حذر باحث إسرائيلي بارز من التداعيات الخطيرة لسيطرة جماعة الحوثي على مدينة
المخا الإستراتيجية، مؤكدا أن هذا الواقع هو تهديد مباشر أمام طرق الملاحة في منطقة البحر الأحمر.
وقال البروفيسور الإسرائيلي الباحث في تاريخ الشرق الأوسط والجغرافيا السياسية للمنطقة، عوزي رابي: "لعدة سنوات، بدا أن حرب
اليمن قد تجمّدت، حيث سيطرت جماعة الحوثي على صنعاء ومعظم شمال البلاد، وكانت السعودية تبحث عن سبيل للخروج من المستنقع اليمني، ولكن خلال الأيام الأخيرة بدأت هذه الصورة تتغير؛ اليمن يعود إلى الاشتعال، والصراع يرتبط هذه المرة مباشرة على شرايين الطاقة في الشرق الأوسط".
إنجاز استراتيجي
وأعتبر الباحث المتخصص في الخليج العربي، إيران، السعودية واليمن في مقاله بموقع "
واللا" العبري، أن سيطرة جماعة الحوثي على مدينة المخا الإستراتيجية، مع تجدد القتال على عدة جبهات وعودة السعودية إلى استخدام القوة الجوية، هو "إنجاز استراتيجي مهم على الساحل الغربي".
وأضاف: "مدينة المخا ليست مجرد نقطة أخرى على خريطة الحرب الأهلية، فهي تقع على بُعد نحو 50 كيلومترا من باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وترسيخ
الحوثيين وجودهم في هذه المنطقة يقلص المسافات ويحسن قدرتهم على تهديد السفن بواسطة الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلًا عن وسائل أبسط وأقل تكلفة".
ونوه أنه "لا حاجة إلى إغلاق المضيق للتأثير في التجارة العالمية.؛ يكفي جعل العبور فيه أكثر خطورة، ورفع أقساط التأمين، ودفع بعض شركات الملاحة إلى اختيار الطريق الأطول حول إفريقيا، وهنا تكمن مفارقة؛ جماعة الحوثي تتعرض لضغوط على عدة جبهات، لكنها، تحديدًا في الجبهة ذات الأهمية الجغرافية الأكبر، أصبحت أقوى".
وأوضح رابي، أنه "لا يوجد تماسك لدى المعسكر المناهض للحوثيين، بل فسيفساء من القوى، وهذه القوى تتقاسم خصمًا مشتركا، لكنها لا تتقاسم بالضرورة جدول أعمال مشتركا، كما أن رعاتها الإقليميين لا يدفعون دائما في الاتجاه نفسه"، منوها أن "سقوط المخا يجسد ثمن هذا الانقسام".
وأشار إلى أن "رسالة الحوثي من الهجمات ضد السعودية واضحة: إذا ساعدتم في تحويل الضغط داخل اليمن إلى حملة تهدد حكمنا، فسنعيد الحرب إلى عقر داركم"، لافتا أن "المخا تضيف إلى السعوديين مشكلة أكثر خطورة، فعلى مدى سنوات، استثمرت الرياض في القدرة على تجاوز مضيق هرمز من خلال خط أنابيب شرق-غرب، ينقل النفط من الخليج إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، غير أن ناقلة تغادر ينبع متجهة إلى الأسواق الآسيوية يتعين عليها أن تتجه جنوبًا عبر باب المندب، وبالضبط عندما يصبح هرمز أكثر خطورة، تصبح أيضا البوابة البديلة للسعودية أكثر عرضة للخطر".
مصلحة مشتركة
وتابع: "هكذا يرتبط طرفا شبه الجزيرة العربية؛ إيران تمارس ضغطًا حول هرمز، والحوثيون قادرون على ممارسة ضغط في باب المندب، ولا حاجة إلى افتراض أن طهران تدير كل تحرك حوثي عن بُعد، فجماعة الحوثي اليمنية لها مصالحها الخاصة، ولكن من وجهة نظر إيران، فإن قدرة حليفتها على تهديد البوابة الغربية في الوقت الذي تكافح فيه إيران نفسها على البوابة الشرقية، تمثل أصلًا استراتيجيًا من الدرجة الأولى".
ورأى الباحث أن رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين، "يضع الرياض أمام لحظة واقعية؛ فبعد سنوات حاولت خلالها الخروج من اليمن، تكتشف أن الحرب تعود إليها في ظروف أقل ملاءمة، الحوثي أصبح أقرب إلى باب المندب، والصواريخ تعود إلى الأراضي السعودية، والأمريكيون يرسلون إشارة واضحة: سنساعد، لكننا لن نقاتل نيابة عنكم".
ومن هنا بحسب الخبير الإسرائيلي "يبدأ البحث عن مظلة أوسع؛ تعزيز القوات اليمنية، وشراكة عربية ودولية لحماية الملاحة، وربما أيضًا أشكال أخرى من التعاون، ولإسرائيل والسعودية مصلحة مشتركة واضحة في كبح الحوثيين وضمان حرية الملاحة، لكن الطريق من هنا إلى مشاركة إسرائيلية علنية في الحرب في اليمن لا يزال طويلا".
ونبه أن "جماعة الحوثي وجدت نفسها في وضع استثنائي؛ فهي تتعرض لضغوط في الداخل، لكنهم يمسكون بأيديهم ورقة جغرافية أقوى، والمخا تحول هذه المفارقة إلى تهديد إقليمي، فإذا كان هرمز هو البوابة الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وباب المندب هو البوابة الغربية، فإن السعودية تكتشف فجأة أن البوابتين قد تصبحان مهددتين في الوقت نفسه".