من يدخل صنعاء؟ السؤال الخطأ

عادل الحامدي
ليست المعركة الحقيقية هي من سيصل إلى صنعاء أولاً، بل هل يستطيع اليمن أن يصل إلى نفسه؟ الأناضول
ليست المعركة الحقيقية هي من سيصل إلى صنعاء أولاً، بل هل يستطيع اليمن أن يصل إلى نفسه؟ الأناضول
شارك الخبر
تعود صنعاء إلى واجهة الحرب اليمنية من جديد، لكن هذه المرة وسط حديث متصاعد عن هجوم مضاد للقوات الموالية للحكومة واستعادة مناطق خاضعة للحوثيين، وعن إمكانية الاقتراب من العاصمة التي ظلت منذ سنوات عنواناً للحرب ومركزاً للصراع على اليمن.

غير أن الوصول إلى صنعاء ليس مجرد مسألة عسكرية. فالعاصمة التي تبدو على الخرائط هدفاً استراتيجياً، هي في الواقع مدينة يسكنها ملايين اليمنيين، وتحمل ذاكرة بلد كامل، وتختصر في شوارعها ومؤسساتها وأسواقها ومنازلها آثار أكثر من عقد من الانقسام والحرب.

لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل يمكن استعادة صنعاء؟ وإنما: ماذا سيحدث لليمن إذا استُعيدت؟

اليمن في قصيدة المقالح

كانت علاقتي بشعر عبد العزيز المقالح دائماً تتجاوز علاقة القارئ بشاعر. كنت أجد في قصائده اليمن، لا بوصفه جغرافيا فحسب، وإنما بوصفه ذاكرة ووجعاً وحلماً مؤجلاً. ولذلك، وأنا أتابع اليوم ما يجري حول صنعاء، عادت إلى ذاكرتي قصيدته "الاختيار".

أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظة استعادة صنعاء هو التعامل معها باعتبارها غنيمة عسكرية. فالقوة التي تدخل العاصمة ستواجه منذ اللحظة الأولى سؤالاً أكبر من السيطرة على الشوارع: كيف تتعامل مع مدينة عاشت سنوات تحت سلطة الحوثيين؟ وكيف تتعامل مع الموظفين والجنود والأسر التي تكيفت مع واقع الحرب؟ وكيف تمنع أن يتحول الانتصار العسكري إلى تصفية حسابات جماعية؟
كتب المقالح القصيدة في وقت مبكر، لكن الشعر الحقيقي لا يعيش في زمن كاتبه وحده. إنه يعبر الزمن، وقد يحدث أن تكتب القصيدة في الأمس فتجد نفسك تقرؤها اليوم وكأنها كُتبت لهذه اللحظة.

في "الاختيار" يقف الشاعر أمام مفترقات قاسية: بين الحزن والموت، بين الصمت والصوت، بين اللطمة والطلقة، وبين السوط والسيف. ليست المسألة مجرد مفاضلة بين كلمات متقابلة، وإنما سؤال عن الإنسان حين تضيق أمامه الخيارات، وحين يصبح الاختيار نفسه امتحاناً للكرامة والحياة.

ولعل اليمن اليوم يقف أمام شيء من ذلك الامتحان. بلد أنهكته سنوات الحرب، وتنقل بين سلطة الأمر الواقع وتدخلات الخارج، وبين جبهات مفتوحة ومفاوضات مغلقة، وبين حلم الدولة وواقع السلاح. ولهذا تبدو صنعاء أكثر من عاصمة تنتظر تبدل السلطة فيها؛ إنها اختبار لما إذا كان اليمن قادراً على الخروج من منطق الحرب نفسها. فهل سيكون الخيار هذه المرة بين قوة وقوة، أم أن اليمنيين قادرون على صناعة خيار ثالث: الدولة؟

صنعاء ليست غنيمة

أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظة استعادة صنعاء هو التعامل معها باعتبارها غنيمة عسكرية. فالقوة التي تدخل العاصمة ستواجه منذ اللحظة الأولى سؤالاً أكبر من السيطرة على الشوارع: كيف تتعامل مع مدينة عاشت سنوات تحت سلطة الحوثيين؟ وكيف تتعامل مع الموظفين والجنود والأسر التي تكيفت مع واقع الحرب؟ وكيف تمنع أن يتحول الانتصار العسكري إلى تصفية حسابات جماعية؟

لا يمكن بناء دولة على قاعدة أن سكان منطقة ما مسؤولون جماعياً عن سلطة حكمتهم. فالتحرير الذي يتحول إلى انتقام يفقد معناه السياسي والأخلاقي. أما الانتصار الذي يحمي المدنيين، ويفتح السجون، ويحفظ مؤسسات الدولة، ويمنع النهب، ويضمن عودة القانون، فيمكن أن يتحول إلى بداية سياسية حقيقية. وهنا تحديداً يكمن الفارق بين استعادة مدينة واستعادة دولة.

استعادة الدولة أهم من استعادة العاصمة..

يمكن تغيير السيطرة على صنعاء في أيام، لكن استعادة الدولة قد تحتاج سنوات. الدولة ليست القصر الجمهوري، ولا الوزارات، ولا العلم الذي يرفرف فوق مبنى حكومي. الدولة هي مؤسسة لا تخضع للمليشيا، وقضاء يستطيع أن يقول كلمته، وجيش لا يدين بالولاء إلا للدولة، واقتصاد قادر على دفع الرواتب، ومواطن يعرف أن القانون يحميه بصرف النظر عن منطقته أو انتمائه السياسي.

إن أي تقدم عسكري باتجاه صنعاء لا يُقرأ في صنعاء وحدها، بل في الرياض وطهران والعواصم التي تنظر إلى اليمن باعتباره جزءاً من توازنات إقليمية أوسع.
ومن هنا، فإن معركة صنعاء الحقيقية ستبدأ في اليوم التالي لدخولها. فإذا دخلتها قوات تحمل مشروعاً واضحاً لإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد السلطة العسكرية والأمنية، وإطلاق مسار سياسي يستوعب اليمنيين، فإن استعادتها قد تكون نقطة تحول. أما إذا دخلتها قوة مسلحة لتبدأ مرحلة جديدة من توزيع النفوذ والثروة والمناصب، فإن النتيجة قد لا تتجاوز استبدال سلطة أمر واقع بسلطة أمر واقع أخرى. وهذا هو الخطر الذي يجب ألا يغيب عن الحسابات العسكرية والسياسية.

السعودية ليست خارج المعادلة

لا يمكن قراءة التطورات حول صنعاء بمعزل عن الدور السعودي في الحرب اليمنية. فالقوات المناهضة للحوثيين لا تتحرك في فراغ إقليمي، والسعودية ظلت طوال سنوات الحرب الطرف الخارجي الأكثر حضوراً في دعم الحكومة والقوى المناوئة للحوثيين. ولهذا فإن أي تقدم عسكري باتجاه صنعاء لا يُقرأ في صنعاء وحدها، بل في الرياض وطهران والعواصم التي تنظر إلى اليمن باعتباره جزءاً من توازنات إقليمية أوسع.

وهذا يفسر، جزئياً، لماذا لا تبقى المواجهة محصورة داخل الجغرافيا اليمنية. فحين تتعرض السعودية لهجمات من الحوثيين، لا يعود الصراع مجرد معركة على طريق صنعاء. يصبح استهداف الداعم الإقليمي محاولة لتغيير كلفة الحرب نفسها، ودفع الطرف الآخر إلى حسابات مختلفة. وبذلك تنتقل المعركة من سؤال السيطرة على الأرض إلى سؤال القدرة على تحمّل الحرب واتساعها.

لكن هذه المعادلة تحمل مفارقة خطيرة: كلما اتسع الصراع خارج اليمن، أصبح اليمنيون أقل قدرة على التحكم في مساره. وهنا ينبغي أن تكون الأولوية واضحة: لا ينبغي أن تتحول صنعاء إلى مدخل لحرب إقليمية جديدة، كما لا ينبغي أن تتحول السعودية إلى ساحة بديلة للصراع اليمني.

المطلوب في النهاية ليس نقل خطوط النار من مدينة إلى أخرى، وإنما إنهاء المنطق الذي جعل اليمن ساحة مفتوحة للصراع الداخلي والإقليمي في آن واحد.

فلسطين في قلب المفارقة اليمنية

وتزداد الصورة تعقيداً مع حضور فلسطين في خطاب الحوثيين وسلوكهم العسكري. فمنذ اندلاع حرب غزة، جعل الحوثيون البحر الأحمر جزءاً من معادلتهم العسكرية، وأعلنوا استهداف سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إليها، كما نفذوا هجمات باتجاه إسرائيل، مقدمين ذلك باعتباره إسناداً للفلسطينيين وضغطاً لوقف الحرب على غزة.

يمكن رفض سلطة الحوثيين وعسكرة الدولة وانتهاكات حقوق اليمنيين، من دون إنكار أن فلسطين أصبحت عنصراً مؤثراً في خطابهم وفي المعادلة الإقليمية التي تتحرك من خلالها الجماعة. وفي المقابل، فإن دعم فلسطين لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة اليمنية.
وهنا أيضاً لا ينبغي اختزال المشهد. يمكن رفض سلطة الحوثيين وعسكرة الدولة وانتهاكات حقوق اليمنيين، من دون إنكار أن فلسطين أصبحت عنصراً مؤثراً في خطابهم وفي المعادلة الإقليمية التي تتحرك من خلالها الجماعة. وفي المقابل، فإن دعم فلسطين لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة اليمنية.

هذه معادلة يفترض أن تكون واضحة: لا فلسطين ضد الدولة، ولا الدولة ضد فلسطين. اليمنيون يستطيعون أن يحتفظوا بموقفهم من القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يطالبون بدولة تحتكر السلاح والقرار والحرب والسلام.

ماذا بعد صنعاء؟

ربما يكون هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق المعركة، لا أن يأتي بعدها. ماذا سيحدث للموظف الذي عمل سنوات في مؤسسات الدولة تحت سلطة الحوثيين؟ ماذا سيحدث للجندي الذي وجد نفسه في طرف من أطراف الحرب؟ كيف ستتعامل السلطة الجديدة مع الأسر التي فقدت أبناءها في الحرب؟ هل ستُفتح أبواب المصالحة أم أبواب الانتقام؟ ومن سيحكم صنعاء بعد انتهاء المعركة؟ وهل سيكون الحكم انتقالياً يستوعب الجميع، أم بداية لصراع جديد على النفوذ؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد معنى التحرير. فالعاصمة ليست جزيرة معزولة عن بقية اليمن. وحتى لو تغيرت السلطة فيها، فإن البلد سيظل بحاجة إلى تسوية سياسية، وإلى مؤسسات موحدة، وإلى معالجة آثار الحرب في الجنوب والشمال والشرق والغرب، وإلى اقتصاد قادر على إعادة إنتاج الحياة.

ولهذا فإن الوصول إلى صنعاء قد يكون نهاية مرحلة عسكرية، لكنه لن يكون نهاية الأزمة اليمنية.

درس دمشق

التجارب القريبة تقدم تحذيراً واضحاً: سقوط السلطة أو تغير السيطرة على العاصمة لا يعني تلقائياً ولادة دولة مستقرة. وتجربة دمشق بعد التحولات التي شهدتها سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024، مع اختلاف السياقات والفاعلين وطبيعة الصراع، تذكّر بأن العاصمة يمكن أن تكون لحظة سياسية ورمزية ضخمة، لكنها لا تختصر الدولة. وهذا الدرس ينبغي أن يُقرأ في صنعاء قبل المعركة، لا بعدها. فالسؤال الذي يجب أن يسبق دخول العاصمة ليس فقط: من سيدخل؟ بل: بأي مشروع سيدخل؟

إذا كان المشروع هو دولة وقانون ومؤسسات ومصالحة وحماية للمدنيين، فإن صنعاء يمكن أن تكون بداية مرحلة جديدة. أما إذا كان المشروع مجرد انتصار عسكري وتوزيع جديد للنفوذ، فإن الحرب لن تكون قد انتهت؛ ستكون قد دخلت طوراً آخر.

الاختيار الثالث

ربما لهذا تبدو قصيدة المقالح حاضرة في هذه اللحظة أكثر مما ينبغي لقصيدة قديمة. فاليمن اليوم لا يحتاج إلى اختيار بين شكل وآخر من الموت، ولا إلى استبدال سوط بسيف أو بندقية بأخرى. يحتاج إلى الخروج من منطق الاختيارات التي فرضتها الحرب عليه طوال سنوات. يحتاج إلى اختيار مختلف. اختيار الدولة على المليشيا. اختيار القانون على القوة. اختيار المواطنة على الثأر. واختيار السلام الذي يحفظ الكرامة على الحرب التي تعيد إنتاج نفسها.

صنعاء لا تحتاج فقط إلى من يدخلها، بل إلى من يعرف ماذا سيفعل بعد الدخول. لا تحتاج إلى مدينة منتصرة على مدينة مهزومة، وإنما إلى عاصمة تتسع لكل اليمنيين. ولا تحتاج إلى راية جديدة فوق مبنى قديم، بقدر ما تحتاج إلى دولة يشعر المواطن، للمرة الأولى منذ سنوات، أنها دولته.

في النهاية، ليست المعركة الحقيقية هي من سيصل إلى صنعاء أولاً، بل هل يستطيع اليمن أن يصل إلى نفسه؟ وربما يكون هذا هو "الاختيار" الذي لم يكن المقالح يكتبه عن صنعاء وحدها، بل عن الإنسان حين يجد نفسه أمام مفترق لا يريد أن يختار فيه الموت.

فبعد كل هذه السنوات، قد يكون الاختيار الثالث ممكناً أخيراً: أن ينتصر اليمن على الحرب، لا أن ينتصر طرف على طرف.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)