عندما أقرأ
سورة يوسف، تسافر بي ملحمة مفعمة بالمشاهد الدرامية الشيقة والمؤثرة، مشاهد تتوالى
أمام عيني كأنها شريط طويل، من الحلم إلى الجُبّ، ومن الجُبّ إلى القصر، ومن القصر
إلى السجن، ومن السجن إلى المُلك والتمكين واللقاء.
ملحمة تتوالد
صورها من الكلمات، وتتجاوز في كثافتها وعمقها كثيرا مما يصنعه السينمائيون والتشكيليون
حين يحاولون نسج عوالمهم بالضوء واللون والحركة.
أرى الليل..
أرى يوسف الصبي ورؤياه.. وأرى أبا فرحا بابنه، قريبا منه، يرى فيه شيئا مميزا. ثم أرى
إخوة يراقبون ذلك الحب، فتتحرك الغيرة في صدورهم، وتكبر شيئا فشيئا، حتى تتحول إلى
مؤامرة: "اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ"..
ثم الجُبّ.. ثم قافلة تشق الصحراء.. ثم يوسف يُباع.. ثم قصر.. وأبواب تُغلّق.. ثم امرأة
تقول: "هَيْتَ لَكَ".
شاهدتُ المسلسل
الإيراني الذي تناول قصة يوسف، وبصفتي مخرجا، شعرت أن الصورة القرآنية أوسع من أن تُحبس
في صورة جاهزة.
ملحمة تتوالد صورها من الكلمات، وتتجاوز في كثافتها وعمقها كثيرا مما يصنعه السينمائيون والتشكيليون حين يحاولون نسج عوالمهم بالضوء واللون والحركة
في إحساسي،
حاول المسلسل أن يحوّل بعض الصور العظيمة إلى مشاهد مباشرة جدا: امرأة أمام رجل، قصر،
إغواء، نظرات.. بينما القرآن يفعل شيئا مختلفا حسب رأيي. يقول الكلمة.. ويسمح للصورة
أن تولد في خيالنا. يقول: "وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ"، ولا يرسم لنا الأبواب.
يقول: "هَيْتَ لَكَ"، ولا يرسم لنا وجها. ويقول: "وَاسْتَبَقَا الْبَابَ"،
فنجد أنفسنا نركض مع يوسف.
وهنا أترك
الصورة لريشة الفنان. لا أريد زليخة. لا وجها.. لا جسدا.. على مساحة بيضاء، تحيط بها
عتمة واسعة، تظهر تفاحة حمراء. جميلة.. شهية.. وحيدة. تفاحة لا تقول شيئا، لكنها تغريك
بكل شيء. فأنا لا أرى زليخة فقط. أرى
الدنيا. الدنيا حين تتزين للإنسان، حين تأتيه
بالجمال والمال والسلطة والشهرة واللذة، وتفتح له أبوابها كلها، ثم تقترب منه وتقول:
"هَيْتَ لَكَ".. خذ.. كل هذا لك.
لكن الدنيا
لا تحاول إغواء يوسف وحده. لقد أغوت إخوته أيضا. لم تقل لهم: "هَيْتَ لكم"،
لكنها زيّنت لهم الغيرة، وحب الاستئثار، ووهم أن يوسف هو الحائل بينهم وبين أبيهم.
فأخذوه إلى الجُبّ ثم عادوا بقميصه ملطخا بالدم.
وهنا أرى يعقوب.
لا النبي فقط.. بل الأب، أبا مكلوما فقد ابنه، وحمل حزنه في قلبه. "فَهُوَ كَظِيمٌ"
يحزن.. ويبكي.. حتى تبيض عيناه من الحزن. نبي.. ومع ذلك
إنسان. وكأن القرآن يذكّرنا
مرة أخرى بأن النبوة لا تلغي بشرية النبي.
ثم يعود يوسف
إلى القصر. إلى الأبواب المغلقة. إلى اللحظة التي يصبح فيها الإنسان وحيدا أمام ما
يشتهي. "هَيْتَ لَكَ" ثم: "مَعَاذَ اللَّهِ". ليست المسألة
مجرد امرأة ورجل. إنها مواجهة الإنسان مع هواه. بين الرغبة والضمير، بين اللحظة والعاقبة.
كم من إنسان أغوته الدنيا، فأكل التفاحة.. بل ربما أكل البستان كله، وبقي خارج القضبان، ظاهريا على الأقل؟ لأنه في الحقيقة سجن نفسه في هواه. أما يوسف، فقد دخل السجن.. لكنه لم يسمح للسجن أن يدخل إليه. ظل حرا، رغم القضبان
ثم تأتي الآية
التي تجعلني أتوقف طويلا: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ
بُرْهَانَ رَبِّهِ".. النبوة لا تلغي بشرية النبي. يوسف إنسان، والإنسان قد يقف
لحظة أمام الرغبة.. لكن هناك شيء ما يوقظه: "بُرْهَانَ رَبِّهِ". والقرآن
لا يخبرنا كيف بدا هذا البرهان ولا يرسمه لنا، يتركه مفتوحا في داخلنا.
ثم: "وَاسْتَبَقَا
الْبَابَ" وقميص يُقدّ من دبر. أحيانا لا تحتاج الحقيقة إلى وجه، يكفيها قميص
ممزق. ثم تأتي المفارقة القاسية: يوسف بريء.. ومع ذلك يدخل السجن.
وهناك، خلف
القضبان، يدخل معه رجلان. رجلان يحمل كل واحد منهما حلما. ويوسف، المسجون جسدا، يفسر
لهما الأحلام. كأن القضبان لم تستطع أن تسجن بصيرته.
وهنا أتساءل:
كم من إنسان أغوته الدنيا، فأكل التفاحة.. بل ربما أكل البستان كله، وبقي خارج القضبان،
ظاهريا على الأقل؟ لأنه في الحقيقة سجن نفسه في هواه. أما يوسف، فقد دخل السجن.. لكنه
لم يسمح للسجن أن يدخل إليه. ظل حرا، رغم القضبان.
ثم جاء اليوم
الذي ترك فيه القضبان وراءه، وخرج إلى الحياة من جديد. حتى زليخة نفسها تصل إلى لحظة
الاعتراف: "أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ"..
تعترف بذنبها، وتستغفر الله.
وأهله، القادمون
من البادية، كانوا في الطريق إليه. بعد الجُبّ.. والقصر.. والسجن.. يأتي اللقاء. يوسف
ينتصر، ليس على امرأة.. ولا على سجن.. بل على غواية الدنيا. انتصرت "مَعَاذَ اللَّهِ".
انتصرت التقوى، وانفتح الباب.
وربما لهذا
تبدو لي قصة يوسف أبعد من حكاية امرأة أغوت رجلا. إنها صورة لذلك الصراع الأبدي في
الإنسان. الغواية تقول: "هَيْتَ لَكَ"، والضمير يجيب: "مَعَاذَ اللَّهِ".
زليخة ويوسف..
الدنيا والإنسان.. الرغبة والضمير.. طريقان يتقاطعان في كل زمان، وفي داخل كل إنسان.
قد تتغير الوجوه.. وتتغير القصور.. وتتغير السجون.. لكن المعركة لا تتغير. ما زالت
الدنيا تقول: "هَيْتَ لَكَ"، وما زال في الإنسان صوت آخر يقول: "مَعَاذَ
اللَّهِ".
وفي قصة يوسف،
لم تكن النهاية للغواية. انتصرت "مَعَاذَ اللَّهِ". يوسف خرج من السجن..
وترك القضبان وراءه. أما من استسلم لغواية الدنيا، فقد يبقى خارج السجن.. وهو يحمل
سجنه في داخله.
ذلك هو الصراع
الذي لم ينتهِ.. ولن ينتهي. هَيْتَ لَكَ.. قالتها الدنيا. مَعَاذَ اللَّهِ.. قالها
يوسف. وبين الكلمتين.. أُوحيت القصة كلها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.