مع اقتراب السنة الثالثة على أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يتواصل داخل "
إسرائيل" الجدل بشأن أسباب الإخفاق الذي سمح لحركة حماس بشن هجوم واسع على مستوطنات غلاف غزة، وسط غياب لجنة تحقيق حكومية تقدم رواية شاملة ومتفقًا عليها حول ما جرى.
ورأى الرئيس السابق لقسم العمليات في جيش
الاحتلال والباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي، العميد غاي حازوت، أن تفسير أحداث السابع من أكتوبر لا يحتاج إلى نظريات مؤامرة أو "خيانة من الداخل"، وإنما إلى النظر في سلسلة من الإخفاقات الاستراتيجية والسياسية والعسكرية والتكتيكية التي تراكمت على مدى سنوات، قبل أن تنهار مجتمعة في صباح الهجوم.
وقال حازوت، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" وترجمته "عربي21"، إن "من أجل فهم الكارثة التي وقعت في أكتوبر 2023، لا حاجة لنظرية مؤامرة، يجب النظر مباشرة إلى الإخفاقات الاستراتيجية والنظامية والتكتيكية التي تراكمت على مر السنين، حتى انهارت جميعها في صباح ذلك اليوم"، مضيفًا أن "النجاح له آباء كثيرون، أما الفشل، كما نعلم، فيبقى يتيمًا".
ثلاثة مستويات للفشل
وأوضح الجنرال الإسرائيلي أن كارثة هجوم السابع من أكتوبر "ليست يتيمة المسؤولية"، بل جاءت نتيجة إخفاقات متزامنة على ثلاثة مستويات في قطاع غزة: المستوى الاستراتيجي السياسي، والمستوى العسكري القيادي، والمستوى التكتيكي الميداني.
اظهار أخبار متعلقة
ورأى أن ضخامة الخطأ، وعمق الفشل، ونجاح حماس في مباغتة منظومة الدفاع الإسرائيلية وإرباكها في منطقة غلاف غزة، إلى جانب الأسئلة التي بقيت بلا إجابات منذ الهجوم، كلها عوامل أسهمت في خلق بيئة خصبة لنظريات المؤامرة.
وأشار إلى أن أبرز هذه النظريات يتمثل في الادعاء بأن شخصيات بارزة في المؤسسة العسكرية كانت على علم مسبق بالهجوم، لكنها أخفت المعلومات وتعمدت عدم إحباطه، فضلًا عن رواية أخرى تزعم أن الجيش وجهاز الأمن العام "الشاباك" عزلا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولم يطلعاه على آخر التطورات خلال ليلة الهجوم.
وقال حازوت إن غياب إجابات رسمية متفق عليها يدفع الجمهور إلى البحث عن تفسيرات بديلة، مؤكدًا أن استمرار عدم تشكيل لجنة تحقيق حكومية تقدم "صورة واقعية وكاملة وموثوقة" سيؤدي إلى استمرار نمو هذه النظريات.
نظرية "الخيانة"
وحذر حازوت من تداعيات فقدان الجمهور الإسرائيلي الثقة بمؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، قائلًا إن اعتقاد قطاعات واسعة بأن مسؤولين كبارًا تآمروا ضد الدولة يضر بالتلاحم الاجتماعي.
وأضاف أن مرور ما يقارب ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر لم يفضِ، رغم ذلك، إلى تقديم إجابات محددة ومتفق عليها بشأن كيفية وقوعه.
وتساءل عن كيفية تمكن حماس، وهي حركة من قطاع غزة، من مفاجأة الجيش الإسرائيلي وإبقائه عاجزًا عن الرد لساعات، وعن أسباب إخفاق إسرائيل، بعد خمسة عقود من حرب أكتوبر 1973، في منع تكرار مفاجأة استخباراتية مماثلة.
كما طرح أسئلة بشأن مكان وجود القوات خلال الساعات التي قتل فيها سكان مستوطنات غلاف غزة واختُطفوا، وما الذي فُعل، والأهم، ما الذي لم يُفعل رغم المؤشرات التي ظهرت خلال ليلة الهجوم.
وقال إن علامات الاستفهام لم تختف مع مرور الوقت، بل تحولت، مع اقتراب إسرائيل من مرحلة انتخابية، إلى أداة في الصراع السياسي حول المسؤولية عن الكارثة.
وأشار إلى أن 40 بالمئة من الإسرائيليين، بحسب ما أورده في مقاله، يعتقدون بنظرية "الخيانة من الداخل"، التي تفترض أن شخصيات بارزة في المؤسسة العسكرية كانت تعرف بالهجوم وتجنبت إحباطه بهدف إسقاط الحكومة اليمينية، معتبرًا أن هذه النسبة يجب أن تثير القلق بغض النظر عن الموقف السياسي.
معلومات ليلة 6 أكتوبر
ولفت حازوت إلى ظهور ادعاء آخر في الآونة الأخيرة، مصدره بصورة أساسية عناصر على المستوى السياسي، ومفاده أن قادة المؤسسة العسكرية تلقوا خلال ليلة السادس من أكتوبر معلومات استخباراتية غير عادية من قطاع غزة، لكنهم امتنعوا عن إبلاغ رئيس الوزراء بها.
وشدد على ضرورة فهم آلية عمل المؤسسة العسكرية والأمنية في الوقت الفعلي قبل الحكم على هذا الادعاء.
واستند في ذلك إلى تجربته العسكرية، موضحًا أنه كان يحدد لمرؤوسيه في بداية كل حديث ما الذي يستوجب إيقاظه في منتصف الليل، وأنه كان، عندما يتجنب أحدهم إيقاظه ثم يتبين لاحقًا أنه أخطأ، يراجع أداءه هو أيضًا، متسائلًا عما إذا كان قد أوضح بصورة كافية المعلومات التي يريد معرفتها والوقت الذي يريد تلقيها فيه.
اظهار أخبار متعلقة
وقال إن القائد لا يستطيع توقع أن "يقرأ مرؤوسوه أفكاره"، ولذلك يتعين عليه أن يحدد مسبقًا طبيعة المعلومات أو الأحداث العملياتية التي تستوجب تحديثًا فوريًا.
إخفاق ثلاثي
ورأى حازوت أن خطورة إخفاق السابع من أكتوبر تكمن في أنه لم يحدث على مستوى واحد، بل تفاقم عبر المستويات الثلاثة في اللحظة نفسها.
وأوضح أن المستوى الأول تمثل في الفشل الاستراتيجي والسياسي، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية انتهجت لسنوات سياسة تعميق الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وأضاف أنه في عام 2018، ومع توقف السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب موظفي غزة ووقوع حماس في ضائقة مالية، تعرضت إسرائيل لضغوط لمنع التصعيد والتدهور، ما أدى إلى اللجوء إلى قطر والسماح بتدفق الأموال إلى القطاع، وهو ما أسهم، بحسبه، في استمرار حكم حماس وتعزيز قوتها العسكرية.
أما المستوى الثاني، فقال إنه تمثل في الفشل المرتبط بالنظام العسكري، إذ امتنعت القيادة السياسية عن شن حرب استباقية لإزالة التهديد في غزة ولبنان، واعتمدت بدرجة كبيرة على الانتشار العسكري على الحدود، انطلاقًا من افتراض قدرة الاستخبارات على رصد أي تغير في نوايا الخصم وتوفير إنذار مسبق.
وأضاف أن إسرائيل، بدل بناء منظومة دفاع قادرة على الصمود حتى في حال فشل التقدير الاستخباراتي، اعتمدت بدرجة مفرطة على الإنذارات، معتبرًا ذلك "ضعفًا بنيويًا".
أما المستوى الثالث، فتمثل، وفق حازوت، في الفشل التكتيكي، ولا سيما داخل فرقة غزة، التي لم تقدّر قدرة حماس أو نيتها شن هجوم بهذا الحجم، واعتمدت على تقييم للنوايا مشابه لذلك الذي تبنته المستويات الأعلى.
وأكد أن السابع من أكتوبر كشف إخفاقات جسيمة في الثقافة العملياتية والجاهزية واليقظة، وأن القوات المكلفة بحماية الحدود والمستوطنات لم تكن مؤهلة بالقدر الكافي لأداء مهمتها في لحظة الهجوم.
وأشار إلى أن حماس أدركت هذه الثغرات في المستويات الثلاثة، مستشهدًا بوثيقة "جدار أريحا" التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، وقال إن المستويات الاستراتيجية والنظامية والتكتيكية تصرفت بصورة تناقض ما كان متوقعًا منها، قبل أن "ينهار كل شيء مثل بيت من ورق" عند الساعة 6:29 صباحًا.
"فشل عسكري وليس خيانة"
وخلص حازوت إلى أن إسرائيل أمام "فشل عسكري، وليس خيانة"، موضحًا أن الإخفاق كان عسكريًا في المقام الأول، حتى في ظل وجود مفهوم سياسي واستراتيجي خاطئ.
وقال إن الجيش، عبر فرقة غزة والقوات الجوية والاستخبارات العسكرية، كان ملزمًا بتنفيذ مهمته الأساسية المتمثلة في حماية سكان غلاف غزة، مؤكدًا أن الفجوة بين "الفشل المهني الكارثي" واتهام قادة المؤسسة الأمنية بالخيانة واسعة.
وأضاف أن أي شخص مطلع على تدفق المعلومات داخل المؤسسة الأمنية يعرف أن ضابط استخبارات فرقة غزة هو الأكثر اطلاعًا على ما يجري داخل القطاع.
ورأى أن هجوم أكتوبر سيظل لسنوات حدثًا يصعب على الإسرائيليين فهم كيفية وقوعه، معتبرًا أن ضخامة الفجوة بين القوة العسكرية الإسرائيلية وما حدث خلال ساعات الهجوم تجعل تفسير الأمر بمؤامرة داخلية أسهل نفسيًا من تقبل احتمال فشل أنظمة كبيرة ومحترفة وذات خبرة بصورة شاملة.
واستشهد في هذا السياق بأمثلة تاريخية، بينها انهيار خط ماجينو خلال الحرب العالمية الثانية، وحرب أكتوبر 1973، وهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، للدلالة على قدرة الأنظمة العسكرية والأمنية الكبرى على التعرض لإخفاقات واسعة رغم حجمها وخبرتها.
لجنة تحقيق لكشف الحقيقة
وأكد حازوت في ختام مقاله أنه "لا حاجة للخيانة لتفسير أحداث السابع من أكتوبر"، مشيرًا إلى وجود ما يكفي من التفسيرات المرتبطة بالمفاهيم السياسية الخاطئة، والسياسات التي لم تُحدّث في الوقت المناسب، وسوء فهم الاستخبارات للعدو، والاعتماد المفرط على الإنذارات، وعدم ملاءمة أنظمة الدفاع للتهديد، وضعف الاستعداد، إلى جانب الإخفاقات في القيادة والاستجابة.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف أن هذه التفسيرات أكثر تعقيدًا من نظرية المؤامرة، لكنها تظل، بحسبه، أكثر اتساقًا مع طبيعة الإخفاق الذي وقع.
ويشير المقال إلى أن تصاعد النقاش الإسرائيلي حول نظرية "الخيانة من الداخل" يعكس، في جانب منه، اتساع حجم الفراغ الناجم عن غياب رواية رسمية شاملة بشأن أسباب الإخفاق.
وبحسب حازوت، فإن معالجة هذا الفراغ لا تكون بنظرية مؤامرة مضادة، وإنما عبر عرض الحقائق وشرح كيفية عمل المنظومة الأمنية، وتحديد مسؤولية كل مستوى من مستويات صنع القرار والفشل.
وأكد أن تشكيل لجنة تحقيق حكومية تفحص المستويات السياسية والعسكرية والاستخباراتية وآلية صنع القرار، وتقدم للجمهور رواية واقعية وموثوقة وشاملة، يظل السبيل الأوضح لإنهاء حالة الغموض التي تغذي نظريات المؤامرة.