تونس: أزمة الماء والكهرباء وأزمة الخطاب

بحري العرفاوي
"بعض من يتولون أمور الناس يشعرون بالاطمئنان لمجرد كونهم صاروا "أولي أمر"، فيسكنهم الوهم ويتلبّسهم الكِبْر حتى لكأنهم أصحابُ فضل على الناس"- عربي21
"بعض من يتولون أمور الناس يشعرون بالاطمئنان لمجرد كونهم صاروا "أولي أمر"، فيسكنهم الوهم ويتلبّسهم الكِبْر حتى لكأنهم أصحابُ فضل على الناس"- عربي21
شارك الخبر
تصدير أول: إن الشعوب لا يقتلها الفقر إنما تقتلها الأحقاد.

تصدير ثان: المعارك الضارية التي تُخاضُ في الخطاب، نتائجُها الدامية في الميدان.

1- خطاب الأزمة

كل شعوب العالم، حتى المتقدمة منها، تعتريها صعوبات في وسائل العيش؛ إما بسبب كوارث طبيعية وإما بسبب حروب أو حتى بسبب فساد في إدارة شؤون الناس، تلك الصعوبات، وحتى لا تتحول إلى أزمات، تحتاج تعاملا عقلانيا هادئا وعلميا، أي البحث في الأسباب الرئيسية وفي الأسباب الثانوية، وتحتاج القيام بعمل إحصائي نقف معه على الأرقام والكميات والمساحات والمسافات، حتى ننتهي إلى تشكيل صورة أقرب إلى الوضوح وأكثر معقولية، وهو ما سيساعد في إعداد المقترحات العملية يتولاها أهل الاختصاص كل في مجاله.

الجهات المسؤولة مدعوة إلى مخاطبة الناس بالحقائق دون تهويل ولا تهوين، وكلما كان المسؤول صادقا مع الناس كان الناس أكثر استعدادا للتفهّم ولتقديم ما يقدرون عليه من أجل معالجة تلك الصعوبات، وليس أعظم من "الصبر" يُقدّمه الناس، وهو عملية تفهّم وإمهال للمسؤولين عساهم يتوصّلون إلى معالجات في آجال معقولة لتلك الصعوبات الطارئة.

"الخطاب" ثروة حقيقية، حين يكون مُفعَماً بالصدق ومُرفَقا بالحرص ومعبّرا عن اعتذار لتقصير أو لغفلة أو لإسناد المهام لغير أهلها ممن ستجري على أيديهم النقائص والخيبات

"الخطاب" ثروة حقيقية، حين يكون مُفعَماً بالصدق ومُرفَقا بالحرص ومعبّرا عن اعتذار لتقصير أو لغفلة أو لإسناد المهام لغير أهلها ممن ستجري على أيديهم النقائص والخيبات وحتى المصائب والكوارث.

الخطاب "ثروة" لأنه يحقق في الناس الشعور بالأمان ولأنه يُعطيهم أملا في مستقبل أفضل، ويجعلهم يثقون بمن يخاطبهم أو يعدهم أو يطمئنهم أو يعتذر إليهم، وفي الحديث الشريف: "إنكم لن تسَعُوا الناسَ بأموالكم فَسَعوهم بأخلاقكم".

إنما تشكّلت أممٌ وشعوب ومجتمعاتٌ عن طريق "خطاب" سواء كان فلسفيا أم دينيا أم سياسيا، فاللغة ليست مجرد منطوق إنما هي محمول من المعاني والقيم والعواطف والأفكار، وكثيرا ما تكون تلك اللغة بما هي خطاب أو كتاب؛ كيمياء مؤلفة بين أفراد فإذا هم أمة أو شعب لا يربطهم فقط القانون والمصالح، وإنما تشدّهم وشائج الانتماء لهوية جامعة بما هي عقيدة وثقافة وتاريخ وحضارة.

خطاب الأزمات، هو خطاب الحلول، لا يُنتجه إلا ذوو عقل مُبدع وهمة عالية وشعور بالمسؤولية كبير، يُنتجه حكماء متبصّرون محبّون لأوطانهم حريصون على مصالح الناس، ولا يُكابرون بخطأ ولا يعتزون بخطيئة ولا يتعالون عن نصيحة ولا يهربون من مسؤولية.

2- أزمة الخطاب
أسرع طريق لمعالجة الأخطاء هو الاعتراف بها، وإن أنجع علاج لأمراض السياسة هو التخلي عن السياسة بما هي طريق نحو السلطة، ثم تعلمها من جديد بما هي أرقى الفنون

بعض من يتولون أمور الناس يشعرون بالاطمئنان لمجرد كونهم صاروا "أولي أمر"، فيسكنهم الوهم ويتلبّسهم الكِبْر حتى لكأنهم أصحابُ فضل على الناس لمجرد كونهم صاروا يحكمونهم، فلا يسمعون نصيحة ولا يتفهّمون تشكّيا ولا يتقبّلون نقدا ولا يعتذرون ولا يُجبرون خواطر من كَسَرتهم سياساتهم المتعثرة.

إن إنتاج أي مسؤول لخطاب "التّبرّؤ" إنما يكشف عن عدم جدية في تحمل الأمانة وعن عدم وعي بعظمة المسؤولية وعن عدم تقدير لحقوق الناس، ذاك الخطاب هو بحد ذاته جزء من الأزمة، بل إنه يكون سببا في تعقيدها وفي صرف الجهد عنها نحو معارك هامشية ستعصف بالنسيج المجتمعي وبالتضامن الشعبي؛ إذ يتسبب ذاك الخطاب في تقسيم الناس فيتبدّد جهدهم وتحترق عواطفهم في الخصومات بين مُوال ساذج ومعارض معاند، ولا ينتبه الجميع إلى كونهم قد يكونون بصدد إغراء أعداء خارجيين بأنفسهم وبوطنهم حين يُنهِك بعضُهم بعضا، لينتهوا جميعا "جرحى" في "قبضة" قناص ماهر صار لا يخجل من مصارحتنا بكوننا حمقى وأغبياء ندخل سوق "العبيد" من غير هيبة "السادة" وبلا مكر "النخّاسين".

إنما أسرع طريق لمعالجة الأخطاء هو الاعتراف بها، وإن أنجع علاج لأمراض السياسة هو التخلي عن السياسة بما هي طريق نحو السلطة، ثم تعلمها من جديد بما هي أرقى الفنون.

x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)