الكتاب: المعادلة التونسية -كيف نصنع
المستقبل؟ رؤية متكاملة 20/2030
الكاتب: الصافي سعيد
الناشر: سوتيميديا للنشر والتوزيع، تونس ،
الطبعة الأولى 2019
(عدد الصفحات 513 من القطع الكبير)
في هذا الجزء الثالث والأخير من قراءته
الخاصة لكتاب "المعادلة التونسية ـ كيف نصنع المستقبل؟ رؤية متكاملة 20/2030"
للكاتب الصافي سعيد، يواصل الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني، في قراءة يكتبها
خصيصاً لـ "عربي21"، تفكيك الأسس العميقة التي قامت عليها المعادلة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية التونسية، متوقفاً عند أحد أكثر جوانبها حساسية:
علاقة المركز بالجهات، ومسألة التهميش، وما يسميه بـ"الاستعمار الداخلي".
فالكتاب لا يكتفي برصد مظاهر التفاوت بين
تونس العاصمة والولايات الساحلية من جهة، والولايات الداخلية الفقيرة من جهة أخرى،
بل يحاول أن يردّ هذا التفاوت إلى تاريخ طويل من بناء السلطة وتوزيع الثروة وإعادة
إنتاج علاقات الهيمنة. ومن هذه الزاوية، يصبح التهميش أكثر من مجرد خلل في
السياسات التنموية؛ إنه بنية سياسية واقتصادية واجتماعية متجذرة، أنتجت جغرافيا
غير متكافئة، وحوّلت أجزاء واسعة من البلاد إلى خزانات لليد العاملة الرخيصة
والموارد الأولية.
ويذهب التحليل أبعد من ذلك، حين يربط بين
هذه الجغرافيا غير العادلة وبين طبيعة الدولة التي تشكلت بعد الاستقلال، والتي لم
تقطع بصورة جذرية مع كثير من علاقات التبعية الاقتصادية الموروثة عن الحقبة
الاستعمارية. وهكذا تتقاطع في الحالة التونسية مفاهيم الدولة البيروقراطية،
ورأسمالية الدولة التابعة، والبرجوازية التكنوبيروقراطية، والاستعمار الداخلي،
لتكشف عن مسار تاريخي ظل فيه الاقتصاد محكوماً بالسياسة، وظلت الدولة محتكرة لمعنى
المصلحة العامة ومصادر القوة والثروة.
لكن المفارقة أن المناطق التي عاشت طويلاً
على هامش الدولة لم تعد صامتة. فمنذ 2011، تحول التهميش من حالة اجتماعية إلى صوت
سياسي وثقافي يحتل المجال العام، عبر الاحتجاجات وأشكال التعبير الجديدة وموسيقى
الراب وفن الشارع والألتراس وغيرها من أشكال الفعل الجماعي. وبذلك لم يعد "الهامش" مجرد موضوع تتحدث عنه الدولة، بل أصبح فاعلاً يتحدث عن نفسه، ويطرح روايته الخاصة
للعدالة والكرامة والدولة والمستقبل.
وفي خاتمة هذه القراءة، يعود السؤال الذي
يشكل جوهر كتاب الصافي سعيد: أي مستقبل لتونس؟ فبين سيناريو الإقلاع وسيناريو
الركود، يرى الكاتب أن الاحتمال الثاني يظل الأقرب، ما لم تُفتح الملفات الكبرى
التي ظلت مؤجلة أو محرمة: إصلاح البنوك والاستثمار، وإعادة النظر في الزراعة
والسياحة والتعليم، ومراجعة علاقات تونس الاقتصادية والاستراتيجية مع محيطها
المغاربي والإفريقي والدولي.
إن الخطر، وفق هذا المنظور، لا يتمثل في
انهيار الدولة التونسية بقدر ما يكمن في استمرارها في حالة من الجمود المقنّع؛
دولة تبدو وكأنها تتحرك، بينما العالم من حولها هو الذي يتحرك ويتقدم. ومن هنا
تكتسب عبارة الصافي سعيد دلالتها الأشد قسوة: «إن سيناريو الدولة الراكدة هو أن
تعتقد أنك تسير بينما أنت واقف».
وفي هذا الجزء الأخير، يحاول توفيق المديني
قراءة هذه المفارقة من جذورها: كيف أنتجت تونس دولةً قادرة على الاستمرار، لكنها
عاجزة عن الإقلاع؛ دولةً لم تسقط، لكنها لم تجد بعد الطريق الذي يقودها إلى
المستقبل.
تهميش الولايات الفقيرة
في هذه المعادلة غير المنطقية التي تقيم
جداراً صينياً بين مشروع التحديث والتنمية للولايات الساحلية وتونس العاصمة، وبين
الولايات الفقيرة الداخلية، تكمن أزمة الفئات الوسطى الحاكمة في ديناميات بناء
السلطة، وإشكاليات التحديث والتنمية غير المتكافئة، حيث أن استراتيجيات الهيمنة
الاقتصادية وتوظيف محافظات بأكملها لتوفير يد عاملة رخيصة وتخصيصها كخزان
"للمهن الوضيعة" قد ينسف ما يُفترض من مضامين يتوقع أن تحملها مفاهيم
مثل "المصلحة الوطنية"و"الوحدة الوطنية".
فالنخبة الحاكمة منذ فجر الاستقلال مارست
الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع، وأفرغت العملية السياسية من
المعارضة حين ألغتْ المجال السياسي بهيمنتها المطلقة على المجتمع المدني، وإخضاعها
النقابات لهيمنة الحزب الدستوري الحاكم، وترييف المدن من خلال تهميش فئات الفلاحين
وإبعادها عن كل تأثير سياسي، وازدياد تدخلها في الاقتصاد، وخلقها مجالها السياسي
الخاص بها، الذي قَصَّرَ المساهمة السياسية على بيروقراطية الدولة ـ الحزب
الشمولي،وعلى المؤيدين،والموالين من التكنوقراط،والمنتفعين من السلطة.
غياب التغييرات الجذرية القاطعة مع الاستغلال الفرنسي ساقه كذلك كتاب "تونس عبر التاريخ" لعبد الجليل بوقرة الذي لاحظ أن "مهمة الانتقال من اقتصاد استعماري إلى اقتصاد مستقل [كانت] عسيرةً نسبيًا وبطيئةً، لأنَّ الحكومة سعتْ إلى تحقيقِ هذا الهدف دون إحداثِ قطيعةٍ نهائيةٍ وجذريةٍ مع فرنسا".
وأصبحت هذه البيروقراطية تعتبر نفسها هي
المالكة الوحيدة لمعنى الدولة، مجسدةً بذلك ظاهرة استبدادية محدثة من خلال
احتكارها المطلق للدولة إلى الدرجة التي تقضي فيه بإطلاقية على كل مكونات المجتمع
المدني السياسية والاجتماعية الأخرى،وعبر سيطرة نزعة التماثل أو التماهي الشمولية
السرمدية مع الدولة.
السلطات الحاكمة قامت بتهميش (ولايات) في
الداخل من الشمال الغربي إلى الجنوب مرورًا بالوسط الغربي، بحيث تكون عاجزةً عن
الالتحاق بقاطرة التنمية الاقتصادية والعصر الحديث، وحولتها إلى خزان لتوفير اليد
العاملة الرخيصة، كما اعتمدت هذه السلطات على استراتيجية هيمنة اقتصادية على
الولايات والمناطق الداخلية.
ومن نتائج هذه السياسة التسلطية، انتهاج
السلطات الحاكمة على مدى عقودٍ من الزمن، خيارًا تنمويًا غير عادلٍ في البلاد
التونسية، قاد إلى انقسام تونس إلى اثنين في مجال البنية التحتية وعلى مستوى
التنمية وعلى ولايات داخلية، ومناطق (جهات) في تبعية للمدن الكبرى الساحلية
والشاطئية بشكل عام.
وأبعد من ذلك تزيدُ الوصمة السلبية
"للتهميش"من قبل جزء من صنّاع الرأي في تعميق الهوة بين فضاء
"التهميش" وباقي الجسم الاجتماعي، وتعمقُ درجة الانكسار الاجتماعي
الحّاد، وتقوي الإحساس بالقهر والغبن. وبالمقابل يعيش "التهميش" أو الهوامش
في تجلياتها المتعددة الأبعاد المختلفة للتنمية غير المتكافئة، واللامساواة
الاجتماعية والاقتصادية والرمزية والسياسية وتنتج سردياتها وتمثلاتها وعن نفسها
وعن المجتمع والدولة والعالم وتبحث عن حلول للتأقلم، وصارت خاصّة بعد 2011 أكثر
حماسة وقدرة على فرض نفسها وصوتها بوسائلها الخاصة والغير معتادة داخل الفضاء
العام المادي والافتراضي عبر أشكال الاحتجاج الجديدة وتعبيرات الغضب وموسيقى
الرّاب وفن الشوراع ومجموعات الألتراس ووسائل الفعل الجماعي الجديدة المتاحة.
ولأنَّ "للتهميش"صوته وكلماته
ووصفه لمعيشة اليومي، فهو يصير فاعلاً مستقلاً معبّراً عن ذاته من خارج الخطاب
" الرسمي" والسائد وهو خطاب الدّولة والإعلام أي خطاب المهيمن وهو خطاب
موّجّه وجائر وبارد لا يفهم وفي أفضل الأحوال عام لايجد فيه المهيمن صدى لذاته
وهويته ومعاناته ودوره وحتى عندما يأتي الفهم متأخراً فإنَّهم بلا جدوى "أنا
فهمتكم لبن علي أيام قبل رحيله" لم توقف غضب "التهميش" حين انفجر
في وجه نظامه.
الاستعمار الداخلي في الحالة التونسية
اتفاقية الاستقلال في عدم تنصيصها على
انتقال الملك الخاص للدولة التونسية إلى الدولة المستقلة كانت وثيقة مؤسسة لارتباط
الاقتصاد التونسي عند الاستقلال وبعدها بأنماط استغلال حدّدها ولا يزال الفرنسيون.
يشير الباحث الصالحي إلى أنَّ "المسألة الإقتصادية [لم تكن] من بين أولويات
الحركة الوطنية ولم تتضمن أدبياتها رؤية للمسألة، فحتى الإصدارات التي ظهرت في
العشرية السابقة للاستقلال لم تتجاوز محاولة تشخيص الواقع ولم تتوقف كثيرا عن
تصورات المستقبل". ويُرَجَّحُ أيضًا غياب التكوين المعرفي في المجال
الاقتصادي ومُيول أفراد حركة التحرر إلى التركيز على بلوغ السلطة كهدف نهائي للعمل
السياسي.
غياب التغييرات الجذرية القاطعة مع
الاستغلال الفرنسي ساقه كذلك كتاب "تونس عبر التاريخ" لعبد الجليل بوقرة
الذي لاحظ أن "مهمة الانتقال من اقتصاد استعماري إلى اقتصاد مستقل [كانت]
عسيرةً نسبيًا وبطيئةً، لأنَّ الحكومة سعتْ إلى تحقيقِ هذا الهدف دون إحداثِ
قطيعةٍ نهائيةٍ وجذريةٍ مع فرنسا".
أكَّدتْ لنا التجربة التاريخية أنَّ ما
أطلقنا عليها رأسمالية الدولة التابعة في تونس بقيادة الفئات الوسطى بعد فشل
التجربة الليبرالية،أنتجت في حقيقة الأمر رأسمالية مشوهة، من خلال إنشاء القاعدة
المادية الاقتصادية والاجتماعية، وإيجاد القطاع العام، وعبر التدخيلة للدولة التي
كانت مهمةً وضروريةً ومبرمجةً بهدف تحقيق التعبئة المكثفة للموارد وتوظيفها في
البناء التحتي لايجاد وتائر قوية، لتراكم الرأسمالية لمصلحة البرجوازية القديمة
والحديثة في ظل عجز الرأسمال الخاص بسبب حجمه الصغير ودرجة نضجه القليلة ـ
والتعديل في البناء الطبقي.
إنَّ هذه الفئات الوسطى حين استكملت بناء
الدولة البيروقراطية الحديثة تَحَوَّلَ مُمَثِلُوهَا الطبقيون في السلطة السياسية
ـ الحزب والحكومة الذين استخدموا ما تَوَفَّرَلهم هذه السلطة من امتيازاتٍ عديدةٍ
مصادر القوة والثروة في المجتمع عن طريق الاستيلاء على القطاع العام من أجل خدمة
مصالحهم الطبقية بالضرورة إلى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية. ولذا
فإنَّ رأسمالية الدولة التابعة خلال عقد الستينيات، لم تكنْ خارج سياق علاقات
الإنتاج الكولونيالية.
وكانت في الوقت عينه عملية تاريخية معقدة
ومزدوجة، فهي من ناحية تجددت في سيرورتها البرجوازية الكولونيالية التقليدية في
عملية الاستبدال الطبقي السياسي، لمصلحة تحررها الاقتصادي،وهي من ناحية أخرى
وَلَّدَتْ بالضرورة التاريخية فرز طبقي داخل الفئات الوسطى التي حلت في السلطة
السياسية محل البرجوازية التقليدية، حيث انفصلت تلك الفئة العليا منها، التي تمتلك
السلطة وتسيطر على جهاز الحزب والحكومة، عن سائر فئات البرجوازية الصغيرة، لتتحول
في إطار من تجدد علاقات الإنتاج الكولونيالية إلى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية
الكولونيالية. وكانت النتيجة التاريخية لهذه التجربة أنْ حَصَلَ التماثل الطبقي،
بين البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية والبرجوازية الكولونيالية
التقليدية، لتكون البرجوازية الكمبرادورية الجديدة.
إنَّ دولة الاشتراكية الدستورية "عملتْ
على تحقيق الاشتراكية على مراحل أولها "إقناع العمال بأننا بلد (تونسي) لا
يتحمل تطاحن الطبقات"، وكانت تدعو بالتخلي عن العقلية البروليتارية التي
تجعلهم ينظرون إلى صاحب العمل كعدوٍ طبقِيٍّ، وكرَّستْ الانفتاح على الغرب
وقبِلَتْ بشروطه الثقيلة والمتمثلة خاصة في القروض الأمريكية الضخمة، وانتزعتْ
الملكيات الصغيرة للفلاحين ودمجتها في التعاونيات الزراعية لخدمة مصالح كبار
الملاكين الزراعيين، وضربتْ مصالح العمال، وعملتْ على تشتيت قواهم وذلك بفرض
الهيمنة على النقابات العمالية واحتوائها وجعلها تحت وصاية الحزب الدستوري
الاشتراكي الحاكم.
وإزاء هذا التشويه للاشتراكية، والتخريب
الزراعي والصناعي والتبعية للسوق الرأسمالية العالمية، أنتجت دولة الاشتراكية
الدستورية حكماً تسلطياً فرعياً، حيث شكلت البيروقراطية الحزبية وبيروقراطية أجهزة
الدولة نموذجه بإمتيازٍ. وشكلتْ عقبة حقيقية أمام انبثاق فضاء عام بسبب عملية
النهب المنظمة التي كانت تقوم بها نخبة المجتمع السياسية التي تتمثل في نهجها
وسلوكها السياسيين الوصاية والتملك للدولة،هي بذلك تطابقت مع واقع سوسيولوجي ـ
تاريخي حيث كانت فيه هذه الدولة التسلطية عاجزة عن حماية القطاع العام، الذي نجد
فيه الاقتصادي غيرَ متحررٍ من السياسي الذي يُهَيمِنُ عليه ويُسَيِّرَهُ.
كما أنَّ الإيديولوجية القومية الكلية التي
تأسست في عهد الصراع ضد الاستعمار قامت على أساس النفي للصراع الطبقي داخل
المجموعة السياسية، للانقسامات الاجتماعية، فضلاً عن عدم إعترافها بالطابع السياسي
لهذه الانقسامات، الأمر الذي قاد إلى إفراغ المحتوى السياسي وبالتالي القانوني،
لهذا الصراع، مادام أنَّ هذه الإيديولوجية التسلطية تعتبر أنَّ الجسمَ الاجتماعيَّ
مُوَحَّدٌ لا يحتاج إلى السياسة والقانون بما أنَّه غير متكون من فئات تحمل في
سيرورتها مصالح طبقية متعارضة وفي ظل غياب مفهوم موضوع الحق، أي الإقرار بوجود
أشخاصٍ وفئاتٍ لهم مصالح متعارضة، بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنَّه من المستحيل أنْ
توجد دولة تسمى دولة الحق والقانون. لهذا السبب بالذات من النفي لمفهوم موضوع
الحَقِّ للأشخاص والفئات الاجتماعية، تأسستْ الدولة التسلطية خلال عملية الاستقلال
السياسي وتجربة الاشتراكية الدستورية،على الرغم من أنَّ التسلطية لا تمثل نمطاً
تاريخياً واحدًا.
تمثل الدولة التونسية ما بعد الاستقلال كل
سمات أنظمة الاستعمار الداخلي، والتي لا ترى في جغرافيا وسكان ومستقبل ولايات
ومناطق (جهات) بأكملها أكثر من مزرعة وملكية خاصّة، ولكنَّها كانت تبحثُ عن أوضاعٍ
وسطى بين المصالح العامة للمجموعات المهيمنة (العصبية الساحلية) ومصالح المجموعات
الخاضعة، الأمر الذي يساعدنا على فهم جغرافيا الاستعمار الداخلي وتفاوت مضمونه بين
جهة و أخرى في الحالة التونسية.
تمثل الدولة التونسية ما بعد الاستقلال كل سمات أنظمة الاستعمار الداخلي، والتي لا ترى في جغرافيا وسكان ومستقبل ولايات ومناطق (جهات) بأكملها أكثر من مزرعة وملكية خاصّة، ولكنَّها كانت تبحثُ عن أوضاعٍ وسطى بين المصالح العامة للمجموعات المهيمنة (العصبية الساحلية) ومصالح المجموعات الخاضعة، الأمر الذي يساعدنا على فهم جغرافيا الاستعمار الداخلي وتفاوت مضمونه بين جهة و أخرى في الحالة التونسية.
في الواقع التونسي، يَتَلَخَّصُ الاستعمار
الداخلي في بعده الاقتصادي، في استعمال "عصبية الساحل" المهيمنة على
الدولة التونسية ما بعد الاستقلال، لفرض شروط تبادل غير منصفة مع الولايات
(والجهات) الفقيرة من البلاد التونسية، إما باستخراج الموارد الطبيعية في شكلها
الخام ودون مقابل (الفوسفات والنفط)،أو باعتماد قيودٍ تجاريةٍ وفرض تسعير إداري
غير مجزٍ على منتجات المناطق الخاضعة لا يكاد يكفي لإعادة إنتاج قوة العمل، ولا
يوفر فوائض اقتصادية، من ثم يتمَ تحويلها أو استغلالها في مناطق أخرى بفوائض ربحية.
وفي الصورة العامة، كانت الأوضاع الوسطى
التوفيقية، التي اهتدت لها النخب الحاكمة، متفاوتة في تفاصيلها بين جهة وأخرى مع
استقرار بعض الملامح. وقد كان الوضع التوفيقي مختلفًا باختلاف المجموعات و الجهات.
لم يتجاوز تهميش"الْبَلْدِيَةِ" (برجوازية سكان مدينة تونس العاصمة)
المجال السياسي أو بالأحرى إبعادهم عن قيادة السلطة وكانوا باستمرارٍ جزءًا
مُهِمًا منها، وذلك خاصة بعد المحاولة الفاشلة التي سعت للاستعاضة عنهم واستبدالهم
بجهة صفاقس في التعديل الوزاري الكبير الذي تمَّ بعد مؤتمر الحزب الاشتراكي
الدستوري في المنستير عام 1971.أما بالنسبة لجهة صفاقس ومع استفادتها من بعض
التحالفات الظرفية في فترة السبعينيات وأوائل الثمانينيات فقد كان إقصائها في
البعد السياسي شبه مكتمل، وتم تجاوزه ليغمر التهميش بعض المجال الاقتصادي من دون
المساس كثيرا بالبعد الاجتماعي، بل كانت عمومًا أقرب فيه إلى الاستفادة.
خاتمة :يعتقد الكاتب الصافي سعيد في خاتمة
كتابه القيم، أنَّ سيناريو الركود سيكون هو الأقرب للتحقق من سيناريو الإقلاع. سوف
لن تسقط الدولة التونسية وتصبح فاشلة على الطريقة الصومالية، ولكنها من الصعب أن
تصعد وتصبح من المحلقين في الأعالي مثل ماليزيا. فقد حكمت عليها نخبها الصغيرة
والمتكالبة والكسولة والمتملقة بأن تظل في منزلة بين منزلتين.. إنها لا تغرق،
ولكنها ليست قادرة على السباحة.
إن الاكتفاء بعلاقات باردة مع بلدان المغرب
العربي، والنأي بالنفس عن الشرق الأوسط وعدم الذهاب إلى إفريقيا ودول البريكس وعدم
مراجعة علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي أو فرنسا فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب
والمبادلات والديون كل ذلك لا يشجع على القول بأن تونس ستنطلق أو ستقلع باقتصادها
وتنميتها. كما أن عدم إصلاح البنوك وعدم إصلاح قوانين الاستثمار وعدم فتح الملف
الزراعي أو السياحي وعدم المساس بمنهجية التعليم ومضامينه، هو أيضاً لا يعطينا أي
انطباع بأن هناك من سوف يتجرأ على فتحكل هذه الملفات المحرمة.
وحتى لو انتظرنا قليلاً وما سوف تفرزه
صناديق الانتخابات المقبلة، فإنه ليس من المحتمل أن نحصل على حكومة قوية مصارعة،
مستعدة للمعارك والصراع مع القوى المهيمنة في الداخل والخارج، مع محتكري الأسواق
والبنوك والطاقة.. لقد استبدلنا منذ البداية اللحظة المرتجأة باللحظة المرتجلة فتم
كل شيء على عجل. وهذا ما سوف يعيد إنتاج الإرباك نفسه، والرداءة نفسها والركود
نفسه.. سوف يصبح عدد أفراد الشعب التونسي في العام 2030 حوالي 16 مليونا، ولكن
الدخل الفردي سوف لن يزيد عما هو عليه الآن، لأن ليس ثمة ما يدلنا أو من يحرضنا
على إنتاج أكثر وانضباط أكثر وتهاون أقل. غدا سوف لن تنفع الاحتجاجات وكل احتجاج
سيصبح أبكم أو مدجنا أو ممنوعا ديمقراطيا ولذلك لن يصنع إلا مشاهد تحتاجها الأحزاب
للتأكيد بأنهم يصنعون الديمقراطية. إننا لم نسمع بأي حزب قد دعا إلى حملة تطوع
لغراسة النخيل أو الزياتين ولم نسمع بأية جمعية أو جبهة دعت إلى حملة تنظيف
للشوارع.. كانت البلاد تغرق في الأوحال والأوساخ وكانت أغلب الاحتجاجات سلبية وكان
الشعار الكبير للاحتجاج هو: "لا تعملوا.. لا تذهبوا إلى المصانع.. لا تقطفوا
الزيتون.. اقطعوا الطرقات".. وطبيعي حين تبدأ الثورة بمعاداة العمل، فإن
البلاد لن تصل إلا إلى حواف الخصاصة!
إن سيناريو الدولة الراكدة هو أن تعتقد أنك
تسير بينما أنت واقف.. فيما العالم الآخر هو الذي يسير ويتقدم.
إقرأ أيضا: من ثورة الكرامة إلى معركة التنمية.. هل آن أوان تغيير المنوال التونسي؟ كتاب
إقرأ أيضا: الثروة في باطن الأرض والفقر فوقها.. سؤال التنمية المفقود في تونس