجيوسياسية، ودور القيم المشتركة في الوقاية من النزاعات.
وتكشف هذه المحاور عن مفارقة أساسية:
فالدبلوماسية تقوم في جانب كبير منها على التفاوض والمصالح وتوازنات القوة، بينما
تفترض الأخلاق وجود معايير تتجاوز المصلحة الآنية.
ومن ثم، فإن إدخال البعد الأخلاقي في
العلاقات الدولية لا يعني، بالضرورة، إلغاء المصالح أو موازين القوة، وإنما يطرح
سؤالا حول الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها السياسة، وحول ما إذا كان يمكن وضع
حماية الإنسان وكرامته ضمن المعايير الحاكمة لصناعة القرار الدولي.
وهذا تحديدا ما يجعل "الدبلوماسية
الأخلاقية" مفهوما يحتاج إلى اختبار عملي، لا إلى الاكتفاء بتعريفه نظريا.
التعليم والإعلام.. صناعة وعي يتجاوز
الانقسام
انتقل النقاش في الجلسة الثالثة إلى مجال
أكثر ارتباطا بالحياة اليومية، تحت عنوان "المشترك الأخلاقي وبناء الوعي
العالمي".
وتناول حسن اليوسفي المغاري العلاقة بين
القيم المشتركة والمواطنة العالمية، ودور التربية والإعلام والثقافة في بناء
المشترك الأخلاقي في العصر الرقمي، بينما ناقشت حفيظة فرشاشي مفهوم الكرامة
الإنسانية والقيم العالمية من منظور إسلامي وفي حوار مع الفلسفة المعاصرة.
كما تناول الحسن العناني، في مداخلة باللغة
الإنجليزية، دور القيم المشتركة في مواجهة الكراهية والعنصرية.
وتكتسب هذه المحاور أهمية خاصة في ظل بيئة
رقمية بات فيها انتشار خطاب الكراهية والتحريض أسرع من قدرة المؤسسات التقليدية
على مواجهته. ولذلك فإن بناء "مشترك أخلاقي" لا يتعلق فقط بما تقوله
الحكومات والمؤسسات الدولية، وإنما أيضا بكيفية تشكل الوعي لدى الأجيال الجديدة،
وما تنتجه المدرسة والإعلام والمنصات الرقمية والثقافة من تصورات عن الآخر.
فإذا كان الاختلاف بين البشر أمرا لا يمكن
إلغاؤه، فإن التحدي يصبح في منع الاختلاف من التحول إلى مبرر للإقصاء أو العنصرية
أو العنف.
الكونية والخصوصية.. أين يبدأ المشترك وأين
ينتهي؟
واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش
كانت العلاقة بين القيم الكونية والخصوصيات الثقافية والدينية والحضارية.
ففي الجلسة الرابعة، التي حملت عنوان "المشترك
الأخلاقي بين الكونية والخصوصية"، ناقش المشاركون طبيعة القيم التي يمكن
اعتبارها مشتركة بين البشر، وتأثيرها المحتمل في العلاقات الدولية من منظور
إسلامي، إلى جانب أثر الشعبوية وسياسات الهوية في القيم السياسية ومستقبل التوافق
الديمقراطي.
وهنا تظهر معضلة لا يمكن تجاوزها بسهولة:
الحديث عن قيم إنسانية مشتركة قد يكون مدخلا للتقارب، لكنه قد يتحول، إذا فُرض من
طرف واحد، إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية والسياسية.
لذلك فإن البحث عن المشترك لا يعني إلغاء
الخصوصيات، بقدر ما يعني محاولة العثور على الحد الأدنى الذي يمكن أن تلتقي عنده
المجتمعات المختلفة؛ وفي مقدمة ذلك الكرامة الإنسانية، ورفض التمييز، وحماية
المدنيين، ورفض التعذيب والقتل خارج القانون، والحق في العيش بأمان وحرية.
غزة.. الاختبار الأكثر مباشرة
في الجلسة الخامسة، ناقش المشاركون "المشترك
الأخلاقي والتراحم الإنساني في عالم متعدد الأقطاب"، مع مقاربات تناولت
أخلاقيات التحرر في عالم متعدد الأقطاب، والأزمات باعتبارها اختبارا للقيم
المشتركة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالسلوك الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية
العالمية.
لكن الاختبار العملي الأوضح للمبادئ التي
ناقشها المؤتمر ظهر في "إعلان لندن"، الصادر في ختام أعماله، والذي خصص
مساحة واضحة للحرب على غزة.
ودعا الإعلان إلى وقف قتل المدنيين وتدمير
البنية التحتية في غزة، وتسريع وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن
الانتهاكات، إلى جانب الدعوة إلى الحد من الإفلات من العقاب.
كما شدد على ضرورة أن تستند السلامة الدولية
إلى العدالة والتنمية والكرامة والحرية والمصالحة، لا إلى مجرد غياب الحرب.
ولا يقدم المؤتمر، بطبيعة الحال، حلا سياسيا
للصراع، كما أن إصدار إعلان لا يعني بحد ذاته تغيرا في موازين القوى أو السياسات
الدولية. لكن إدراج غزة في صلب الوثيقة النهائية يمنح النقاش الأخلاقي الذي دار في
لندن اختبارا واقعيا: هل تنطبق القيم التي يجري الحديث عنها عندما يكون الضحايا في
منطقة نزاع، وعندما تكون حماية المدنيين مكلفة سياسيا؟
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط النقاش حول مفهوم
المشترك الأخلاقي؛ إذ لا تكتسب القاعدة الأخلاقية وزنها الحقيقي عندما تطبق في
الحالات السهلة، وإنما عندما تصبح حمايتها أكثر صعوبة.
من إعلان المبادئ إلى بناء شبكة مؤسساتية
لم يتوقف «إعلان لندن» عند القضايا المرتبطة
بالحروب، بل دعا أيضا إلى تطوير إطار علمي ومفاهيمي للمشترك الأخلاقي، وإنشاء شبكة
دولية تجمع الباحثين والجامعات والمؤسسات المعنية.
كما دعا إلى تعزيز دور التعليم والإعلام
والثقافة والمجتمع المدني في مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض والعنف،
وتحويل قيم التراحم والتضامن إلى سياسات وممارسات مؤسسية تجاه ضحايا الحروب
والكوارث والنزوح والفقر.
وتضمن الإعلان كذلك الدعوة إلى بناء شراكات
دولية مستدامة وتمويل أبحاث تتناول القيم المشتركة والوقاية من النزاعات والحوار
بين الحضارات، مع السعي إلى تحويل مخرجات المؤتمر إلى مسار مؤسسي مفتوح أمام
الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الدولية والثقافية والمدنية.
وهذا الجانب ربما يكون الأكثر أهمية من
الناحية العملية، لأن تحويل مفهوم واسع مثل "المشترك الأخلاقي" إلى شبكة
بحثية ومؤسساتية قد يمنحه فرصة أكبر للاستمرار، بدلا من بقائه مرتبطا بمؤتمر أو
مناسبة واحدة.
"عقد أخلاقي إنساني".. شعار أم
مسار قابل للتطبيق؟
في ختام أعماله، طرح المؤتمر فكرة "عقد
أخلاقي إنساني جديد" يجعل القيم المشتركة جسرا بين الشعوب والحضارات، وأساسا
لاستعادة الثقة في العمل الدولي وبناء عالم أكثر عدلا وسلما وتضامنا.
لكن الانتقال من الإعلان إلى الفعل يظل هو
التحدي الأكبر.
فالعالم لا يفتقر إلى المواثيق والإعلانات
التي تتحدث عن السلام وحقوق الإنسان والكرامة والعدالة. المشكلة أن هذه المبادئ
كثيرا ما تصطدم بمصالح الدول، وباختلال موازين القوة، وبازدواجية المعايير في
التعامل مع الأزمات.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لأي مشروع
يقوم على "المشترك الأخلاقي" لن تقاس بعدد المشاركين في مؤتمراته، ولا
بعدد التوصيات التي يصدرها، وإنما بقدرته على إنتاج معرفة وشبكات ومبادرات وسياسات
تضغط باتجاه تطبيق تلك المبادئ بصورة أكثر اتساقا.
فالمشترك الإنساني لا يكتسب قوته من جمال
الشعار، وإنما من قدرته على حماية الإنسان عندما يكون ضعيفا، وعندما لا تكون وراءه
قوة تحميه، وعندما تصبح العدالة مكلفة سياسيا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي خرج به مؤتمر
لندن أكبر من قاعات المؤتمر نفسه: هل يستطيع العالم أن يتفق على حد أدنى من القيم
عندما تختلف مصالحه، أم أن الحديث عن المشترك الأخلاقي سيظل محكوما بحدود موازين
القوة والسياسة؟
مركز تأسس في لندن لتعزيز القيم الإنسانية
يذكر أن "المركز الدولي للقيم
الإنسانية والتعاون الحضاري"، هو مؤسسة بحثية أكاديمية مستقلة تأسست في لندن
في 29 يونيو/حزيران 2021 على يد مجموعة من الباحثين والخبراء، ويرأسه الباحث محمد
حمداوي. ويعرّف المركز نفسه بأنه معني بالقيم والأخلاق والتعاون الحضاري، ويجعل من
الحوار والتعاون بين الحضارات وسيلة لتعزيز القيم الإنسانية المشتركة.
وتشمل أنشطة المركز تنظيم الندوات
والمؤتمرات والدورات التدريبية، وإعداد ونشر الدراسات والأبحاث في مجالات الأخلاق
والقيم، إلى جانب التعاون مع مؤسسات ومنظمات وطنية ودولية. ومن أبرز مشاريعه
السابقة برامج "سفراء المكارم"، التي تناولت قيم السلم والرحمة
والتعاون، وندوات دولية حول الأخلاق والقيم وسؤال المرجعيات.
وفي 2023، شارك المركز في إطلاق "الائتلاف
العالمي للأخلاق والقيم الإنسانية"، في إطار مسعى لتوسيع شبكة المؤسسات
والباحثين المهتمين بهذا المجال، والانتقال من النقاش النظري حول القيم إلى
التشبيك والتوعية والعمل المشترك.
ويأتي مؤتمر "المشترك الأخلاقي
الإنساني" في لندن عام 2026 امتدادا لهذا المسار، مع توسيع دائرة النقاش
لتشمل العدالة الدولية والدبلوماسية والوعي العالمي والعلاقة بين الكونية
والخصوصية، فضلا عن التراحم الإنساني في عالم متعدد الأقطاب.