ما بعد المخا.. هل تتزاحم الأفريكوم والسينتكوم على الملاجئ في جيبوتي؟

حازم عيّاد
"الهواجس الاقتصادية إلى جانب الأمنية تقف بقوة خلف التردد والحذر الأمريكي من التورط في صراع باب المندب"- جيتي
"الهواجس الاقتصادية إلى جانب الأمنية تقف بقوة خلف التردد والحذر الأمريكي من التورط في صراع باب المندب"- جيتي
شارك الخبر
أمضت حركة أنصار الله الحوثية سنوات الهدنة الأربع بالإعداد للمواجهة التي أفضت لسيطرتها السريعة والخاطفة على ميناء المخا وكامل الساحل الغربي لليمن المطل على باب المندب، ومعها جُزر ميون وأبو علي وحنيش الكبرى والصغرى وسويل حنيش والمماليح وجبل زقر، المقابلة لسواحل إريتريا وشمال الصومال.

في المقابل، انغمست حكومة الشرعية والقوى الداعمة لها على مدى الأعوام الأربعة ذاتها، في خلافات داخلية وصراعات سياسية ومواجهات مسلحة عمّقت الانقسام بين أطراف تحالف الشرعية، ممهدة بذلك الطريق للتقدم السريع والمفاجئ لقوات الحوثي في الخوخة والمخا وصولاً إلى جزيرة بريم المطلة على باب المندب.

حالة الاستقطاب بين القوى الإقليمية الداعمة لقوى التحالف والشرعية في اليمن انعكاس لاستقطاب إقليمي أوسع؛ انعكس على قوى تحالف الشرعية التي ضمت في صفوفها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية الى جانب عدد من الدول العربية والإسلامية، استقطاب بلغ ذروته في المواجهة التي اندلعت في حضرموت والمهرة في كانون الثاني/يناير 2026، أي قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، والتي انتهت بمغادرة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى أبو ظبي، مخلفاً وراءه رماد صراع طويل سرعان ما اشتعل في الضالع بمهاجمة أنصار الانتقالي موكب وزير الدفاع اليمني الفريق طاهر العقيلي يوم الأربعاء، لأسره، على أمل مقايضته بمعتقلين ومحتجزين للانتقالي لدى الشرعية ولدى المملكة العربية السعودية.

Image1_920261112246407800486.jpg

الصراعات والمواجهات بين قوى الشرعية تركت ندوباً عميقة انعكست بشكل واضح على مسار المعركة وسرعة الحسم لصالح حركة أنصار الله الحوثية في المخا، التي تراجعت أمامها قوات طارق صالح دون قتال يُذكر في معسكر خالد وحيس، ومن قبلهما الكدحة

الصراعات والمواجهات بين قوى الشرعية تركت ندوباً عميقة انعكست بشكل واضح على مسار المعركة وسرعة الحسم لصالح حركة أنصار الله الحوثية في المخا، التي تراجعت أمامها قوات طارق صالح دون قتال يُذكر في معسكر خالد وحيس، ومن قبلهما الكدحة.

وهو مسار ما كان له أن يتحقق بدون الفشل والتعثر الأمريكي في الحرب على إيران، وغرق الولايات المتحدة واستنزافها في تفاصيل معركة السيطرة على مضيق هرمز، واضطرارها إلى إعادة تموضع أجبرتها على نقل قواتها من منطقة الخليج إلى قواعدها في جيبوتي قبالة مياه البحر الأحمر المشتعلة، ما جعلها رهينة لدى حركة أنصار الله الحوثية، التي لا تبعد في أقصى نقطة لها عن شواطئ اليمن الغربية بأكثر من 300 كم، فكيف الحال بعد السيطرة على المخا التي لا تبعد أكثر من 40 كم عن شواطئ جيبوتي.

الولايات المتحدة الأمريكية وجدت نفسها محاصرة في جيبوتي التي استقبلت قواعدها في ليمونير وفي مطار شابيلي العدد الأكبر من قوات المنطقة المركزية الوسطى الأمريكية "سينتكوم- CENTCOM" المنسحبة من قواعد الخليج العربي، لتزاحم قوات "أفريكوم- AFRICOM" الأمريكية المتمركزة في قواعد جيبوتي والناشطة في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، والتي قُدّر عددها قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية بـ5000 جندي، في حين تذهب التقديرات لمضاعفة هذا الرقم بثلاثة أو خمسة أضعاف ما كان بعد المواجهة الأمريكية مع إيران في الخليج العربي، ما يجعل من الوجود الأمريكي الكثيف هدفاً مثالياً وسهلاً لحركة أنصار الله، خصوصاً وأن المخا لا تبعد عن ساحل جيبوتي بأكثر من 40 كم فقط.

تزاحم قوات أفريكوم وسينتكوم على القواعد في جيبوتي لن يقتصر على خدمات القواعد الأمريكية ولوجستياتها، بل وعلى الملاجئ المتوفرة في حال استهدافها بالطائرات الحوثية المسيّرة والصواريخ البالستية وقصيرة المدى، ما يضع هذه القوات تحت رحمة حركة أنصار الله الحوثية، ورهينة لدى قبائل العفرا (الدناكل) المتحالفة مع حركة أنصار الله، التي تعود أصولها إلى قبائل المعافر القحطانية النازحة من منطقة المهرة جنوب اليمن، حيث استقرت مجموعات منها في تعز، في حين تنتشر في إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا وشمال الصومال، وإلى جانبها قوات حركة الشباب الصومالية التي تسربت أنباء عن تحالفها مع حركة أنصار الله ومشاركتها بالمواجهات الأخيرة.

أربك الحوثيون المشهد الإقليمي والدولي، وعقدوا الحسابات الأمريكية الأمنية والاقتصادية، وفتحوا شهية القوى الدولية، روسيا والصين، لتعزيز سيطرة الحوثيين وإضعاف الولايات المتحدة، إذ قدّم الهجوم الحوثي مؤشراً قوياً على تراجع النفوذ الأمريكي في الخليج العربي والبحر الأحمر

أمريكا لم تُؤثر الحياد إلا رغبة في الحفاظ على آخر المناطق والملاذات الآمنة لقواتها في البحر الأحمر، في مقايضة صعبة شاركتها فيها دول أوروبا التي تبحث عن وسيلة لضمان تدفق إمدادات النفط والغاز والسلع عبر البحر الأحمر، بما يمنع تدهوراً سريعاً باقتصاداتها ومزيداً من التحكم الروسي في أسعار النفط والغاز، التي ارتفعت على نحو جنوني خلال الساعات القليلة التي سبقت سيطرة الحوثيين على المخا، فقد بلغت أسعار الغازل 93 دولاراً لكل ميغاواط/ ساعة، وارتفعت معها أسعار النفط على نحو جنوني باقترابها من 110 دولارات للبرميل، على نحو يهدد اقتصادات الدول الأوروبية وخطط الولايات المتحدة للتعافي من التضخم، وجهودها لتجنب الركود العالمي الذي حذّر منه لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، بالقول: إن أسعار النفط في حال اقترابها من 150 دولاراً للبرميل، فإن الركود العالمي مسألة حتمية، وهو ما جاء على لسانه خلال مقابلة أجراها مطلع شهر أيلول/سبتمبر الحالي في بودكاست "Big Boss Interview" التابع لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

الهواجس الاقتصادية إلى جانب الأمنية تقف بقوة خلف التردد والحذر الأمريكي من التورط في صراع باب المندب، والتي أكد عليها جيمي ديمون، رئيس بنك جيه بي مورغان، بتحذيّره من قفزة في أسعار الوقود تجعل التضخم "عنيداً ولزجاً" (Sticky)، واصفاً التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة بـ"الفأر الذي سيفسد الحفلة في عام 2026"، لأن ارتفاع الطاقة سيعيد إشعال الأسعار مجدداً، ويحبط جهود مكافحة التضخم والمديونية والعجز التجاري المتفاقم.

ختاماً.. بعملية خاطفة وسريعة، أربك الحوثيون المشهد الإقليمي والدولي، وعقدوا الحسابات الأمريكية الأمنية والاقتصادية، وفتحوا شهية القوى الدولية، روسيا والصين، لتعزيز سيطرة الحوثيين وإضعاف الولايات المتحدة، إذ قدّم الهجوم الحوثي مؤشراً قوياً على تراجع النفوذ الأمريكي في الخليج العربي والبحر الأحمر، وهو ما رفع كلفة الصراع في باب المندب، ودفع أوروبا وأمريكا والقوى الإقليمية لتقبل الانعطافة الاستراتيجية الجديدة في اليمن، والسعي لاحتوائها بأدوات دبلوماسية وتفاهمات سياسية محلية وإقليمية ودولية، أكدت تراجع الثقة والموثوقية بأمريكا وقواتها المحتشدة على أبواب الملاجئ في جيبوتي.

x.com/hma36


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل