مع استمرار النزاع المسلح الدامي في
السودان، والذي وصل عامه الرابع تتسع رقعة المأساة، إذ تسببت الحرب في مقتل الآلاف ونزوح الملايين، كما ظهر
الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي كأداة ممنهجة لترهيب الخصوم وتعميق الانقسامات في هذا البلد العربي الأفريقي.
وفي ظل غياب للرقابة الحقوقية المستقلة، تعيش آلاف الأسر السودانية كابوسا مفتوحا، تتأرجح فيه بين بصيص أمل بعودة ذويها، وبين شائعات وصور مزيفة تزيد من قسوة الانتظار.
أكثر من 11 ألف مفقود ابتلعتهم عتمة المعتقلات وسجون النزاع، في وقت تتفنن فيه "قوات
الدعم السريع" بشكل خاص، بمضاعفة عذاب العائلات عبر تسريب صور مفبركة ومعلومات مضللة.
وتحولت جريمة الإخفاء القسري في السودان من مجرد انتهاك حقوقي إلى أداة ممنهجة لكسر إرادة الخصوم.
اظهار أخبار متعلقة
وقبل شهرين حذرت بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان من أن أطراف النزاع تلجأ بشكل متزايد إلى الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري للسيطرة على السكان مما يسهم في تفاقم أزمة حماية كارثيّة للمدنيّين اشتدت حدتها مع استمرار الصراع ودخوله عامه الرابع.
أرقام مفزعة
في خضم الحرب المستمرة سجلت منظمات دولية حتى النصف الأول من العام 2026 أكثر من 11 ألف مفقود، وهو رقم يعكس فقط الحالات التي تم الإبلاغ عنها رسميا من قبل العائلات التي تمكنت من الوصول إلى قنوات التواصل بصعوبة بالغة.
ولم يقف الأمر عند حدود اختطاف المدنيين وتغييبهم، بل تطور ليأخذ أبعادا نفسية غاية في القسوة.
فقد تحدثت مجموعة "محامو الطوارئ" الحقوقية في السودان عن ممارسات أمنية مستحدثة تتمثل في إرسال جهات مسلحة صورا مزيفة أو معلومات مضللة إلى أسر المواطنين المخفيين قسرا.
ورصدت المجموعة في عدة حالات موثقة تلقي العائلات صورا لأشخاص مخفيين مرفقة بادعاءات تفيد بوجودهم في مناطق احتجاز أخرى.
واعتبرت المجموعة هذه الممارسة محاولة ممنهجة لتضليل الأسر، وصرف الأنظار عن الحقيقة، والتنصل من المسؤولية.
وحذرت من أن إرسال هذه الصور لا يعد مجرد وسيلة للخداع، بل يمثل امتدادا لجريمة الإخفاء القسري نفسها، لما يسببه من مضاعفة لمعاناة الأسر، ولما يهدف إليه من طمس الأدلة وعرقلة جهود المساءلة.
اظهار أخبار متعلقة
نمط ممنهج من الاحتجاز
وتقول بعثة الأمم المتحدة لتقصى الحقائق في السودان إنها وثقت نمطا ممنهجا من الاحتجازات الجماعيّة والتعسفية تقوم بها قوات الدعم السريع ضد أشخاص، استنادا إلى تصور ارتباطهم أو تعاطفهم مع الجيش.
ووفق البعثة يتعرض المواطنون الذين يحاولون التنقل ما بين مناطق سيطرة أطراف النزاع المختلفة للمخاطر، إذ يحتجز كثيرين عند نقاط التفتيش، أو يتعرضون لسوء المعاملة، أو يَُّهمون بدعم الطرف المعادي، كما يتعرض أشخاص للاحتجاز المطول أو التعذيب أو الاختفاء القسري.
سجون الموت
تؤكد المنظمات الدولية من حين لآخر أن الانتهاكات بهذا الخصوص لا تقتصر على طرف واحد، حيث وثقت منظمات دولية، من بينها "هيومن رايتس ووتش"، حالات احتجاز تعسفي واختفاء قسري في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، تضمنت احتجاز مدنيين بمعزل عن العالم الخارجي، ومزاعم عن التعذيب ووقوع وفيات أثناء الاحتجاز.
في المقابل، أصدرت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق ومنظمة العفو الدولية تقارير توثق انتهاكات جسيمة منسوبة لقوات الدعم السريع، شملت الاحتجاز التعسفي، التعذيب، العنف الجنسي، والقتل خارج نطاق القانون، في نمط منهجي اعتبرته التقارير قد يرقى إلى "جرائم ضد الإنسانية".
وتؤكد الشهادات والتقارير الميدانية أن قوات الدعم السريع اقتادت منذ بداية الصراع آلاف السودانيين إلى وجهات غير معلومة، حيث يعزلون تماما عن العالم الخارجي ويحرمون من حقهم في التواصل مع أسرهم أو الاستعانة بمحامين.
وتترافق هذه الاعتقالات التي تتم خارج الأطر القانونية مع تقارير متطابقة حول تعرض المحتجزين لعمليات تعذيب وحشية وسوء معاملة، في محاولة لترهيب السكان.
ويبرز سجن "دقريس" في مدينة نيالا، الخاضع لإدارة قوات الدعم السريع، كأحد أكثر الشواهد الحية رعبا على طبيعة الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها.
وتصف التقارير الحقوقية هذا المعتقل بأنه بيئة قاهرة تنعدم فيها أدنى مقومات الحياة الإنسانية، حيث يتكدس المحتجزون، مدنيون وعسكريون، في زنازين تعاني من اكتظاظ شديد وسط حرمان شبه تام من الغذاء الكافي والرعاية الطبية.
وقد أدى هذا التردي المريع إلى تفشي الأمراض الوبائية وتسجيل حالات وفاة متعددة بين النزلاء الذين يتركون بلا غذاء ولا دواء لفترات طويلة، دون تقديمهم لأي جهة قضائية أو توفير أي ضمانات قانونية تنقذهم من هذا المصير المجهول.
اظهار أخبار متعلقة
ابتزاز مالي ونفسي
تتجاوز معاناة أسر المعتقلين والمخفيين قسرا لدى قوات الدعم السريع مجرد ألم الغياب، لتتحول إلى كابوس يومي يمارس فيه عناصر هذه القوات أبشع أشكال
الابتزاز المالي والنفسي.
وتقول بعثة الأمم المتحدة لتقصى الحقائق في السودان إنها وثقت نمطا من الاحتجاز، يعقبُهُ الإكراه والابتِزاز من قبل قوات الدعم السريع، حيث يتم أمر العائلات بدفع مبالغ مالية طائلة مقابل الإفراج عن أقارب محتجزين، حتى أن المبلغ وصل في بعض الحالات إلى ما يقارب 40 ألف دولار أمريكي.
وتؤكد تقارير حقوقية وشهادات ميدانية أن عناصر "الدعم السريع" يعمدون بانتظام إلى استخدام الهواتف الشخصية للضحايا للتواصل مع ذويهم، ومطالبتهم بفدى مالية طائلة مقابل الإفراج عنهم أو حتى السماح لهم بمحادثة قصيرة تطمئنهم على حياتهم.
وفي حالات عديدة، اضطرت عائلات معدمة لبيع منازلها ومدخراتها تحت وطأة التهديد لتوفير المبالغ المطلوبة، لتكتشف لاحقا أنها وقعت ضحية لعمليات تضليل واحتيال، أو لتتلقى مقاطع مصورة وتسجيلات صوتية توثق تعرض أبنائها لتعذيب وحشي، مما يحول رحلة البحث عن المفقودين إلى عملية استنزاف نفسي ومادي تنتهي غالبا صدمات مفجعة.
انهيار البنية المعيشية لآلاف العائلات
وأدى الإخفاء القسري للآلاف من الآباء إلى انهيار كامل للبنية المعيشية لآلاف العائلات في ودارفور والجزيرة وبقية المناطق الخاضعة أو التي سبق أن خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع.
ولم تقف ممارسات قوات الدعم السريع عند حدود احتجاز الضحية الأولى، بل امتدت لتطال الأهالي الذين يحاولون التقصي عن مصير ذويهم، حيث تواجه العائلات التي تجرؤ على الاقتراب من ارتكازات هذه القوات أو مراكز احتجازها بالإهانة والتهديد بالقتل، بل والاعتقال الفوري بتهم كاذبة تتصل بالاستخبارات أو الانتماء للجيش.
وتتعمق هذه المعاناة عندما يرتبط الاختفاء القسري بالانتماء الجهوي أو الاثني الذي مارسته عناصر الدعم السريع في العديد من المناطق، مما يمنع الأسر من مجرد السؤال عن أبنائها خوفا من الانتقام أو التصفية الميدانية.
هذا الترهيب الممنهج فرض حالة من الصمت القسري، وحول آلاف المنازل السودانية إلى بيوت تعيش في حالة شلل تام بين أمل العودة وخوف الفقد.
احتجاز النساء
قبل أسابيع كشفت "المبادرة الإستراتيجية للمرأة في القرن الأفريقي" (سيها)، عن تورط قوات الدعم السريع في احتجاز أعداد كبيرة من النساء، بينهن ست ناشطات وصحفيات جرى اختطافهن في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور منذ أبريل الماضي دون أي مسوغ قانوني.
اظهار أخبار متعلقة
وتضم هذه القائمة كلا من مواهب إبراهيم، ومناهل مصطفى، وزهرة محمد الحسن، وازدهار عبد المنعم حامد، وماجدة حسن علي، وسارة مصطفى، اللواتي اقتيدوا إلى جهات مجهولة ينعدم فيها أي أثر حقوقي يطمئن ذويهن على حياتهن.
وأوضحت أن مسارات الإفراج عن المعتقلات في سجون الدعم السرع تدار بعيدا عن القانون وتخضع لعمليات مساومة معقدة، يشترط فيها على العائلات دفع مبالغ مالية وفدية باهظة لقاء إطلاق سراح بناتهن، ما يحول عمليات الاعتقال إلى تجارة مربحة وأداة للاستثمار في الخوف.
ولا تتوقف هذه المعاناة عند لحظة الخطف وتقييد الحرية، بل تتضاعف خطورتها داخل مراكز الاحتجاز والمعتقلات السرية الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث تتحول أروقة السجن إلى مصدر رعب دائم للضحايا.
وتواجه النساء المحتجزات في هذه المواقع أنماطا قاسية من المعاملة المهينة، بما يشمل التعذيب البدني والنفسي والاعتداءات المتعددة، في ظل غياب كامل لأي رقابة حقوقية أو دولية.
وتسببت الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023 في مقتل عشرات الآلاف السودانيين واختفاء أكثر من 11 ألف شخص، ونزوح أكثر من 13 مليون آخرين داخل البلاد وخارجها، ليشكلوا أضخم أزمة نزوح على مستوى العالم.