منبر بلا عمامة.. كيف أعادت السوشيال ميديا تشكيل الخطاب الديني؟

المشكلة حين تتحول المنصة من وسيلة لنشر العلم إلى وسيلة لصناعة العلم. فالمنبر الرقمي يستطيع أن ينقل الاجتهاد، لكنه لا يستطيع أن يمنح صاحبه صفة المجتهد.
المشكلة حين تتحول المنصة من وسيلة لنشر العلم إلى وسيلة لصناعة العلم. فالمنبر الرقمي يستطيع أن ينقل الاجتهاد، لكنه لا يستطيع أن يمنح صاحبه صفة المجتهد.
شارك الخبر
هناك شيء يتغير في علاقتنا بالدين، ليس في النصوص هذه المرة، وإنما في من يملك حق الكلام باسمها. في زمن سابق، كان الانتقال من مجرد قارئ للقرآن إلى مفسر، ومن طالب علم إلى فقيه، ومن فقيه إلى مجتهد، رحلة طويلة وشاقة، تمر عبر التعليم والمجالسة والتلقي والقراءة والامتحان والتدرج. أما اليوم فقد اختصر الهاتف الذكي الطريق كله. يكفي أن يملك الإنسان جمهوراً واسعاً، وحضوراً قوياً أمام الكاميرا، وقدرة على صناعة الجملة المثيرة، حتى يجد نفسه، أحياناً، يتحدث في الحديث والتفسير والفقه والعقيدة كما لو أنه أمضى نصف عمره في مدارس العلوم الشرعية.

هنا لا تكمن المشكلة في أن يتحدث الناس عن الدين؛ فالدين ليس ملكاً لطائفة من الناس. ولا في أن يطرح الإنسان أسئلة محرجة على التراث؛ فالتراث الإسلامي نفسه نشأ في فضاء واسع من السؤال والنقد والمناظرة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الجرأة على السؤال إلى ادعاء امتلاك الإجابة.

والمغرب يقدم اليوم نماذج تستحق التأمل. فالدكتور محمد الفايد بدأ من مجال التغذية والأعشاب، واكتسب شهرة واسعة من خلال حديثه عن الغذاء والصحة، قبل أن يتوسع حضوره إلى قضايا فكرية ودينية، ويخوض في مسائل تتعلق بالقرآن والحديث والسيرة، بما أثار خلال السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً، وتجدد الجدل حول تصريحاته في الآونة الأخيرة.

مرة أخرى، ليس السؤال هنا: هل أصاب الفايد أم أخطأ في كل ما قال؟ فهذا يحتاج إلى مناقشة علمية تفصيلية لكل قضية على حدة. السؤال الأعمق هو: كيف ينتقل الإنسان من امتلاك خبرة في مجال إلى الاعتقاد بأن تلك الخبرة تؤهله لإعادة النظر في مجال آخر له أدواته ومناهجه وتاريخه؟

فالطبيب لا يصبح محدثاً بمجرد أن يقرأ كتاباً في الحديث، كما أن الفقيه لا يصبح طبيباً لمجرد أن يقرأ كتاباً في الطب.

لكن ظاهرة الفايد تكشف شيئاً آخر: أن النجاح في مجال معين قد يمنح صاحبه، مع مرور الوقت، ثقة تتجاوز حدود اختصاصه. ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتضاعف هذه الثقة؛ فكلما تحدث، وجد عشرات الآلاف، وربما الملايين، يستمعون إليه. ومع كثرة الجمهور يتولد وهم خطير: إذا كان كل هؤلاء يستمعون إليّ، فلا بد أنني أمتلك الحقيقة. وهذا هو فخ الشهرة.

لا أحد يمنع المسلم من تدبر القرآن. بل إن التدبر مقصد من مقاصد الخطاب القرآني. لكن التدبر شيء، وإنتاج تفسير ملزم أو اجتهاد ديني شيء آخر.
ولعل نموذج الفنان عادل الميلودي أكثر وضوحاً في هذه النقطة، لأنه يضعنا أمام حالة تكاد تكون رمزية. فقد تداولت منصات التواصل أخيراً مقاطع يظهر فيها وهو يتحدث في القرآن وتفسير بعض ألفاظه، مع الإشارة إلى ختمه القرآن مرات عدة، وهو ما أثار سخرية وانتقادات واسعة بسبب بعض التأويلات التي قدمها.

وقد يكون أكثر ما يستحق التوقف عنده في هذا الجدل هو الفكرة المنهجية التي تظهر أحياناً في مثل هذه الخطابات: أنا أقرأ القرآن، إذن أستطيع أن أفهمه بنفسي ولا أحتاج إلى وسيط.

الجملة تبدو للوهلة الأولى شديدة التحرر. لكنها، إذا أخذناها إلى نهايتها المنطقية، تقود إلى سؤال آخر: لماذا احتاج المسلمون طوال أربعة عشر قرناً إلى علوم اللغة والتفسير وأسباب النزول والقراءات والحديث وأصول الفقه؟

هل كان كل ذلك مجرد وساطة بين الإنسان والقرآن؟

بالطبع لا. لا أحد يمنع المسلم من تدبر القرآن. بل إن التدبر مقصد من مقاصد الخطاب القرآني. لكن التدبر شيء، وإنتاج تفسير ملزم أو اجتهاد ديني شيء آخر.

حين يقول الإنسان: هذه الآية أثرت فيّ بهذه الطريقة، فهذا شأنه. أما حين يقول: هذا هو المعنى الصحيح للآية، وينبغي أن نعيد بناء فهمنا لها، فقد دخل منطقة أخرى تحتاج إلى أدوات أخرى.

وهنا تصبح الإشارة إلى ابن عباس شديدة الدلالة. فابن عباس لم يكن مجرد رجل قرأ القرآن ثم قال رأيه فيه. كان من كبار الصحابة، ودعا له النبي ﷺ بالفهم في الدين وتأويل القرآن، ثم أصبح من أعلام التفسير. ولذلك فإن الاحتجاج بابن عباس لتجاوز العلماء يحمل مفارقة: نستدعي أحد أعلام العلم الأوائل لكي نثبت أن العلم غير ضروري!

المجددون الحقيقيون لم يفعلوا ذلك. محمد عبده كان مجدداً، لكنه لم يكن جاهلاً بالتراث. كان عالماً أزهرياً وقاضياً ومفتياً، وانخرط في إصلاح التعليم والفكر الإسلامي من داخل المعرفة الدينية وخارجها في الوقت نفسه.

والطاهر بن عاشور لم يكن مجرد رجل أعلن أن له قراءة مختلفة. لقد درس في الزيتونة، وتدرج في مؤسساتها العلمية، ثم أصبح من كبار علمائها، واشتغل على أصول الفقه ومقاصد الشريعة والتفسير، وقدم مشروعاً تجديدياً من داخل التراث نفسه. وهنا يظهر الفرق بين التجديد الحقيقي وتمرد الشهرة.

التجديد الحقيقي يعرف ما الذي يريد تغييره، لكنه يعرف أيضاً ما الذي يريد الحفاظ عليه. يقرأ القديم قبل أن يعترض عليه. ويفهم مناهج السابقين قبل أن يدعي تجاوزها. ويعرف أن إسقاط حديث واحد ليس أمراً يشبه حذف منشور من فيسبوك، لأن وراء الحديث علماً كاملاً اسمه علم الحديث، ووراء الحكم الفقهي علماً اسمه أصول الفقه، ووراء تفسير كلمة واحدة تاريخاً من علوم اللغة.

التجديد الحقيقي يعرف ما الذي يريد تغييره، لكنه يعرف أيضاً ما الذي يريد الحفاظ عليه. يقرأ القديم قبل أن يعترض عليه. ويفهم مناهج السابقين قبل أن يدعي تجاوزها. ويعرف أن إسقاط حديث واحد ليس أمراً يشبه حذف منشور من فيسبوك، لأن وراء الحديث علماً كاملاً اسمه علم الحديث، ووراء الحكم الفقهي علماً اسمه أصول الفقه، ووراء تفسير كلمة واحدة تاريخاً من علوم اللغة.
أما في عصر المنصات، فقد تغير معيار النجاح. الخوارزمية لا تسأل: كم كتاباً قرأت؟ إنها تسأل: كم شخصاً شاهد الفيديو؟ ولا تسأل: هل حجتك قوية؟ بل تسأل: هل أثارت الجملة الجدل؟

وهكذا تصبح أكثر الآراء قابلية للانتشار هي الأكثر صدمة، لا بالضرورة الأكثر صحة. ومن هنا يبدأ المال في الدخول على الخط. فالمشاهدات تجلب الشهرة، والشهرة تجلب الإعلانات، والإعلانات تصنع دخلاً، والدخل يشجع على مزيد من المحتوى، والمحتوى المثير يجلب مزيداً من المتابعين.

إنها دائرة يمكن أن تحول الاستثناء إلى نموذج تجاري. لكن هل يعني ذلك أن وسائل التواصل لا تصلح للتجديد الديني؟

على العكس تماماً. ربما تكون هذه المنصات أفضل منبر عرفه الفكر في تاريخ البشرية من حيث القدرة على الوصول إلى الناس. العالم الجاد يستطيع اليوم أن يشرح مسألة معقدة لملايين الأشخاص، وأن يخرج المعرفة من قاعات الجامعات والمساجد إلى البيوت والهواتف. المشكلة ليست في "يوتيوب" ولا في "فيسبوك" ولا في "تيك توك".

المشكلة حين تتحول المنصة من وسيلة لنشر العلم إلى وسيلة لصناعة العلم. فالمنبر الرقمي يستطيع أن ينقل الاجتهاد، لكنه لا يستطيع أن يمنح صاحبه صفة المجتهد.

والجمهور يستطيع أن يمنح الإنسان الشهرة، لكنه لا يستطيع أن يمنحه العلم. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل يحق لعادل الميلودي أن يتحدث عن القرآن؟ ولا: هل يحق لمحمد الفايد أن ينتقد حديثاً أو تفسيراً؟

السؤال الأهم هو: بأي أدوات يفعلون ذلك؟

إننا لا نحتاج إلى دين مغلق أمام السؤال، كما لا نحتاج إلى دين مفتوح أمام كل من امتلك ميكروفوناً. نحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: حرية يحرسها العلم، وتجديد يحرسه المنهج، وشجاعة يحرسها التواضع. فليس كل من كسر المألوف مجدداً، وليس كل من خالف العلماء عالماً، وليس كل من جمع الملايين من المتابعين صاحب ملايين من الأدلة.

وفي زمن أصبح فيه الهاتف منبراً، والشهرة سلطة، والمال نتيجة مباشرة للانتشار، ربما يكون أخطر وهم يمكن أن يقع فيه المؤثر هو أن يعتقد أن الطريق من مليون متابع إلى مقام المجتهد أقصر من الطريق من الجهل إلى المعرفة.

وهنا بالضبط تبدأ المشكلة. لا حين يقرأ الناس القرآن بأنفسهم، وإنما حين يعتقدون أن قراءة القرآن تغني عن علوم القرآن، وأن الجرأة تغني عن الاجتهاد، وأن الشهرة تغني عن العلم.

لا نحتاج إلى دين مغلق أمام السؤال، كما لا نحتاج إلى دين مفتوح أمام كل من امتلك ميكروفوناً. نحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: حرية يحرسها العلم، وتجديد يحرسه المنهج، وشجاعة يحرسها التواضع. فليس كل من كسر المألوف مجدداً، وليس كل من خالف العلماء عالماً، وليس كل من جمع الملايين من المتابعين صاحب ملايين من الأدلة.
ولعلني، وأنا أتأمل هذه الظاهرة، أستعيد شيئاً من صور مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين كنت طالبا في جامعة القاضي عياض بمراكش وكنت أرتاد ساحة جامع الفناء بين الفينة والأخرى. كانت الساحة يومها عالماً مفتوحاً من الحكايات والقصص والتاريخ والموسيقى والحِكم؛ حلقات يلتف حولها الناس، ويصغي بعضهم إلى حكواتي يسرد واقعة، أو راوٍ يستحضر شخصية من التاريخ، أو فنان يعزف، أو رجل يروي حكاية تنتهي بعبرة. كان كل واحد منهم يملك منبراً، وكان الجمهور هو الذي يقرر حول أي حلقة سيجتمع.

ربما انتقلت تلك الصور اليوم من ساحة جامع الفناء إلى ساحات التواصل الاجتماعي. الحكواتي صار مؤثراً، والحلقة صارت شاشة، والجمهور صار بالملايين، والحكاية التي كانت تنتهي بالتصفيق قد تنتهي اليوم بآلاف المشاهدات والتعليقات والمشاركات.

لكن الفارق أن المشهد الجديد أكثر إغراءً وأشد خطورة؛ لأنه لا يمنح الشهرة وحدها، بل قد يمنح المال أيضاً. ومن هنا يصبح الإغراء مضاعفاً: كلما كانت الحكاية أكثر إثارة، وكلما كان الرأي أكثر صدمة، وكلما اقترب الكلام من مناطق المحظور، اتسعت دائرة المتابعة، وتحولت الشهرة إلى رأسمال.

غير أن هناك حدوداً لا ينبغي أن تختفي وسط هذا التدافع نحو المشاهدة. فحين يتعلق الأمر بالحكايات والموسيقى والتاريخ، قد يكون الخطأ مجرد خطأ في رواية أو مبالغة من حكواتي. أما حين يصبح الأمر متعلقاً بالمقدس، فإننا لا نكون أمام حكاية عابرة في ساحة شعبية، وإنما أمام نصوص ومعتقدات وذاكرة دينية تشكل وجدان ملايين الناس.

وهنا تحديداً ينبغي أن تتوقف قليلاً ثقافة "قل ما تشاء". نعم، من حق الجميع أن يسأل، وأن يتدبر، وأن يناقش، وأن يختلف. لكن المقدس لا يعني أنه فوق السؤال، كما أن حرية السؤال لا تعني أن كل إجابة صحيحة. وبين الأمرين تقف مسؤولية العلم، وهي المسؤولية التي لا يمكن أن تمنحها الخوارزمية، ولا عدد المتابعين، ولا عائدات الإعلانات.

لقد تغيرت الساحة، لكن السؤال القديم ما زال قائماً: من يملك حق رواية الحكاية؟ غير أن الحكاية هذه المرة ليست عن عنترة أو سيف بن ذي يزن، وليست عن تاريخ مراكش أو أساطير الحكواتيين؛ إنها عن القرآن والحديث والدين. ولذلك فإن انتقال الحكواتي من جامع الفناء إلى شاشة الهاتف قد يكون أمراً طبيعياً في عصرنا، أما انتقال المقدس من دائرة العلم إلى دائرة الاستعراض، فذلك هو الأمر الذي يستحق منا كل هذا القلق.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم