اليمن.. حين تعيد الجغرافيا كتابة الصراع

طلال جامل
إن ما جرى في المخا لا يمثل مجرد انتصار حوثي على قوات طارق صالح، بل مؤشراً إلى انتقال الصراع إلى مستوى جديد.. الأناضول
إن ما جرى في المخا لا يمثل مجرد انتصار حوثي على قوات طارق صالح، بل مؤشراً إلى انتقال الصراع إلى مستوى جديد.. الأناضول
شارك الخبر
ما حدث في المخا لا يمكن اختزاله في سقوط مدينة أو تراجع جبهة عسكرية. سرعة الانهيار في منطقة ظلت لسنوات من أكثر الجبهات تسليحاً وتنظيماً، وتحت إمرة قوات بُنيت أساساً لتكون حاجزاً أمام تمدد الحوثيين نحو الساحل، تكشف خللاً أعمق من ميزان القوة المباشر. فقد تراجعت قوات امتلكت السلاح والتجهيز والخبرة، وتحول الانسحاب خلال ساعات من واقعة ميدانية إلى تغير جيوسياسي يمتد أثره من غرب تعز إلى باب المندب والجزر اليمنية، ومن البحر الأحمر إلى خليج عدن والبحر العربي.

امتلاك السلاح النوعي لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الصمود. الجيوش لا تنهار فقط عندما تنفد ذخيرتها، بل عندما يختل نظام القيادة والسيطرة، أو تضطرب خطوط الإمداد، أو تتعدد مراكز القرار، أو تفقد الوحدات الغطاء السياسي والعسكري الذي تشكلت في ظله.
لم يعد سقوط المخا موضع رواية إعلامية عابرة. مصادر متعددة أكدت سيطرة الحوثيين على المدينة ثم وصولهم إلى ذو باب، فيما تحدثت تقارير عن امتداد هذا التقدم إلى جزيرة ميون ومواقع أخرى ذات أهمية استراتيجية. وفي المقابل، أعلن طارق صالح إعادة تنظيم القوات ووصف ما حدث بأنه انسحاب تكتيكي أو إعادة تموضع. غير أن الفارق يظل كبيراً بين تفسير القرار من زاويته العسكرية المباشرة وبين قياس نتائجه الاستراتيجية؛ فالانسحاب قد يكون اضطرارياً في لحظة الميدان، لكنه قد يفتح من النتائج ما يتجاوز كثيراً حسابات من اتخذه.

امتلاك السلاح النوعي لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الصمود. الجيوش لا تنهار فقط عندما تنفد ذخيرتها، بل عندما يختل نظام القيادة والسيطرة، أو تضطرب خطوط الإمداد، أو تتعدد مراكز القرار، أو تفقد الوحدات الغطاء السياسي والعسكري الذي تشكلت في ظله. وما ظهر حتى الآن يوحي بأن الهجوم الحوثي لم يكن اندفاعة محلية محدودة، بل تحركاً أوسع استفاد من الضغط المتزامن على أكثر من محور، ومن قدرات عسكرية تراكمت خلال السنوات الماضية بدعم وخبرة إيرانيين، في مقابل معسكر حكومي ظل يعاني تعدد المرجعيات وغياب القيادة العسكرية الموحدة.

ومن هنا يصبح احتمال وجود صفقة إماراتية ـ إيرانية مباشرة لتسليم الساحل أو الجزر للحوثيين أضعف من أن يُبنى عليه استنتاج سياسي جاد في غياب أدلة موثقة. كما لا تتوافر معطيات كافية للقول إن واشنطن وافقت سراً على أن تصبح الجماعة قوة حارسة للممرات البحرية. لكن استبعاد الصفقة المباشرة لا يلغي احتمالاً آخر أكثر واقعية، يتمثل في أن بعض القوى الإقليمية أعادت ترتيب أولوياتها، واختارت خفض كلفة المواجهة، حتى وإن كانت النتيجة الموضوعية لهذا الخيار تصب في مصلحة الحوثيين وإيران.

وفي هذا السياق تحديداً تبرز السياسة الإماراتية. فقد بنت أبوظبي خلال سنوات الحرب نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً في الساحل والجزر والموانئ، واعتمدت على تشكيلات محلية كان من أبرزها قوات طارق صالح. ولذلك فإن الانكفاء الإماراتي عن استثمار هذا النفوذ في منع انهيار جبهة بهذا الحجم لا يمكن المرور عليه باعتباره تفصيلاً عسكرياً محضاً.

أحد الاحتمالات التي تستحق القراءة أن أبوظبي لا تبحث عن مواجهة مباشرة مع السعودية بقدر ما تعمل على إعادة توزيع أعباء اليمن بطريقة تجعل الرياض أمام الكلفة الأكبر للحرب. فدفع السعودية إلى تحمل العبء العسكري والسياسي والمالي للمواجهة، من دون الاصطدام بها بصورة مباشرة، يمنح الإمارات مساحة أوسع للاحتفاظ بأوراقها البحرية وشبكات نفوذها، بينما تتحمل الرياض ضغط الحدود والصواريخ والطائرات المسيّرة واستحقاقات الدفاع عن الحكومة المعترف بها دولياً.

لا يعني ذلك وجود قرار إماراتي معلن بتوريط السعودية، ولا توجد حتى الآن أدلة تسمح بتحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة ثابتة، لكنه ينسجم مع اختلاف الرؤيتين السعودية والإماراتية لليمن ومع تباين القوى المحلية التي راهن عليها كل طرف. وقد يكون ترك السعودية في واجهة المواجهة، مع إبقاء أدوات النفوذ الإماراتي خارج الاستنزاف المباشر، أحد أشكال إدارة التنافس بين حليفين لا يريد أي منهما تحويل الخلاف إلى صدام مفتوح.

والأهم أن قراءة ما يجري من نافذة باب المندب وحده تضيق الصورة أكثر مما ينبغي. اليمن كله جغرافيا استراتيجية شديدة الحساسية. يمتد ساحله آلاف الكيلومترات من البحر الأحمر غرباً إلى خليج عدن والبحر العربي شرقاً، وتنتشر أمامه جزر ذات مواقع بالغة الأهمية، من ميون عند باب المندب إلى سقطرى في المحيط الهندي ومداخل البحر العربي، فضلاً عن موانئ الحديدة والمخا وعدن وبلحاف والمكلا ونشطون وغيرها. هذه ليست أطرافاً هامشية لدولة داخلية، بل شريط بحري طويل يجعل اليمن نقطة اتصال بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والمحيط الهندي والبحر الأحمر.

ولهذا فإن الصراع على اليمن ليس صراعاً على صنعاء أو مأرب أو تعز وحدها. إنه صراع على دولة تملك موقعاً بحرياً يمكن لمن يسيطر عليه أن يؤثر في خطوط التجارة والطاقة والأمن الإقليمي عبر مساحة تمتد من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي. ومن هنا يصبح سقوط المخا حلقة داخل مشهد أوسع، لا نهايته.

إن الصراع على اليمن ليس صراعاً على صنعاء أو مأرب أو تعز وحدها. إنه صراع على دولة تملك موقعاً بحرياً يمكن لمن يسيطر عليه أن يؤثر في خطوط التجارة والطاقة والأمن الإقليمي عبر مساحة تمتد من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي. ومن هنا يصبح سقوط المخا حلقة داخل مشهد أوسع، لا نهايته.
كما أن اهتمام الإمارات خلال السنوات الماضية بالمخا وميون وعدن وسقطرى والموانئ الواقعة على خطوط الملاحة لم يكن مجرد امتداد للحرب ضد الحوثيين، بل جزءاً من تصور استراتيجي أوسع يقوم على بناء النفوذ عبر الموانئ والجزر والقوى المحلية المحاذية للممرات البحرية. وفي الضفة الأخرى من باب المندب تبرز بربرة والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة وقوى أخرى. وهكذا تتحول الجغرافيا اليمنية من حدود دولة إلى قلب شبكة أمنية تمتد من الجزيرة العربية إلى القرن الأفريقي.

وفي المقابل، تنظر إيران إلى اليمن من زاوية مختلفة ولكنها لا تقل اتساعاً. فوجود قوة حليفة لها قادرة على التأثير في البحر الأحمر وخليج عدن يمنح طهران ورقة لا تقتصر قيمتها على الداخل اليمني. وإذا كان مضيق هرمز يمثل أداة ضغط شرقية على الجزيرة العربية وأسواق الطاقة، فإن امتلاك الحوثيين قدرة متزايدة على التأثير في الممرات الغربية يمنح إيران إمكانية مضاعفة الضغط من جهتين.

ولا يشترط في هذه المعادلة أن يكون الحوثيون منفذين آليين لكل قرار إيراني. يكفي أن تتقاطع المصالح وأن تصبح قدراتهم العسكرية والبحرية جزءاً من ميزان الردع والتفاوض الإقليمي. وكل تقدم يحققونه على الساحل أو بالقرب من الموانئ والجزر يرفع القيمة الاستراتيجية لهذه الورقة بالنسبة إلى طهران.

لهذا فإن ما جرى في المخا لا يمثل مجرد انتصار حوثي على قوات طارق صالح، بل مؤشراً إلى انتقال الصراع إلى مستوى جديد، تتداخل فيه الأرض اليمنية مع هندسة الممرات البحرية وشبكات النفوذ الإقليمي.

أما واشنطن فتبدو أكثر ميلاً إلى إدارة الخطر من القضاء على مصدره. استمرار تقديم المعلومات الاستخبارية والمساندة للسعودية مع تجنب الانخراط العسكري المباشر يكشف حدود الالتزام الأمريكي في هذه المرحلة. الولايات المتحدة مستعدة لحماية الملاحة ومصالحها المباشرة ومنع التحولات التي تهدد أمنها بصورة حاسمة، لكنها ليست بالضرورة مستعدة لخوض حرب مفتوحة لاستعادة كل مدينة أو جزيرة يمنية يفقدها حلفاؤها.

وهذا يعيدنا إلى البراغماتية الأمريكية بوصفها مفتاحاً مهماً لفهم المشهد. واشنطن لا تتحرك وفق تصور أخلاقي ثابت للتحالفات بقدر ما تتحرك وفق حساب الكلفة والمصلحة. وقد ترفض واقعاً معيناً سياسياً ثم تتعامل معه عملياً إذا أصبح تغييره أكثر كلفة من احتوائه. لذلك يصبح التعايش المؤقت مع خطر الحوثيين احتمالاً أكثر واقعية من افتراض وجود اتفاق أمريكي ـ إيراني يمنح الجماعة دوراً رسمياً في حماية الممرات.

الصورة الأوسع تشير إلى أن معظم الأطراف تتعامل مع اليمن باعتباره ورقة داخل ترتيبات إقليمية أكبر. إيران تريد تحويل القوة الحوثية إلى عنصر ضغط في البحر الأحمر والبحر العربي وفي معادلة الطاقة والمفاوضات الإقليمية. الولايات المتحدة تريد حماية الملاحة بأقل قدر ممكن من الانخراط العسكري المباشر. السعودية تريد منع تحول حدودها الجنوبية ومسارات تجارتها ونفطها إلى أوراق ابتزاز إيرانية. أما الإمارات فتبدو معنية بالحفاظ على نفوذها البحري والجزر والموانئ وشبكات حلفائها المحليين، مع تقليل كلفة الانخراط في حرب يمنية مفتوحة.

وفي ظل هذه الحسابات، قد يكون من مصلحة أبوظبي أن تتحمل السعودية الجزء الأكبر من المواجهة العسكرية مع الحوثيين، بينما تحتفظ هي بأوراق النفوذ التي بنتها على امتداد السنوات الماضية. إنها صيغة لا تحتاج إلى مواجهة إماراتية ـ سعودية مباشرة، ولا إلى اتفاق إماراتي مع إيران، بقدر ما تحتاج إلى إدارة محسوبة للمسافة بين المشاركة والانسحاب، وبين دعم الحليف وتركه يتحمل العبء.

واليمنيون هم الطرف الذي يدفع ثمن هذه الحسابات كلها.

المعركة لم تنته، والحكومة لم تسلم نهائياً بالأمر الواقع، لكن استعادة أي منطقة فقدت اليوم أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل أيام. فالتغير الميداني رفع كلفة الهجوم المضاد، وأظهر أن المشكلة ليست في نقص الرجال أو السلاح وحدهما، وإنما في غياب القيادة الواحدة وغرفة العمليات الواحدة والقرار السياسي الواحد.

لقد قاتل الحوثيون طوال السنوات الماضية ضمن تصور واضح لما يريدونه من الأرض والساحل والموانئ والجزر، بينما ظل خصومهم موزعين بين مشروع دولة ومشروع جنوب ومشروع ساحل ومصالح رعاة إقليميين متباينة. وحين تأتي اللحظة الحاسمة، لا تكفي أحدث المدرعات إذا كانت مراكز القرار متعددة والغايات مختلفة.

المخا بهذا المعنى ليست القصة، بل الكاشف.

لقد كشفت هشاشة البنية العسكرية والسياسية المناهضة للحوثيين، وحدود التفاهم السعودي ـ الإماراتي، وحدود الضمانة الأمريكية، وأظهرت كيف استطاعت إيران أن تجعل من جماعة مسلحة خرجت من جبال صعدة لاعباً يمتد أثره إلى البحر الأحمر وأسواق الطاقة وخطوط التجارة الدولية.

والقضية لم تعد عند باب المندب وحده. إنها قضية اليمن من أقصاه إلى أقصاه؛ من صعدة ومأرب إلى المخا وعدن، ومن جزر البحر الأحمر إلى سقطرى، ومن الحديدة إلى سواحل حضرموت والمهرة. فالدولة التي تمتلك هذا الامتداد البحري وهذه الجزر وهذه المواقع لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ساحة تتقاسم فوقها القوى الأخرى خرائط الأمن والنفوذ.

ما يتشكل اليوم ليس فقط ميزاناً جديداً للحرب، بل محاولة لإعادة تعريف موقع اليمن نفسه في النظام الإقليمي. والخطر الأكبر أن يعاد رسم هذه الجغرافيا من خارجها، فيما يبقى اليمنيون موزعين بين مشاريع أصغر من وطنهم.

ففي نهاية المطاف، من يملك القرار في اليمن لا يملك مدينة أو جبهة فحسب، بل يقف على واحدة من أهم خرائط البحر والسياسة في العالم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل