معرض بغداد للكتاب.. "عهد الأشتر" يستعيد أسئلة الدولة والعدالة ومكافحة الفساد

أكدت الندوة أهمية بناء نظام مالي متين، مقرونا برقابة مستمرة على أداء مؤسسات الدولة، في قراءة تضع إدارة الموارد ضمن المسؤولية السياسية والأخلاقية للحاكم والمسؤول.
أكدت الندوة أهمية بناء نظام مالي متين، مقرونا برقابة مستمرة على أداء مؤسسات الدولة، في قراءة تضع إدارة الموارد ضمن المسؤولية السياسية والأخلاقية للحاكم والمسؤول.
شارك الخبر
لا تبدو استعادة "عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر" في معرض بغداد الدولي للكتاب مجرد عودة إلى نص تراثي ذي حمولة دينية وتاريخية، بقدر ما تكشف عن محاولة لفتح النص على أسئلة الدولة المعاصرة: كيف تُدار مؤسسات الحكم؟ وما الذي يجعل السلطة عادلة وفاعلة؟ وكيف يمكن بناء جهاز إداري لا تتحول فيه الوظيفة العامة إلى مجال للمحسوبية والفساد؟

بهذه الأسئلة جاءت الندوة الحوارية التي احتضنها المعرض، أول أمس السبت 5 أيلول/سبتمبر، لتضع واحدا من أشهر النصوص المنسوبة إلى الإمام علي أمام تحديات الإدارة الحديثة، ولا سيما في ما يتعلق بالكفاءة والنزاهة والرقابة وحسن اختيار المسؤولين.

وتأتي الندوة ضمن برنامج ثقافي واسع تشهده الدورة السابعة والعشرون من معرض بغداد الدولي للكتاب، الذي تنظمه وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، ويستمر حتى 12 أيلول/سبتمبر، بمشاركة مئات دور النشر من دول عربية وأجنبية.

يقدم العهد تصورا واسعا لإدارة شؤون الولاية، يتناول علاقة الحاكم بالرعية، واختيار القضاة والموظفين والولاة، ومراقبة أعمالهم، وإدارة المال، وتنظيم شؤون الجند والتجار وأهل الصناعة، فضلا عن الدعوة إلى العدل والرحمة وصيانة حقوق الفئات الأضعف في المجتمع.
ولا يقتصر برنامج المعرض على عرض الكتب والإصدارات، وإنما يضم سلسلة من الندوات الفكرية والبحثية والفعاليات الفنية والحوارية، التي تتناول موضوعات تمتد من التاريخ والفكر إلى الفن والعمران والتجارب الثقافية الدولية، بما يحول المعرض إلى مساحة للنقاش الثقافي العام، وليس مجرد سوق للكتاب.

"عهد الأشتر".. نص في الحكم ومسؤولية السلطة


وقبل الانتقال إلى تفاصيل الندوة، تفرض طبيعة الموضوع التوقف عند النص الذي كان محور النقاش. ويُعرف "عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر" بأنه رسالة منسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب، وجّهها إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي لدى توليته على مصر، وهي من أشهر النصوص السياسية والإدارية المتداولة في التراث الإسلامي. وقد أورد الشريف الرضي نص العهد ضمن كتاب "نهج البلاغة"، الذي جمع فيه مختارات من الخطب والرسائل والحِكم المنسوبة إلى الإمام علي.

ويقدم العهد تصورا واسعا لإدارة شؤون الولاية، يتناول علاقة الحاكم بالرعية، واختيار القضاة والموظفين والولاة، ومراقبة أعمالهم، وإدارة المال، وتنظيم شؤون الجند والتجار وأهل الصناعة، فضلا عن الدعوة إلى العدل والرحمة وصيانة حقوق الفئات الأضعف في المجتمع.

ولا يقوم جوهر النص على الحديث عن قوة الحاكم بقدر ما ينشغل بضبط هذه القوة وربطها بالمسؤولية؛ فالحاكم، في التصور الذي يقدمه العهد، ليس مالكا للناس أو للثروة العامة، وإنما مؤتمن على إدارة شؤونهم، فيما تصبح العدالة معيارا أساسيا للحكم. ومن اللافت في هذا السياق التشديد على حسن اختيار العاملين في الدولة، ومراقبة المسؤولين، وعدم تركهم من دون محاسبة، وهي مضامين تفسر إلى حد كبير سبب استعادة النص في نقاشات معاصرة تتصل بالإدارة والحكم الرشيد ومكافحة الفساد.

مالك الأشتر.. سياق الرجل والنص

أما مالك الأشتر، فكان من أبرز أنصار الإمام علي وقادته في مرحلة اتسمت بالصراعات السياسية والعسكرية التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان. وقد ارتبط اسمه بصورة القائد السياسي والعسكري القوي، قبل أن يختاره الإمام علي لتولي مصر في سياق سياسي بالغ الحساسية.

ومن هنا تكتسب الرسالة المنسوبة إلى الإمام علي أهميتها؛ فهي، إلى جانب بعدها الأخلاقي والسياسي، تتضمن تصورا لما ينبغي أن تكون عليه ممارسة السلطة في ولاية تعيش ظروفا مضطربة، من خلال مجموعة من التوجيهات التي تتصل باختيار أصحاب المسؤوليات، وإدارة القضاء والمال، ومراقبة العمال، ورعاية مصالح الناس.

وتتوزع مضامين العهد بين مبادئ عامة للحكم وتوجيهات عملية لإدارة مؤسسات الولاية، من بينها اختيار أصحاب الكفاءة والصلاح، والعناية بالقضاء، ومراقبة الولاة والعمال، وحماية المال العام، ورعاية الفقراء وأصحاب الحاجات، وضبط علاقة السلطة بمختلف الفئات الاجتماعية.

غير أن استدعاء "عهد الأشتر" في نقاش الدولة الحديثة يحتاج إلى قدر من الحذر المنهجي؛ فالنص ينتمي إلى سياق سياسي واجتماعي مختلف جذريا عن مفهوم الدولة ومؤسساتها في العصر الحديث، كما أن نسبته وتفاصيل روايته تقع ضمن مجال البحث في مصادر التراث. لذلك فإن قيمته في النقاش المعاصر لا تكمن في اعتباره "دستورا" جاهزا للدولة الحديثة، وإنما في إمكانية قراءة مبادئه وأسئلته الأخلاقية والسياسية ضمن حوار نقدي مع مفاهيم الإدارة والحكم الرشيد اليوم.

من النص إلى أسئلة الدولة الحديثة

من هذه الخلفية انتقلت الندوة إلى قراءة العهد في ضوء نظم الحكم والإدارة الحديثة، بحيث لم يعد النص مجرد مادة تاريخية يجري استحضارها، وإنما صار مدخلا لمناقشة قضايا لا تزال في قلب الدولة المعاصرة.

وكان الإنسان أحد المفاتيح الأساسية لهذه القراءة؛ إذ ركز المشاركون على رؤية تجعل من إعداد الإنسان وتطويره محوراً للنهوض الإداري والاجتماعي. فالمؤسسات، مهما بلغت دقة قوانينها وهياكلها، تظل مرتبطة بنوعية الأشخاص الذين يديرونها، وبمدى امتلاكهم للكفاءة والنزاهة والشعور بالمسؤولية العامة.

وهنا تبرز فكرة تتجاوز حدود الإدارة التقنية إلى فلسفة الحكم نفسها: إصلاح المؤسسة لا ينفصل عن إصلاح الإنسان الذي يعمل داخلها. فالقوانين وحدها لا تنتج إدارة نزيهة، كما أن الهياكل المؤسسية لا تضمن بالضرورة حسن الأداء إذا غابت عنها معايير الاختيار والمساءلة والرقابة.

وبهذا المعنى، أعادت الندوة طرح العلاقة بين أخلاق المسؤول وكفاءة المؤسسة، وهي علاقة تبدو مركزية في العهد، لكنها لا تزال مطروحة في الدولة الحديثة بصيغ مختلفة، من أخلاقيات الوظيفة العامة إلى معايير التعيين والشفافية وتقييم الأداء.

الكفاءة في مواجهة المحسوبية

ومن أبرز المحاور التي برزت في قراءة العهد مسألة اختيار المسؤولين والعاملين في مؤسسات الدولة. فمبدأ اختيار "الأصلح" والكفء، الذي توقف عنده المشاركون، يفتح مباشرة على واحدة من أكثر مشكلات الإدارة تعقيدا، وهي تحوّل الوظيفة العامة من مسؤولية مرتبطة بالمصلحة العامة إلى مجال للمحسوبية أو النفوذ أو الولاءات الشخصية.

ولا تتعلق المسألة هنا بالكفاءة المهنية وحدها، وإنما بطبيعة العلاقة بين السلطة والوظيفة العامة. فحين يصبح الوصول إلى المنصب مرتبطا بالولاء بدلا من القدرة، تفقد المؤسسة جزءا من قدرتها على أداء وظيفتها، وتتحول الإدارة تدريجيا إلى شبكة من المصالح التي يصعب إخضاعها للمساءلة.

ومن هذه الزاوية، اكتسب التأكيد على الكفاءة في الندوة بعدا يتجاوز الجانب الأخلاقي؛ إذ قُدّم باعتباره مدخلا من مداخل بناء مؤسسات الدولة القادرة على العمل بكفاءة، ومواجهة الفساد قبل أن يتحول إلى ظاهرة متجذرة داخل الجهاز الإداري.

مكافحة الفساد.. الوقاية قبل العقوبة

وإذا كان اختيار المسؤول المناسب يمثل خط الدفاع الأول، فإن الرقابة المستمرة تمثل الوجه الآخر لمنظومة النزاهة التي ناقشتها الندوة. فمكافحة الفساد الإداري والمالي لا تبدأ عند لحظة اكتشاف المخالفة، وإنما يفترض أن تقوم على آليات تمنع استغلال الوظيفة العامة قبل وقوع التجاوز.

ومن هنا جاء التشديد على مراقبة أداء المسؤولين والعاملين في الدولة، وربط الصلاحيات بالمساءلة، وعدم ترك أصحاب المناصب من دون متابعة أو تقييم. وهي أفكار تجعل مكافحة الفساد قضية تتصل ببنية الإدارة نفسها، وليس مجرد ملف أمني أو قانوني يعالج بالعقوبة بعد وقوع الضرر.

فالفساد قد يظهر في صورة رشوة أو اختلاس، لكنه يمكن أن يتغذى أيضا من ضعف الرقابة، وغياب الشفافية، وسوء توزيع الصلاحيات، والتعيين على أساس غير مهني، وضعف المحاسبة. ولذلك فإن بناء مؤسسة نزيهة يتطلب منظومة متكاملة تجعل النزاهة جزءا من طريقة عملها، لا مجرد شعار ترفعه.

المال العام.. جوهر الاختبار

ويأتي  المال العام في قلب هذا النقاش؛ إذ إن حماية الموارد العامة تشكل أحد الاختبارات الأساسية لقدرة الدولة على تحويل مبادئ العدالة إلى ممارسة فعلية.

ا تكمن أهمية استعادة "عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر" في تقديم إجابات جاهزة لأزمات الدولة الحديثة، وإنما في إعادة طرح أسئلة تبدو قديمة في صياغتها، لكنها شديدة الراهنية في مضمونها: من يتولى المسؤولية؟ وعلى أي أساس؟ كيف تصان حقوق الناس؟ كيف يحاسب المسؤول؟ وكيف تُدار الثروة العامة بحيث تبقى الدولة مؤسسة لخدمة المجتمع لا مجالا لتراكم الامتيازات؟
وقد أكدت الندوة أهمية بناء نظام مالي متين، مقرونا برقابة مستمرة على أداء مؤسسات الدولة، في قراءة تضع إدارة الموارد ضمن المسؤولية السياسية والأخلاقية للحاكم والمسؤول. فالمال العام، في هذا التصور، ليس موردا متاحا لأصحاب السلطة، وإنما أمانة ترتبط بإدارة مصالح المجتمع.

ومن هنا يمكن وصل مضمون العهد بمفهوم معاصر يقوم على الشفافية والمساءلة وحسن إدارة الموارد، من دون الوقوع في إسقاط حرفي لمفاهيم الدولة الحديثة على نص تراثي ينتمي إلى سياق مختلف.

فالفرق مهم بين أن نقول إن العهد "يقدم نموذجا كاملا للدولة الحديثة"، وبين أن نقول إن بعض المبادئ التي يطرحها تتيح حوارا مع قضايا حديثة، مثل حماية المال العام، واختيار المسؤولين، والرقابة على السلطة. وفي الحالة الثانية تحديدا تبدو القراءة أكثر إنتاجا من الناحية الفكرية، لأنها لا تلغي المسافة التاريخية بين النص والحاضر.

من مكافحة الفساد إلى إصلاح الإدارة

ولعل الأهم في هذه القراءة أن النقاش لم يتوقف عند الفساد بوصفه سلوكا فرديا، وإنما اتجه إلى سؤال أوسع يتعلق بإصلاح الإدارة. فالمؤسسة لا تصبح فاسدة فقط عندما يظهر فيها موظف مرتش، وإنما يمكن أن تنتج بيئة قابلة للفساد عندما تغيب عنها معايير واضحة للتعيين والترقية، أو تضعف فيها الرقابة، أو تتراجع فيها المهنية، أو تنفصل قراراتها عن احتياجات المجتمع.

وبالتالي، فإن مواجهة الفساد تتطلب النظر إلى الأسباب التي تسمح له بالنمو، وليس الاكتفاء بملاحقة نتائجه. وهذا يعيد النقاش إلى الفكرة التي حضرت في الندوة بشأن الإنسان والمؤسسة: فاختيار الكفاءات، وتطوير مهارات العاملين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كلها حلقات مترابطة في بناء جهاز إداري قادر على حماية نفسه من الاختلال.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا: هل يمكن إصلاح الدولة بمجرد تغيير القوانين والهياكل، أم أن الإصلاح يحتاج أيضا إلى تغيير الثقافة التي تحكم ممارسة الوظيفة العامة؟

معرض بغداد.. الكتاب بوصفه فضاء للنقاش العام

وتكتسب الندوة دلالتها أيضا من موقعها داخل معرض بغداد الدولي للكتاب، الذي يبدو في دورته الحالية أقرب إلى تظاهرة ثقافية متعددة المسارات، تتجاور فيها الكتب مع الندوات الفكرية والفعاليات الفنية واللقاءات الثقافية.

ففي برنامج المعرض، تتنوع الموضوعات بين التاريخ والفكر والفن والعمران والتجارب الثقافية الدولية، بما يضع القارئ أمام مساحة تتجاوز عملية اقتناء الكتاب إلى الاستماع والحوار والنقاش. ومن بين هذه الفعاليات، حضرت موضوعات تستعيد شخصيات من التاريخ العراقي، وأخرى تتناول المشهد العمراني للمدن العراقية، إلى جانب فعاليات للتعريف بتجارب ثقافية دولية، من بينها الثقافة اليابانية وفنونها وطقوسها.

ويكشف هذا التنوع عن محاولة لتقديم المعرض باعتباره فضاء تتقاطع فيه المعرفة مع الحوار، والتاريخ مع أسئلة الحاضر، والثقافة المحلية مع التجارب العالمية. كما تمنح المشاركة الواسعة لدور النشر والمؤسسات الثقافية المعرض وظيفة تتجاوز الترويج للكتاب إلى تنشيط المجال الثقافي العراقي وربطه بالمشهد العربي والدولي.

ومن هذه الزاوية، تبدو ندوة "عهد الأشتر" جزءا من وظيفة المعرض في تحويل النصوص إلى موضوعات للنقاش العام. فالكتاب والتراث لا يكتسبان حضورهما من مجرد الاحتفاظ بهما، وإنما من القدرة على إعادة قراءتهما في ضوء أسئلة المجتمعات المتغيرة.

النص القديم وأسئلة الدولة الجديدة

في المحصلة، لا تكمن أهمية استعادة "عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر" في تقديم إجابات جاهزة لأزمات الدولة الحديثة، وإنما في إعادة طرح أسئلة تبدو قديمة في صياغتها، لكنها شديدة الراهنية في مضمونها: من يتولى المسؤولية؟ وعلى أي أساس؟ كيف تصان حقوق الناس؟ كيف يحاسب المسؤول؟ وكيف تُدار الثروة العامة بحيث تبقى الدولة مؤسسة لخدمة المجتمع لا مجالا لتراكم الامتيازات؟

وهذه الأسئلة هي التي منحت الندوة بعدها الفكري، إذ انتقلت من الحديث عن نص تراثي إلى مساءلة واقع الإدارة ومؤسسات الدولة، ومن مفهوم العدالة بوصفها قيمة أخلاقية إلى محاولة التفكير في شروط تحويلها إلى ممارسة مؤسسية.

وفي هذا السياق، يصبح استدعاء النص التراثي فعلا فكريا لا مجرد احتفاء بالماضي. فقراءة التراث لا تكون منتجة عندما تكتفي بتكرار مقولاته أو تحويله إلى إجابات نهائية، وإنما عندما تضعه في حوار نقدي مع الحاضر، وتحافظ في الوقت نفسه على سياقه التاريخي وحدوده.

ولعل هذه إحدى الوظائف الأهم لمعرض الكتاب: ألا يكتفي بعرض ما كتبه السابقون، بل أن يجعل من الكتب والنصوص مناسبة لإعادة التفكير في الحاضر. وبينما تتواصل فعاليات الدورة السابعة والعشرين من معرض بغداد الدولي للكتاب حتى 12 أيلول/سبتمبر، تتعدد مساحات النقاش بين الأدب والفكر والفن والتاريخ والهوية، في مشهد يعيد للكتاب دوره باعتباره أداة للحوار العام.

وفي هذا الإطار، جاءت قراءة "عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر" لتضع النص القديم أمام امتحان الحاضر، لا بحثا عن وصفة جاهزة للدولة، وإنما عن مبادئ وأسئلة يمكن أن تساعد في التفكير مجددا في معنى السلطة، وحدودها، ومسؤولية من يتولاها، والعلاقة بين العدالة وكفاءة المؤسسة، وبين نزاهة الفرد وقدرة الدولة على مكافحة الفساد.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم