طرحت مجلة "فورين
أفيرز" تساؤلا بشأن سبب عجز الولايات المتحدة عن خنق
إيران، وفشلها في
الحرب
الاقتصادية الموجهة إلى طهران، متطرقة إلى تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت
بيسنت التي قال فيها إننا نشن هجوما اقتصاديا كاسحا على الروابط المالية لإيران
حول العالم.
ولفتت المجلة في تقرير
ترجمته "
عربي21" إلى أن بيسنت تحدث بوضوح عن هدف قطع كل شريان حياة
اقتصادي يبقي النظام الإيراني قائما، مضيفة أن هذا هو التعهد ذاته الذي قطعه في
نيسان/ أبريل الماضي، يحن قال إن الولايات المتحدة تفرض حصارا ماليا خانقا على
النظام الإيراني.
كما كان المشهد مشابها
لإطلاق حملة "أقصى ضغط" التي تبنتها إدارة ترامب الأولى في أيار/ مايو
2018، حين أعلن وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو أن إيران ستواجه "أقوى
عقوبات في التاريخ". وبدا الأمر أيضا وكأنه صدى لتعهد الرئيس الأمريكي باراك
أوباما عام 2012 بأن الحكومة الإيرانية ستواجه "عقوبات أكثر تدميرا".
لقد عانى الاقتصاد الإيراني
بلا شك من تبعات كل هذه القيود المتلاحقة؛ فمنذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي
دونالد ترامب، شهدت البلاد نموا ضئيلا ومعدلات تضخم مرتفعة. ونتيجة لذلك، قلصت
الشركات الإيرانية استثماراتها في البنية التحتية وأبطأت وتيرة تبني التقنيات الجديدة
مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات النامية الأخرى. كما أصبحت الأسر الإيرانية -التي
كانت تتمتع بمستوى متزايد من الرخاء، مهددة الآن بالهبوط إلى ما دون خط الفقر
الرسمي.
ومع ذلك، نجحت إيران طوال
معظم العقد الماضي في الصمود أمام سياسة الإكراه الاقتصادي الأمريكية. وحتى الحصار
الأخير، لجأت طهران إلى أساليب للالتفاف على
العقوبات لمواصلة تصدير النفط إلى
عميلها الرئيسي، الصين. كما تكيفت صناعاتها غير النفطية مع العقوبات، إذ أدى
انخفاض قيمة العملة إلى تراجع المنافسة من الواردات وجعل المنتجات الإيرانية أكثر
قدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية، مما عزز الصادرات. وبهذا، تجنبت إيران
الانهيار الاقتصادي الجامح الذي شهدته دول أخرى خضعت للعقوبات، مثل سوريا وفنزويلا.
اظهار أخبار متعلقة
واليوم، تضع الحرب صمود
الاقتصاد الإيراني على المحك بطرق لم تكن العقوبات وحدها قادرة على إحداثها.
استهدفت غارات جوية أمريكية وإسرائيلية عديدة منشآت صناعية حيوية، بما في ذلك بعض
أهم مصانع الصلب والبتروكيماويات في إيران. وقد أدت الأضرار الناجمة عن هذه
الهجمات إلى توقف كبير في إنتاج سلع صناعية رئيسية. ولم يقتصر أثر التراجع العام
في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز على خفض صادرات إيران فحسب، بل أدى أيضا
إلى عرقلة استيراد سلع رأسمالية واستهلاكية تشتد الحاجة إليها.
ومع ذلك، ورغم تدهور الوضع
الاقتصادي في البلاد، لا تزال القيادة الإيرانية قادرة على مقاومة الآثار القسرية
للعقوبات بأكثر مما قد يبدو للعيان، إذ لم تؤثر حالة الاقتصاد بعد على قدرة إيران
على خوض الحروب. ولا يزال مخزون السلع المختلفة وفير بفضل سنوات من الخبرة في
التعامل مع العقوبات. وعلاوة على ذلك، نجحت الدولة الإيرانية في تحميل المواطنين العاديين العبء الأكبر من
المعاناة الاقتصادية، مع ضمان تلبية احتياجاتها الخاصة في الوقت ذاته.
تشريح الأزمة
أقر المسؤولون الإيرانيون
بالصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد. ففي 21 آب/ أغسطس، صرح محمد باقر
قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وأحد أبرز صناع القرار، قائلا: "مهما بلغت
قوتنا العسكرية، فإننا لن نصمد إذا كان الشعب يعاني الجوع وغابت الدورة المالية
والنمو الاقتصادي والإنتاج المحلي". (وقد استشهد بيسنت بهذه المقولة كدليل
على أن الحرب الاقتصادية الأمريكية تحقق أثرها المنشود). وخلال مقابلة تلفزيونية
الأسبوع الماضي، أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن استيائه من استمرار بعض
القادة السياسيين في إنكار حقيقة أن العقوبات تلحق الضرر بالبلاد. قال: "يقول
البعض إن العقوبات لا تأثير لها على الإطلاق؛ والحقيقة أنني لا أعرف ما يمكنني
قوله لهؤلاء".
تعكس تصريحات قاليباف
وبزشكيان قلقا حقيقيا بشأن المسار الاقتصادي لإيران؛ إذ يشعر كل من رئيس البرلمان
والرئيس بالقلق -وهو أمر مفهوم- إزاء تدهور الرأي العام، نظرا للروابط المتأصلة
بين الرفاه الاقتصادي العام والشرعية السياسية. ومع ذلك، ينبغي على المسؤولين
الأمريكيين الحذر من المبالغة في تفسير هذه التصريحات؛ فعلى عكس ما قد يبدو، لا
يشير أي من الزعيمين إلى أن اقتصاد البلاد على وشك الانهيار.
وقال إن التقييمات
الأمريكية للاقتصاد الإيراني وفعالية الإكراه الاقتصادي، تغفل الطريقة التي غيرت
بها العقوبات الاقتصاد السياسي لإيران، حيث أدت إلى تعديل توزيع الموارد
الاقتصادية بطرق تعزز هيكل السلطة القائم. فالقادة الإيرانيون الذين يرفعون
أصواتهم أكثر من غيرهم بشأن معاناة عامة الناس لا يخشون انهيارا اقتصاديا وشيكا
للبلاد، بل يعترضون على توافق سياسي مكن النخب الإيرانية لفترة طويلة من تحميل
عامة الناس -عن عمد- عبء ضغوط العقوبات.
ولعل الأهم من ذلك هو أن
التقييمات الأمريكية للاقتصاد الإيراني تغفل ديناميكيات مهمة. فعادة ما توصف آثار
العقوبات من خلال مؤشرات الاقتصاد الكلي، بما في ذلك معدلات النمو والتضخم وانخفاض
قيمة العملة. لكن هذه المقاييس تعكس في المقام الأول مستويات الأسعار، أي قيمة
السلع والخدمات؛ فهي تقدم -بمعنى آخر- نظرة مالية للاقتصاد لا نظرة وظيفية. ولتبني
منظور وظيفي، لا بد من النظر إلى الديناميكيات على مستوى الشركات والأسر؛ فهذه
الديناميكيات تكشف سبب عدم استسلام إيران رغم الأرقام المتدهورة التي تتصدر عناوين
الأخبار.
اظهار أخبار متعلقة
تتمثل المعضلة الأساسية
التي تواجه صناع السياسات في أي بلد يخضع لعقوبات شاملة في كيفية التعامل مع نقاط
الضعف في ميزان المدفوعات، مثل نفاد العملة الأجنبية اللازمة لدفع تكاليف
الواردات. وهناك، بشكل عام، نهجان للتعامل مع هذا الوضع: يمكن لصناع السياسات
استخدام سياسة نقدية توسعية لتحفيز الاستثمار، واستعادة الفائض التجاري من خلال
مزيج من زيادة الصادرات ورفع معدلات الإنتاج المحلي. وكبديل لذلك، يمكنهم اللجوء
إلى التشديد النقدي وإجراءات التقشف لكبح الطلب على الواردات، وبالتالي استعادة
الفائض التجاري مع الحفاظ على مستويات الصادرات ذاتها.
عندما واجه صناع السياسات
الروس عقوبات كبيرة عقب غزو أوكرانيا، اختاروا النهج الأول؛ وهو ما خلق
"اقتصاد حرب" متميزا. كان هذا الإنفاق ضروريا لزيادة الإنتاج العسكري،
لكنه أدى أيضا إلى تنشيط سوق العمل بشكل كبير. وهذا مكن روسيا من المضي قدما في
تحقيق أهدافها الحربية رغم ضغوط العقوبات الأمريكية.
في المقابل، اختار
المسؤولون الإيرانيون المسار الثاني؛ فعندما أدت العقوبات المالية وعقوبات الطاقة
الكبرى -التي فرضتها إدارة أوباما- إلى دفع إيران نحو الركود لأول مرة عام 2012،
دعا المرشد الأعلى علي خامنئي إلى تبني "اقتصاد المقاومة"، مع التركيز
على القدرات المحلية لمواجهة ضغوط العقوبات. غير أن صناع السياسة الاقتصادية في
إيران لم ينجحوا قط في تطبيق سياسة صناعية جديدة أو إنشاء نظام جديد للرعاية
الاجتماعية؛ بل اكتفوا بتقبل التضخم، مما أدى عمليا إلى تحويل عبء العقوبات من الحكومة
إلى كاهل الأسر والشركات.
قد يبدو هذا للوهلة الأولى
فشلا في السياسة المتبعة، لكن السلطات الإيرانية تبدو في الواقع راضية تماما عن
تباطؤ النشاط الاقتصادي؛ إذ تعتقد أن ذلك سيمنحها القدرة على الصمود في مواجهتها
مع الولايات المتحدة.
أوقات الرخاء وأوقات الشدة
وتكشف البيانات الاقتصادية
الجزئية عن آثار الضغوط الأمريكية على النشاط الاقتصادي على مستوى الشركات والأسر.
وتُظهر مراجعة بيانات "مؤشر مديري المشتريات" -التي جمعتها غرفة التجارة
الإيرانية- بوضوح كيف تفاقمت الأزمة الاقتصادية في البلاد؛ ففي الفترة ما بين عامي
2019 و2023، شهد الاقتصاد الإيراني ككل انكماشا استمر لثلثي تلك المدة، وذلك نتيجة
لعقوبات "الضغط الأقصى" التي فرضها ترامب في البداية، وجائحة كوفيد-19،
والاضطرابات المرتبطة باحتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية".
ومع ذلك، حققت الصناعات
الإيرانية غير النفطية نموا متواضعا طوال تلك الفترة. بل إن إيران بدأت في مطلع
عام 2023 بالخروج من حالة الركود الطويلة التي عانت منها، حيث نما الاقتصاد الكلي
والقطاع الصناعي جنبا إلى جنب. وبحلول أذار/ مارس 2024، بدأت مستويات المعيشة في
الارتفاع مجددا، مدعومة بزيادة بلغت نحو 15% في الدخل الحقيقي.
غير أن هذا التعافي تعرقل
بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران في نيسان/ أبريل 2024. ومنذ ذلك الحين،
أدت حالة عدم اليقين الاقتصادي المرتبطة بالصراع العسكري المتكرر إلى تراجع مستمر
في النشاط الصناعي، مما دفع إيران نحو ركود أعمق. لكن الشركات الإيرانية طورت -على
مدى العقدين الماضيين- ممارسة الاحتفاظ بمخزونات كبيرة.
وتتيح هذه الممارسة للشركات
تخفيف آثار العقوبات على سلاسل التوريد، كما تساعد في تعزيز الميزانيات العمومية
ووفقا للبيانات الصادرة عن الشركات المدرجة في بورصة طهران، يبلغ متوسط "عدد
أيام بقاء المخزون" في الصناعات الإيرانية نحو ثلاثة أشهر. وفي القطاعات
الحساسة -مثل قطاع الآلات الكهربائية الذي استُهدف بشدة بالقيود الأمريكية- تحتفظ
الشركات بمخزونات تكفي لفترة تصل إلى 200 يوم.
لقد شكلت هذه المخزونات
الكبيرة مصدرا مهما للمرونة الاقتصادية خلال الحرب؛ فقد تعرضت سلاسل التوريد
الإيرانية لضغوط مع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز، ولم يكن التحول نحو التجارة
البرية كافيا لتعويض فقدان حركة الحاويات عبر الموانئ الجنوبية للبلاد. ومع ذلك،
وبفضل توفر مخزون وافر من المواد الخام والسلع نصف المصنعة والمنتجات النهائية،
تمكن المنتجون الإيرانيون من مواصلة تزويد عملائهم باحتياجاتهم، أو على الأقل
تزويد العملاء القادرين على الدفع.
اظهار أخبار متعلقة
واصلت الشركات رفع الأسعار
لحماية هوامش ربحها، محملة المستهلكين عبء ارتفاع تكاليف المدخلات. ومع استمرار
الحرب، أدت هذه الأسعار المرتفعة إلى تراجع حاد في الطلب؛ إذ بدأت الأسر الإيرانية
في تقليص استهلاكها. وعندما تضطر للشراء، أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الائتمان
الاستهلاكي، بما في ذلك أنظمة "الشراء الآن والدفع لاحقا" والقروض غير
الرسمية. وحتى في فئات أساسية مثل الغذاء، أفاد تجار التجزئة الإيرانيون بانخفاض
حجم المبيعات.
يُعد الانخفاض الحاد في
استهلاك الأسر دليلا واضحا على تدهور الرفاه الاقتصادي في إيران، وهو ما أجبر
المسؤولين الإيرانيين على الإقرار بالمعاناة التي يواجهها عامة الناس. ومع ذلك،
فشلت الحكومة حتى الآن في التدخل لكبح جماح الأسعار المتصاعدة. بل قبلت التضخم
كشرٍّ لا بد منه للحفاظ على مستويات إنفاقها. ومع بقاء معدل التضخم الشهري دون
مستوى 10%، لا تزال إيران بعيدة كل البعد عن التضخم المفرط -الذي يتسم بمعدلات
شهرية تتجاوز 50%- والذي من شأنه أن يجعل استراتيجية الحكومة غير قابلة للاستمرار.
في غضون ذلك، وفر انخفاض
النشاط الاقتصادي صمامات أمان للاقتصاد الحقيقي. فمن الناحية المالية، بات وضع
الاقتصاد الإيراني أسوأ مما كان عليه عند اندلاع الحرب، ولكن من الناحية
التشغيلية، ظلت مستويات المخزون دون تغيير عما كانت عليه في كانون الأول/ ديسمبر
2025، وقد يصل العرض والطلب إلى توازن جديد عند مستوى أدنى من النشاط الاقتصادي
العام. وتظل نقطة الضعف الأبرز لإيران في مواجهة العقوبات والحصار هي حاجتها
المستمرة للواردات.
وفي المحصلة عندما استدعى
"بيسنت" صورة "يوم الإنزال" (D-Day) الاقتصادي في مؤتمره الصحفي الذي عقده في شهر آب/ أغسطس، أغفل النظر في
هوية الطرف الذي يقف في الجانب المقابل لغزوه المخطط له. ورغم أن الأمر قد لا يبدو
كذلك، فإن نجاح السلطات الإيرانية في تحميل عامة الناس تكاليف كل من العقوبات
والحرب يمثل شكلا من أشكال التعبئة في زمن الحرب. قد لا يرغب الإيرانيون العاديون
في الانخراط في مثل هذه التعبئة، لكنهم لا يملكون خيارا آخر.
ولذلك ولكي تخرج منتصرة في
حربها الاقتصادية، سيتعين على إدارة ترامب خنق 25 مليون أسرة وأكثر من مليون شركة؛
غير أنه في الوقت الذي تتباطأ فيه وتيرة التنفس في أجزاء من الاقتصاد الإيراني،
ستظل هناك وفرة من الأكسجين متاحة لنخبة البلاد.