صعود "البديل" يهز المشهد السياسي الألماني.. وميرتس أمام اختبار صعب

تبدو المعركة المقبلة في ألمانيا مزدوجة: الحفاظ على "الجدار الناري" في مواجهة حزب يصنفه جهاز حماية الدستور بأنه متطرف، وفي الوقت نفسه معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع الناخبين إلى التصويت له.. الأناضول
تبدو المعركة المقبلة في ألمانيا مزدوجة: الحفاظ على "الجدار الناري" في مواجهة حزب يصنفه جهاز حماية الدستور بأنه متطرف، وفي الوقت نفسه معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع الناخبين إلى التصويت له.. الأناضول
شارك الخبر
حذرت مجلة "الإيكونوميست" من أن الصعود المتسارع لحزب "البديل من أجل ألمانيا" بات يشكل "إنذاراً أحمر" للديمقراطية الألمانية، بعدما حقق الحزب اليميني المتطرف نتيجة تاريخية في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، متقدماً بنحو 44% من الأصوات، في نتيجة تقرّبه للمرة الأولى من الوصول إلى السلطة على مستوى إحدى الولايات الألمانية منذ الحرب العالمية الثانية.

وترى المجلة، في افتتاحية نشرتها بعنوان "ما الذي ينبغي لألمانيا أن تفعله حيال صعود اليمين؟"، أن نتائج ساكسونيا أنهالت لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حادثة انتخابية معزولة أو ظاهرة تخص شرق ألمانيا وحده، بل باعتبارها مؤشراً على أزمة أوسع تضرب الأحزاب الوسطية، وعلى رأسها الائتلاف الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

44%.. رقم يقلب الحسابات


وجاءت نتيجة حزب "البديل" في ساكسونيا أنهالت بعد حصوله على 43.8% من الأصوات و39 مقعداً من أصل 83، أي أقل بثلاثة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة. وفي المقابل، تلقى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، الذي يتزعمه ميرتس، ضربة قاسية بعدما تراجع إلى نحو 17.2%.

وتكتسب النتيجة أهمية خاصة لأن "البديل" أصبح على مسافة قريبة من تشكيل أول حكومة ولاية يقودها حزب من اليمين المتطرف في ألمانيا ما بعد الحرب. لكن الوصول إلى السلطة لا يزال معقداً، إذ ترفض الأحزاب الرئيسية التعاون معه، ما يجعل خياراته لتشكيل حكومة محدودة وتعتمد إما على تحالفات غير مستقرة أو على انشقاقات من أحزاب منافسة.

وتقول "الإيكونوميست" إن المشكلة لا تقتصر على ساكسونيا أنهالت؛ فالحزب بات يتقدم في استطلاعات الرأي الوطنية أيضاً، بينما يتراجع موقع الاتحاد المسيحي الديمقراطي/المسيحي الاجتماعي، ما يهدد بتحويل السياسة الألمانية إلى مواجهة بين معسكر مؤيد لـ«البديل» وآخر يسعى إلى منعه من الوصول إلى الحكم.

أزمة "الجدار الناري"


من أبرز القضايا التي تطرحها المجلة ما يعرف في ألمانيا بسياسة "الجدار الناري"، أي رفض الأحزاب الرئيسية الدخول في ائتلافات أو تعاون سياسي مع "البديل".

وتشير المجلة إلى أن الاستراتيجية قامت على افتراض أن عزل الحزب سيحد من نفوذه، وأن أداء الحكومات التقليدية الجيد سيعيد الناخبين إلى الوسط. لكن ما حدث، وفق تحليلها، كان العكس: ازداد الحزب قوة وتطرفاً، فيما لم تتمكن الأحزاب التقليدية من استعادة ثقة قطاعات واسعة من الناخبين.

ويأتي ذلك في وقت يصنف فيه جهاز حماية الدستور الألماني "البديل" حزباً يمينياً متطرفاً، مستنداً إلى ما وصفه بأنماط متكررة من الخطاب العنصري والمعادي للمهاجرين والمناهض للنظام الدستوري.

ومع ذلك، تطرح "الإيكونوميست" فكرة شديدة الحساسية: هل ينبغي لحزب ميرتس أن يعيد النظر مستقبلاً في "الجدار الناري" إذا تغير "البديل" وتخلى عن أكثر عناصره تطرفاً؟

ولا تدعو المجلة إلى إدخال الحزب بصورته الحالية إلى الحكومة، بل تقول إن إشارة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى إمكانية التعاون مستقبلاً مع نسخة أكثر اعتدالاً من "البديل" قد تدفع بعض التيارات داخله إلى الابتعاد عن مواقفه الأكثر تشدداً. غير أن هذا الطرح يظل موضع جدل كبير داخل ألمانيا، خصوصاً في ظل المخاوف من أن يؤدي أي تعاون إلى تطبيع اليمين المتطرف بدلاً من احتوائه.

ميرتس تحت الضغط


ولا تفصل المجلة بين صعود "البديل" وأداء حكومة ميرتس. فالمستشار الألماني يواجه تراجعاً حاداً في شعبيته، بالتزامن مع صعوبات اقتصادية وخلافات داخل الائتلاف الحاكم الذي يضم المحافظين والحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وفي أحدث استطلاع لاتحاد مؤسسات البث العام الألمانية في سبتمبر/أيلول، ظل "البديل" القوة الأولى على المستوى الوطني عند 27% مقابل 21% للاتحاد المسيحي الديمقراطي/المسيحي الاجتماعي، فيما عبّر 84% من المستطلعين عن عدم رضاهم عن أداء الائتلاف الحاكم، ولم تتجاوز نسبة الراضين عن أداء ميرتس 13%.

وترى "الإيكونوميست" أن ميرتس ارتكب أخطاء في إدارة المعركة السياسية، رغم أن بعض خياراته، خصوصاً في الإصلاح الاقتصادي ودعم أوكرانيا وتعزيز الجيش الألماني، تحظى بتقدير من جانبها.

وتوجه المجلة انتقاداً مباشراً إلى أسلوب المستشار، معتبرة أنه يعاني من ضعف في الإدارة والتواصل السياسي، وأن استمرار تراجع شعبيته قد يجعل قيادة الحزب أمام سؤال مستقبلي حول قدرته على تمثيل تيار الوسط المحافظ بصورة مقنعة.

الاقتصاد والهجرة.. وقود الصعود


ولا يأتي صعود "البديل" من فراغ. فقد استفاد الحزب من حالة عدم الرضا عن الاقتصاد، وارتفاع تكاليف المعيشة، والهجرة، والبيروقراطية، إضافة إلى الشعور بالتهميش في أجزاء من ألمانيا الشرقية.

وتشير نتائج الانتخابات الأخيرة إلى أن الحزب لم يعد يعتمد فقط على ناخبيه التقليديين، بل نجح في استقطاب أشخاص لم يشاركوا في الانتخابات السابقة، وهو ما يزيد من خطورة الظاهرة بالنسبة إلى الأحزاب التقليدية.

كما أن الفجوة التاريخية بين شرق ألمانيا وغربها لا تزال تلعب دوراً في تشكيل المزاج السياسي؛ إذ تعاني بعض مناطق الشرق من ضعف اقتصادي وهجرة سكانية ومشاعر متراكمة بأن ثمار الوحدة الألمانية لم توزع بصورة عادلة. وقد عززت هذه العوامل قابلية قطاعات من الناخبين لتقبل خطاب «البديل» القومي والمناهض للنخب السياسية.

الانتخابات المقبلة ترفع منسوب القلق


ولا يتوقف الاختبار عند ساكسونيا أنهالت. فألمانيا مقبلة في 20 سبتمبر/أيلول على انتخابات في برلين وولاية مكلنبورغ-فوربومرن، بعد انتخابات ساكسونيا أنهالت في السادس من الشهر نفسه، ما يجعل النتائج المقبلة اختباراً جديداً لقوة «البديل» وقدرة أحزاب الوسط على وقف تمدده.

وفي حال تكررت نتائج قوية للحزب، فإن الضغط على ميرتس والاتحاد المسيحي سيزداد، ليس فقط بشأن الهجرة والسياسة الاقتصادية، وإنما حول السؤال الأكبر: كيف يمكن حماية الوسط الديمقراطي من دون أن يتحول عزل اليمين المتطرف إلى عامل إضافي في تقوية شعبيته؟

معركة تتجاوز ميرتس


وتخلص قراءة "الإيكونوميست" إلى أن ألمانيا لا تزال بعيدة عن حتمية وصول "البديل" إلى الحكم على المستوى الاتحادي، لكنها لم تعد قادرة على التعامل مع صعوده باعتباره ظاهرة هامشية.

فالنتيجة القياسية في ساكسونيا أنهالت، وتصدر الحزب بعض الاستطلاعات الوطنية، وتراجع شعبية الحكومة، كلها مؤشرات على أن المشكلة لم تعد في حزب "البديل" وحده، وإنما في قدرة الأحزاب التقليدية على تقديم مشروع سياسي مقنع للناخبين.

ومن هنا تبدو المعركة المقبلة في ألمانيا مزدوجة: الحفاظ على "الجدار الناري" في مواجهة حزب يصنفه جهاز حماية الدستور بأنه متطرف، وفي الوقت نفسه معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع الناخبين إلى التصويت له. وإذا أخفقت الأحزاب الوسطية في المهمة الثانية، فقد تجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام واقع يجعل المهمة الأولى أكثر صعوبة.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)