سيادة القانون أم انتقائية السيادة؟ الجزائر بين ثوابت الهوية وازدواجية الخطاب

اطلبوا هذه القاعدة الذهبية في قانون الدولة الفرنسية أوالدولة العبرية وذلك أضعف الايمان  وأقل ما يمكن الاقتداء به في هذا الزمان بين الدول والشعوب والأوطان!؟
اطلبوا هذه القاعدة الذهبية في قانون الدولة الفرنسية أوالدولة العبرية وذلك أضعف الايمان وأقل ما يمكن الاقتداء به في هذا الزمان بين الدول والشعوب والأوطان!؟
شارك الخبر
يأتي هذا المقال في سياق المقالات الفكرية والتاريخية الخاصة التي يكتبها الكاتب والمؤرخ الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان خصيصا لـ "عربي21"، متابعا من خلالها قضايا الهوية الوطنية والسيادة والثوابت التي تشكل، في رؤيته، جوهر الدولة الجزائرية وامتدادها التاريخي منذ الحركة الوطنية إلى ثورة التحرير والاستقلال.

وفي هذا المقال، يعود بن نعمان إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الجزائر، وهي العلاقة بين سيادة الدولة وثوابت الهوية الوطنية، متوقفا عند إشكالية التمييز بين الجنسية بوصفها رابطة قانونية، والهوية بوصفها حصيلة تاريخ طويل من اللغة والثقافة والذاكرة الوطنية.

ويجادل الكاتب بأن احترام القانون لا يمكن أن يكون انتقائيا، وأن الانفتاح على العالم لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتمييع الثوابت أو تعطيل القوانين التي أقرتها الدولة، مستحضرا في ذلك مواقف عدد من أعلام الفكر والحركة الوطنية، وفي مقدمتهم مالك بن نبي وعبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي ومولود قاسم نايت بلقاسم.

كما يقارن بين طريقة تعامل دول أخرى مع لغاتها وهوياتها الوطنية وبين الواقع الجزائري، متسائلا عن حدود "الانفتاح" حين يصبح على حساب اللغة والثوابت، وعن معنى السيادة إذا لم تقترن بتطبيق القوانين التي تحمي هوية الدولة ووحدتها.

ومن هذا المنظور، يطرح المقال سؤالا مركزيا يتجاوز قضية اللغة وحدها إلى مفهوم الدولة ذاتها: هل يمكن لدولة أن تكون ذات سيادة كاملة إذا كانت قوانينها المتعلقة بهويتها وثوابتها معطلة أو انتقائية التطبيق؟


خلط للأوراق وتمييع للثوابت

إن السبب الأساسي الذي أدى إلى هذا الخلط للأوراق، وتمييع الثوابت، واستحلال المقدسات والمحرمات الثقافية والمقومات الأساسية للهوية الوطنية التي تقرر مصيرها بعد حرب التحرير (انظر تفصيل ذلك في مقالنا بـ"عربي21" ليوم الجمعة 13 فبراير 2026)، هو عدم التمييز بين الجنسية الورقية والهوية الوطنية، مما تسبب في هذا التذبذب المقصود في ثوابت الوجود، التي كان لها الفضل الأول (بعد الله) في استرجاع أوراق الجنسية، التي لا قيمة لها على الإطلاق دون التمسك بثوابت الهوية، كما كان دأب بلادنا طوال عقود الاحتلال، قبل مستجدات الاستقلال الذي ما يزال في طور الاستكمال، حتى لا يتحول إلى استحلال مزمن أو تمزيق وانفصال، لا قدر الله، كما تسعى بعض الأطراف وتعقد الآمال والأحلاف مع بعض الأطراف في الخارج والداخل، من الفاعلين الأساسيين ومن نواب الفاعل الموسميين الذين يظهرون على الساحة السياسية (التعددية) في كل حين!؟!

إن هذه الحالة الاستثنائية تعود إلى التعمية والضبابية المٌتعمّدة أحيانا (سياسيا وتربويا وثقافيا) في الرؤية والنظر إلى مقومات الشخصية والهوية الوطنية المتمثلة، في اعتماد الدولة لتلك التعددية اللغوية والازدواجية في الخطاب التي تهدد أسس وأركان الأمة في جوهر وجودها وبقائها، وهو ما عبر عنه أستاذنا الكبير مالك بنبي (الخبير بشؤون حضارات الأمم) في  كتابه "مشكلة الثقافة" الذي يعتبر أول كتاب ألفه باللغة الوطنية (العربية)، الذي يقول فيه حرفيا: " لقد أحدث الاستعمار العديد من الظواهر، ومن بينها ظاهرة خاصة نتيجة للظواهر السابقة، وهي ظاهرة الازدواج اللغوي التي تترك آثرها ومفعولها المباشر على الظواهر الثقافية الأخرى في البلاد، ونذكر نموذجين للازدواج اللغوي تركه الاستعمار، وما يزال قويا إلى الآن (وقد كان ذلك الكلام سنة 1970) وأول هذه البلدان هي مصر، حيث اللغة الأنجليزية تؤثر وتستحوذ على ميدان حي من الميدان الفكري في هذا المجال، حيث تدرس العديد من المواد العلمية بها، غير أن هذه الازدواجية لا نجد لها أثرا إلا في المجال الفكري العالي والثقافة الراقية لطبقة عليا في المجتمع..

لماذا لا يقتدي هؤلاء "المَصالحيون" المدعون للوطنية عندنا زورا وبهتانا، بتعامل الوطنيين الفرنسيين "الدوغوليين أنفسهم" مع قوانين اللغة الفرنسية المطبقة عندهم بصرامة هناك أشبه بمحاربة حجاب بناتنا المسلمات على أرضهم وفي شواطئ بحرهم!؟
والبلد الثاني الذي يعيش الآن ازدواجية لا مثيل لها في العالم هي الجزائر، حيث أنها لم تتوقف عند حد المجال الفكري الجامعي، وإنما امتدت إلى كل المجالات الحيوية الأخرى والحياة اليومية للمجتمع، والازدواج هنا أخطر بكثير، لأنه ازدواج شعبي على مستوى القاعدة العريضة للمجتمع"، (انتهى النص المقتبس).

وتأكيدا للخط الوطني المستقيم لأبناء باديس ضد مخططات إدارة باريس، نعود إلى وصية الإمام ابن باديس لأبناء أمته، قبل وفاته بسنة، مؤكدا على التمسك بجوهر وجودنا وبقائنا الذي يضعه اليوم الإستحلاليون والإنفصاليون في المزاد العلني المتوسطي والإفريقي، انتقاما من شهداء نوفمبر حيث يقول إمامنا في جريدة البصائر ليوم 22 يونيو 1939: "إن اللغة العربية هي الرابطة بين ماضي الجزائر المجيد، وحاضرها الأغر، ومستقبلها السعيد، وهي لغة الدين والجنسية والقومية ولغة الوطنية المغروس". 

والموقف ذاته  يؤكده  خليفته في الجهاد والنضال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بعد سنوات  وهو كلام ينطبق بكيفية عجيبة على جزائر اليوم، وكأن شيئا لم يتغير في العهد الجديد، رغم مليون ونصف المليون شهيد..

 ونترك الكلام للشيخ الذي استشف بفراسته الإيمانية الربانية هذه الاستمرارية في الاحتلال بالاستحلال، فيقول: "جاهدت هذه الأمة في سبيل لغتها جهادا متواصلا.. كان من ثمرات النصر فيه هذه النهضة التعليمية التي ولدت الكُتّاب والشعراء والخطباء والوعاظ، وهي نهضة لم تعتمد الأمة فيها إلا على ما في نفسها من حيوية موروثة، ولم تلتمس فيها عونا من أجنبي، بل لم تلق من الأجنبي إلا المعارضة الحادة والتثبيط القاتل.

وكان من نتائج هذه النهضة إلحاح الأمة في المطالبة بمظهر سياسي وطني للغتها، وهي أن تكون رسمية في المدارس والدواوين والأقلام والأحكام، وأن يعترف لها بمكانتها في وطنها، وأن تمحى عنها تلك الوصمة التي لم تسب لغة بأشنع منها، وهي أنها أجنبية في دارها" انتهى النص هنا ويمكن التتمة في كتاب (أثار الشيخ البشير الإبراهيمي المكون من 5 مجلدات) لمن يريد التعمق والزيادة في المعرفة والاطلاع.

ونعود إلى الاستحلاليين من خلفاء الاحتلال ووكلائه المحليين الذين يعترضون على هذه الأحكام المعلنة من مناهضي "جريمة الحرب" الفرنسية على الشعب الجزائري التي يسميها  أولئك المستوطنون الجدد بـ "غنيمة الحرب" (انظر مقالنا في "عربي21" ليوم 10 يوليو  2023)، وذلك بحجة أن المصلحة العليا للأمة والوطن تفرض التطور والانفتاح على "جريمة الحرب الفرنسية، نقول إن هذا "الكلام (المصلحي في الظاهر) الذي لا يرفضه من حيث المبدأ إلا ساذج، ولا يقبله دون مناقشة إلا ساذج أيضا أو جاهل أو متواطئ، وخائن.. يذكرني بشعار الجنرال دوبورمون الذي رفعه بعد حادثة المروحة مع الداي حسين، والذي يفيد بأنه أتى بجيوشه الجرارة لإضاءة كهوفنا الإفريقية بأنوار فرنسا "التحضيرية" في إطار المصلحة المشتركة للراكب والمركوب معا !

وهنا لا بد أن أتوقف عند الجزء الأول من حجة الاعتراض هذه، ألا وهو (المصلحة العليا للأمة والوطن)، وهو الشعار الذي ذهب ضحيته عشرات الآلاف، إن لم نقل الملايين من الجزائريين الأبرياء، حتى من أبناء المجاهدين والشهداء في هذا الوطن الشاهد والشهيد في العهد الجديد.!!؟؟

لا شك أن لكل كائن حي عاقل في هذا الوجود مصلحة، سواء كانت هذه المصلحة خاصة أو عامة، فردية أو جماعية، دنيوية أو أخروية، عليا أو دنيا، وطنية استقلالية أو بطنية استحلالية.

ومثلما توجد المصالح المتنوعة، توجد أيضا أشكال مختلفة من التضحيات بالمصالح من أجل المصالح، أي التضحية بالمصالح الفردية والخاصة من أجل المصالح الجماعية والعامة، أو التضحية بالمصالح العليا للوطن ومستقبل الأمة المتمثل في وحدتها الترابية والشعبية، من أجل المصالح الفردية والمخططات الاستعمارية، كما أسلفنا في استشهادنا بنص مالك بن نبي السابق، أو "الاستدمارية" الجديدة على حد تعبير صديقنا المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم أحد فرسان هذه المعركة الوجودية الذي تركنا في منتصف الدرب ضد "جريمة الحرب"، وفي نفسه الشيء الكثير من الغصة والحرقة قبل إتمام المعركة التي ظهرت إلى العيان وحمي وطيسها مع صدور قانون اللغة العربية المنتخب عليه بالإجماع في المجلس الوطني منذ 36 سنة وهو مجمد دون إلغاء بإحسان أو تطبيق بصدق وإتقان والذي قال المرحوم  يومها (فيما أذكر عبارته مثل اليوم) بأن انتخاب هذا القانون هو أول نوفمبر ثان إن لم يكن أخطر وأهم بالنسبة لوحدة الهوية الوطنية كما هي مسطرة بوضوح في كل المبادئ الثورية  (والنوفمبرية على الخصوص) وقبلها في كل أدبيات الحركة الوطنية.. من بداية الاحتلال سنة 1830 إلى فجر الاستقلال سنة 1962!؟

وعلى هذا الأساس فإن لكل الشهداء والمجاهدين والوطنيين، وحتى المواطنين العاديين مصالح وتضحيات، وكذلك للاستعمار والعملاء والخونة الكبار والصغار مصالح وتضحيات  أيضا!

والعيب هنا ليس في وجود المصالح أو ارتباط كل فئة من هؤلاء بمصلحتها والتضحية في سبيلها، ولكن الخطر الداهم الذي يمثل أشنع أنواع التزوير للواقع والتزييف للتاريخ هو قلب الأدوار رأسا على عقب، وانتحال صفات المصالح "الوطنية العليا" خبثا وغشا وخداعا ونفاقا، كمحاولة تغليف المصالح الفردية بالمصالح العامة، والمصالح الدنيا والدنيئة بالمصالح العليا والبريئة، وتغليف مخططات الاستدمار بالعقلانية والموضوعية، وتلميع الخيانة بالوطنية، والعمالة بالخبرة والعبقرية، وتبرير الانقلاب بالانتخاب، وتزوير الاستبداد بالأغلبية، وخدمة الفرنكفونية (الإيديولوجية) بالانفتاح على اللغات الأجنبية، وضرب الثوابت الوطنية في الصميم القاتل بحجة إصلاح المنظومة القانونية والتربوية..



وعلى ذكر المصالح التي تلاعبت بالمنظومة التربوية بالآمس، يقول الخبير الوطني في الرياضيات الأستاذ الدكتور أبو بكر خالد سعد الله في مقال له في جريدة الشروق يوم 3 اكتوبر 2004: "كان أصحاب التصحيح الثوري مدركين لضرورة الرقي باللغة العربية بعد الاستقلال، باعتبارها ثابتة من الثوابت الوطنية، فعملوا على زحزحة تدريس اللغة الفرنسية تدريجيا في المدرسة الابتدائية، حتى جعلوها تدرس ابتداء من السنة الرابعة، أما خبراء (عهد المصالح) ، فرأوا عكس ذلك، وجعلوا تدريس اللغة الفرنسية ينزل (دون تدريج) من السنة الرابعة إلى السنة الثانية، وقاموا بذلك بعد إعداد مخطط على المقاس ظل سرا إلى اليوم سموه (إصلاح المنظومة التربوية) وما هو بإصلاح، كما أن خبراء هذه المنظومة في السابق كانوا يؤمنون بأنه لا تناقض بين تدريس الرياضيات والعلوم باللغة العربية، لتحتل مكانتها بين اللغات العالمية الأخرى، وبين التفتح على العالم الخارجي.. أما خبراء "المصالح" فهم مقتنعون بأن العلة، كل العلة، في التعليم عندنا تكمن في تدريس الرياضيات باستخدام الرموز العربية، وتكمن أيضا حسب دعواهم في تدريس العلوم باللغة العربية، وكأن اليابان ثاني دولة في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي يدرس أطفاله وطلبته العلوم بلغة أخرى غير اليابانية.. بل إن تعليم اللغات الأجنبية في اليابان يبدأ من سن 12 سنة. وهل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وبولندا وغيرها تدرس العلوم بغير لغاتها!؟" (انتهى النص.)

 فلماذا لا يقتدي هؤلاء "المَصالحيون" المدعون للوطنية عندنا زورا وبهتانا، بتعامل الوطنيين الفرنسيين "الدوغوليين أنفسهم" مع قوانين اللغة الفرنسية المطبقة عندهم بصرامة هناك أشبه بمحاربة حجاب بناتنا المسلمات على أرضهم وفي شواطئ بحرهم!؟

بل ولماذا لا يقتدون أيضا بالتطبيق الصارم لقوانين اللغة العبرية في دولة الكيان الغاصب  التي ينتمي لفيفها الحالي إلى أكثر من 120 قومية وجنسية أصلية، ويتحدثون في أسرهم ومحيطهم الخاص بعدد لغاتهم ولهجاتها المحلية، من فلاشات اثيوبيا واليهود العرب، إلى يهود فرنسا وألمانيا وبولونيا والاتحاد السوفييتي سابقا..

علما أن كل هؤلاء الأقوام، لا يجمعهم تحت قبة "الكنيست" أو دواليب الإدارة والمحيط وأجهزة الإعلام والمؤسسات التعليمية والعلمية في هذا الكيان، (من الحضانة حتى معهد وايزمان للدراسات النووية) سوى اللغة العبرية الوطنية والرسمية الوحيدة المطبقة هناك بالفعل (وليس بالقول) بحكم احترام مبدأ دولة القانون في هذا الكيان الذي يوجد له مجلس أعلى للقضاء ومحكمة عليا تحميه وتعاقب (دون استثناء) كل المتلاعبين فيه وبه، ابتداء من أبسط موظف إلى أعلى لواء في الجيش ورئيس الوزراء، بل ورئيس الكيان العبري ذاته كما رأينا سجنه تطبيقا للقانون المطبق على الجميع دون استثناء من الخفير إلى الرئيس و الوزير!! ونحن مايزال قانون استقلالنا معطلا ومجمدا منذ ثلث قرن وقد مر عليه 5 رcساء وهو تحت التجميد وما يزال يقول هل من مزيد!؟

ونذّكر المؤمنين من الجزائرين هنا وللتاريخ نقول لهم بأن في حكومة (دولة الكيان) المقدسة لقانون اللغة العبرية في فلسطين المحتلة توجد وزارة للأديان رغم أنها ثلاثة فقط. (هي اليهودية والإسلام والمسيحية) ولكن لم يكن ولن يكون أبدا لهذه الحكومة وزارة للغات المحلية أو الأجنبية، رغم أن هذه اللغات تعد بالعشرات كما أسلفنا لأن الدولة تضم بين حاملي جنسيتها أكثر من 120 جالية تنتمي بجنسيتها ولغاتها الأصلية ولغات أمهات مواطنيها المنتمين في الأصل إلى أكثر من  12 دولة أجنبية (.. من روسيا والمغرب إلى بولونيا وأوكرانيا وألمانيا وإيران وتركيا وفرنسا وإثيوبيا..) طبقوا القانون  مثل هؤلاء  وأولئك واطلبوا الانفتاح المباح والمقنن في إطار المصلحة الوطنية بما بخدم الهوية والوحدة الترابية والشعبية للوطن والأمة!!

اطلبوا هذه القاعدة الذهبية في قانون الدولة الفرنسية أوالدولة العبرية وذلك أضعف الايمان  وأقل ما يمكن الاقتداء به في هذا الزمان بين الدول والشعوب والأوطان!؟
التعليقات (0)