كيف يؤثر الوضع في الضفة الغربية على الانتخابات الإسرائيلية؟

عبد الرحمن مجدي الحداد
"تزداد اقتحامات المستوطنين لمدن الضفة الغربية والاعتداءات على الأهالي في القرى الفلسطينية"- الأناضول
"تزداد اقتحامات المستوطنين لمدن الضفة الغربية والاعتداءات على الأهالي في القرى الفلسطينية"- الأناضول
شارك الخبر
تعتبر الضفة الغربية الآن واحدة من أهم الملفات على الساحة الإسرائيلية، إن لم تكن أهم ملف. فبعد أن كانت ملفا ثانويا عندما كانت حرب غزة في ذروتها، أصبحت الآن الملف رقم واحد في حسابات السياسيين والعسكريين الإسرائيليين.

وتدخل إسرائيل الآن مرحلة مهمة جداً، وهي مرحلة الانتخابات. كل طرف أو مرشح يحاول جذب أصوات الناخب الإسرائيلي بأي طريقة كانت، من الممكن أن تكون عن طريق دعاية انتخابية كأي مرشح، أو عن طريق قتل وتهجير أهالٍ. وتعد الضفة الغربية لبعض المرشحين الورقة الرابحة التي ستجعلهم يفوزون في الانتخابات، وهنا نطرح سؤال مهم جداً: ماذا يحدث في الضفة الغربية؟

تعيش الضفة الغربية حالة من التوتر مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، حيث كل يوم تزداد اقتحامات المستوطنين لمدن الضفة الغربية والاعتداءات على الأهالي في القرى الفلسطينية. وفي آب/أغسطس بلغت اعتداءات المستوطنين حوالي 628 اعتداء حسب تقارير المركز الفلسطيني للإعلام، وتوزعت الاعتداءات كالتالي: 157 اعتداء في رام الله والبيرة، 137 اعتداء في نابلس، 120 اعتداء في الخليل، 73 اعتداء في بيت لحم، 40 اعتداء في طوباس، 36 اعتداء في جنين، 31 اعتداء في القدس.

سياسات حكومية إسرائيلية هدفها تقسيم الضفة الغربية جزءاً تلو الآخر لكي تحتلها بالكامل مع مرور الوقت. ومع كل تلك السياسات الإسرائيلية، تقف السلطة الفلسطينية عاجزة عن فعل أي شيء لمواجهة هذا الاستيطان وهذه الاعتداءات

وتشمل تلك الاعتداءات إطلاق الرصاص الحي والمطاطي، تنفيذ هجمات منظمة على أطراف القرى وإطلاق النار باتجاه المنازل والأهالي، مما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من المدنيين، مثلما حدث في بلدتي سعير والمغير، واعتداءات بالضرب المبرح والملاحقة، والاعتداء بالعصا والأيدي على المزارعين والرعاة، أو حتى على الطواقم الصحفية، مثلما حدث مع طاقم شبكة "NBC" في بلدة جالود.

وفي بعض المدن الفلسطينية قامت حركات المستوطنين بإحراق منازل وبركسات زراعية، وخيام تسكنها عائلات بدوية. وأيضاً تخريب مقامات ومعالم تاريخية وتشويهها، كما حدث في بلدة عاتورا. وهناك اعتداءات على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، وهذا يشمل قطع وتخريب مئات أشجار الزيتون والأشجار المثمرة بهدف ضرب الاقتصاد المحلي للمزارعين، والاستيلاء على المواشي والأبقار التابعة للمزارعين الفلسطينيين، أو تسميم مصادر المياة التي تشرب منها الحيوانات لإجبار المزارعين على ترك أرضهم والرحيل. وأيضاً فرض حصار وإغلاق الطرق، مثل إغلاق مداخل المنازل أو التجمعات السكنية القريبة من المستوطنات بالبوابات الحديدية أو السواتر الترابية، مثل حصار عائلات منطقة رأس العين في بلدة قصرة، وإقامة نقاط تفتيش غير رسمية على الطرق الالتفافية بين القرى والمدن الفلسطينية، واستخدامها لرشق السيارات الفلسطينية بالحجارة والاعتداء على رقابها.

ولم تقتصر الاعتداءات على المستوطنين فقط، كان للجيش نصيب كبير في الاعتداءات. فحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، قام الجيش بـ1410 اعتداء خلال آب/أغسطس، توزعت على نابلس التي أخذت حصة الأسد في الاعتداءات، وتليها محافظة القدس ومحافظة نابلس. وتنوعت تلك الاعتداءات بين إقامة عشرات الحواجز العسكرية الثابتة والمتحركة وتفتيش المركبات والتنكيل بالمواطنين، وهذا أدى إلى شل حركة التنقل بين المدن والقرى، وبين تنفيذ مداهمات من بيت إلى بيت تخللها تخريب المحتويات وإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع، وأيضاً فرض حصار عسكري مشدد على بعض القرى، مثل قرية المغير شرق رام الله، عبر إغلاق أبوابها الحديدية ومنع دخول سيارات الإسعاف أو الدفاع المدني لمدة أسابيع. وهناك أيضاً مصادرة وتجريف للأراضي، حيث أصدر الجيش سلسلة أوامر عسكرية لمصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية وتجريفها لصالح شق طرق عسكرية جديدة أو حماية التوسع الاستيطاني.

وكانت للحكومة الإسرائيلية عدد من السياسات في الضفة الغربية في آب/أغسطس، مثل القرار الذي أصدره وزير الدفاع كاتس بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في المستوطنات من الجيش الإسرائيلي إلى الشرطة الإسرائيلية، التي تخضع بشكل مباشر الى أوامر الوزير المتطرف بن غفير. ويرى خبراء أن هذا القرار الخطير هو بمثابة انتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، وهو إعلان مبسطه بفرض السيادة المدنية الإسرائيلية على الضفة الغربية.

وطرحت الحكومة الإسرائيلية عطاءات لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية استيطانية في منطقةE1  شرق القدس المحتلة. وهذا المشروع كان مجمداً لسنوات بفعل الضغط الدولي لأنه يقسم الضفة الغربية جغرافياً إلى جزأين معزولين تماماً ويمحو التواصل الفلسطيني. وصادقت الحكومة أيضاً في 25 آب/أغسطس على إقرار وتعديل 18 منطقة نفوذ لمستوطنات تتوزع على 8 محافظات في الضفة، هذا القرار يمنح الصلاحية القانونية لمصادرة مساحات شاسعة لتوسعات مستقبلية ضخمة.
وأعلنت سلطات الاحتلال في 19 آب/أغسطس عن الاستيلاء على 1152 دونماً من أراضي بلدات سنجل، واللبن الشرقية، وقريوت، وجرى تحويلها قسراً لما يسمى أملاك حكومية بهدف توسيع مستوطنة كرمي عوز.

كل تلك سياسات حكومية إسرائيلية هدفها تقسيم الضفة الغربية جزءاً تلو الآخر لكي تحتلها بالكامل مع مرور الوقت. ومع كل تلك السياسات الإسرائيلية، تقف السلطة الفلسطينية عاجزة عن فعل أي شيء لمواجهة هذا الاستيطان وهذه الاعتداءات، سواء كانت من قبل الجيش أو المستوطنين. وتكتفي السلطة الفلسطينية فقط بإصدار بيانات الشجب والإدانة، واللجوء للقانون الدولي والأمم المتحدة لكي توقف سياسات إسرائيل الاستيطانية.

وإذا كان هذا هو شكل الضفة الآن، فلماذا أصبحت هذه السياسات مهمة للسياسي الإسرائيلي والناخب الإسرائيلي؟

أولاً، سأتحدث عن السياسي الإسرائيلي، وبالأخص اليمين المتطرف. اليمين المتطرف بقيادة وزير الأمن القومي بن غفير ووزير المالية سموتريتش، يقود الحملات لاستيطان الضفة الغربية ويقود عنف المستوطنين ضد الأهالي في الضفة. لكن لماذا يهتم اليمين الإسرائيلي بالضفة الغربية إلى هذه الدرجة؟ اليمين الإسرائيلي هو تيار سياسي واجتماعي يقوم على القومية اليهودية المتطرفة، ويربط الهوية الإسرائيلية بالتوراة والتاريخ اليهودي. ويرى اليمين أن الضفة الغربية هي الأرض التي عاش فيها الأنبياء والآباء الأوائل، وأن من حقهم العودة لها. لذلك نرى أن اليمين المتطرف يقود العنف في الضفة الغربية، للعودة إلى الأرض عبر حد تعبيرهم، والانتخابات والحصول على أصوات اليمينيين هو شيء مهم جداً لهم.

وأمام كل هذا يقع نتنياهو؛ فهو يحاول أن يفوز في الانتخابات، بعد أن صرح أنه سيخسر بعض المقاعد إذا استمر الحال هكذا. لكنه يرى أن الوضع في الضفة الغربية قد يضره أكثر ما ينفعه، فقد يخسر أصوات الناخبين الغاضبين من عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وهذا في حالة استمرار هذا العنف.

ونتنياهو الآن في حالة من التشتت، لا يعرف في أي اتجاه يذهب، هل يذهب باتجاه بن غفير وسموتريتش ويصعّد العنف في الضفة الغربية على أمل نجاحه في الانتخابات؟ أم يذهب في الاتجاه المعاكس على أمل الحصول على مقاعد أكثر؟ إذا اختار نتنياهو الخيار الثاني سيخسر حلفاءه المتمثلين في بن غفير وسموتريتش، وهم من يحملون حكومته لذلك وجودهم بجانبه مهم جداً. وهنا نعود للسؤال الأساسي: كيف تؤثر الضفة الغربية على الناخب الإسرائيلي؟

الوضع في الضفة الغربية على هوى الناخب اليميني، الذي يرى أنه يجب طرد سكان الضفة الغربية من أراضيهم. لكن ماذا عن الناخب الإسرائيلي غير اليميني؟

الوضع في الضفة الغربية على هوى الناخب اليميني، الذي يرى أنه يجب طرد سكان الضفة الغربية من أراضيهم. لكن ماذا عن الناخب الإسرائيلي غير اليميني؟ هل الوضع في الضفة الغربية سيجعل الناخب الإسرائيلي يتجه إلى اليمين؟ هذا أمر محتمل لكن غير متوقع بنسبة كبيرة، فهناك معارضة لما يحدث في الضفة من إسرائيليين خارج إطار اليمين.

وهناك سيناريو محتمل، وهو أن هذا الوضع يقلب الطاولة على السياسيين اليمينيين ويجعلهم يخسرون في الانتخابات. وهنا نذهب الى السيناريوهات المحتملة لما هو قادم.

السيناريو الأول صعود اليمين بقيادة بن غفير وسموتريتش بسبب ما يقودانه من عنف في الضفة الغربية، وتراجع نفوذ وسيطرة نتنياهو. وهذا السيناريو محتمل إذا لم يتدخل نتنياهو لحل الوضع في الضفة.

السيناريو الثاني هو تعاون بين نتنياهو والمعارضة، من الممكن أن يتعاون نتنياهو مع المعارضة لكي يحد من نفوذ اليمين المتطرف كما قلنا سابقاً. هذا السيناريو محتمل، ويجعل نتنياهو يحافظ على مقاعده إلى حد كبير.

السيناريو الثالث هو إعلان نتنياهو أن ما يحدث في الضفة الغربية غير مقبول، وأن ما يحدث هو إرهاب مستوطنين يقودهم وزيرين في حكومته. هذا السيناريو سيجعل نتنياهو يخسر دعم بن غفير وسموتريتش، وهما أحد أعمدة حكومته.

السيناريو الرابع هو إعلان نتنياهو عودة الحرب بشكل كامل على جبهة من جبهات القتال، سواء كانت لبنان أو غزة أو حتى إيران، وهذا السيناريو محتمل ويستعمله نتنياهو دائماً كي لا يخسر الأصوات والمقاعد.

تبقى على الانتخابات الإسرائيلية ما يقارب الـ50 يوما، لذا يجب الانتظار والنظر إلى ما سيحدث في الداخل الإسرائيلي. الوضع في الداخل الإسرائيلي خطير، ومن الممكن أن ينفجر في أي وقت، فهو أشبه بالقنبلة الموقوتة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)