في توقيت بالغ الدلالة، أصدرت مجلة "الإيكونوميست"
عددها الجديد الذي يتناول الإسلام في
أوروبا، بالتزامن مع إحياء الذكرى الخامسة
والعشرين لهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، وهي الهجمات التي
أعادت تشكيل علاقة الغرب بالإسلام والمسلمين، وأطلقت ما عُرف لاحقا بـ "الحرب
على الإرهاب".
واختارت المجلة أن تضع على غلاف عددها
الصادر في 12-18 أيلول/سبتمبر 2026 عنوانا مباشرا: "الإسلام في أوروبا..
الحقيقة والأكاذيب"، في إشارة إلى ما تعتبره المجلة فجوة بين واقع المسلمين
في القارة وبين الصور والمخاوف التي أحاطت بوجودهم خلال ربع القرن الذي أعقب هجمات
11 سبتمبر.
ويأتي نشر الملف في 11 سبتمبر 2026 نفسه،
الذي تحل فيه الذكرى الخامسة والعشرون للهجمات التي أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف
شخص، وأعقبها تحول كبير في السياسات الأمنية والعسكرية الأمريكية والغربية، فضلا
عن تصاعد التدقيق والتمييز بحق المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا.
ربع قرن من "الحرب على الإرهاب"
وبعد 25 عاما على هجمات تنظيم القاعدة، يبدو
ملف "الإيكونوميست" بمثابة محاولة لإعادة النظر في إحدى أكثر القضايا
التي طبعت علاقة الغرب بالعالم الإسلامي منذ ذلك التاريخ: هل أصبح الإسلام بالفعل
تهديدا لأوروبا، أم أن الخوف منه تحول هو الآخر إلى ظاهرة سياسية؟
وتطرح المجلة إجابة تبدو واضحة من خلال
عناوين ملفها: الإسلام نفسه ليس الخطر الذي ينبغي لأوروبا أن تخشاه، وإنما تكمن
المخاطر في الإسلاموية المتطرفة من جهة، وفي الخوف من الإسلام وتحوله إلى قوة
سياسية من جهة أخرى.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الذكرى
الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، إذ إن تلك الهجمات لم تؤد فقط إلى حروب
أمريكية في أفغانستان والعراق، بل أسست أيضا لمرحلة طويلة من السياسات الأمنية
ومكافحة الإرهاب، وأثرت بصورة عميقة في صورة المسلمين والإسلام في المجتمعات
الغربية. وتشير مراجعات الذكرى الحالية إلى أن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة في
السياسة والأمن والحريات العامة حتى اليوم.
من "الإسلام" إلى "الإسلاموية"
وتحاول "الإيكونوميست"، بحسب
طرحها في الملف، إجراء تمييز بين الإسلام كدين وبين الإسلاموية كأيديولوجيا سياسية
والتطرف العنيف.
فالمجلة لا تنكر وجود تهديد إسلاموي أو
مشكلات مرتبطة بالتطرف، لكنها ترفض، في المقابل، أن يتحول ذلك إلى حكم على ملايين
المسلمين الأوروبيين بوصفهم كتلة واحدة أو باعتبار وجودهم في حد ذاته تهديدا
للمجتمعات التي يعيشون فيها.
وتقول المجلة إن الحديث عن "استيلاء
إسلامي" على أوروبا أو عن عملية شاملة لـ "أسلمة" القارة لا يتطابق
مع الواقع، معتبرة أن كثيرا من
المخاوف التي تصاعدت خلال السنوات الماضية غذتها
المبالغات السياسية أكثر مما غذتها الوقائع.
ما الذي تغير منذ 11 سبتمبر؟
وتكمن أهمية طرح "الإيكونوميست"
في أنه يأتي بعد جيل كامل تقريبا من أحداث 11 سبتمبر. فالشباب الذين ولدوا بعد
الهجمات أصبحوا اليوم في منتصف العشرينيات، فيما تحولت تجربة "الحرب على
الإرهاب" من حدث معاصر إلى ذاكرة تاريخية بالنسبة إلى جيل كامل.
وفي الولايات المتحدة، تحضر الذكرى الخامسة
والعشرون هذا العام باعتبارها مناسبة ليس فقط لاستذكار الضحايا، وإنما أيضا
لمراجعة الإرث الذي خلفته الهجمات؛ من الحروب في أفغانستان والعراق إلى توسيع
أجهزة الأمن والمراقبة، وما رافق ذلك من نقاشات حول الحريات المدنية والتعامل مع
المسلمين.
ومن هذه الزاوية، فإن ملف "الإيكونوميست"
حول الإسلام في أوروبا يأتي في لحظة تبدو مناسبة لإعادة طرح السؤال: بعد ربع قرن
من 11 سبتمبر، هل ما زال الغرب ينظر إلى الإسلام من خلال عدسة الإرهاب؟
"لا استيلاء إسلاميا".. ولكن
وترى المجلة أن الإجابة لا ينبغي أن تكون
بإنكار وجود مشكلات حقيقية. فهي تقر بوجود
تطرف إسلاموي، ومواقف اجتماعية محافظة لدى بعض المسلمين،
ومشكلات اندماج، وحالات إجرامية أثارت جدلا واسعا في بريطانيا ودول أوروبية أخرى. لكنها تحذر في الوقت ذاته
من الانتقال من الاعتراف بهذه المشكلات إلى اعتبار الإسلام والمسلمين مشكلة في حد
ذاتهم.
وبذلك تحاول المجلة، كما يظهر من الملف، رسم
خط فاصل بين مواجهة التطرف وبين تحويل الدين أو الهوية الدينية إلى موضع اتهام
جماعي.
اليمين الأوروبي في الصورة
ولا تنفصل هذه القضية، بحسب "الإيكونوميست"،
عن الصعود السياسي لليمين الشعبوي في أوروبا. فالهجرة والإسلام والهوية
الوطنية أصبحت جميعها ملفات انتخابية رئيسية، فيما تستفيد الأحزاب اليمينية من
المخاوف المرتبطة بالتغير الديموغرافي والثقافي.
لكن المجلة تحذر أيضا من الطرف المقابل:
إنكار المشكلات الحقيقية المرتبطة بالتطرف أو الاندماج لا يخدم المسلمين ولا
التيار الليبرالي، بل يترك هذه القضايا للخطاب اليميني المتطرف.
ومن هنا، يبدو أن الرسالة التي توجهها
المجلة هي أن أوروبا مطالبة بمواجهة التطرف الإسلاموي والإسلاموفوبيا في الوقت
نفسه.
من 11 سبتمبر إلى 2026
وبعد مرور ربع قرن على الهجمات، يمكن قراءة
غلاف "الإيكونوميست" بوصفه جزءا من نقاش غربي أوسع حول إرث 11 سبتمبر. فإذا كان السؤال في
السنوات الأولى بعد الهجمات هو: كيف يحمي الغرب نفسه من الإرهاب الإسلاموي؟، فإن
السؤال الذي تطرحه المجلة اليوم يبدو أكثر تعقيدا: كيف تواجه أوروبا التطرف من دون
أن تختزل الإسلام في الإرهاب، وكيف تواجه الإسلاموفوبيا من دون أن تنكر وجود التطرف؟
وهذا هو السياق الذي يعطي عنوان الغلاف «"الإسلام
في أوروبا: الحقيقة والأكاذيب" دلالته الأوسع؛ فالمجلة لا تقول إن جميع
المخاوف من الإسلام مختلقة، ولا تقول إن أوروبا خالية من مشكلات التطرف، لكنها
ترفض أيضا الرواية التي تصور القارة وكأنها تواجه مشروعا إسلاميا موحدا للاستيلاء
عليها.
وبعد 25 عاما من 11 سبتمبر، تبدو "الإيكونوميست"
وكأنها تدعو إلى إعادة تعريف المشكلة: ليس "الإسلام" هو الخصم، وإنما
التطرف من جهة، والخوف الجماعي من الإسلام من جهة أخرى.