ما سر تفوق جماعة الحوثيين في الحشد والتقدم والمباغتة عسكريا؟

اشتداد المعارك في تعز وجبهات أخرى بين الحوثيين والقوات الحكومية- الأناضول
اشتداد المعارك في تعز وجبهات أخرى بين الحوثيين والقوات الحكومية- الأناضول
شارك الخبر
في ظل التصعيد العسكري الميداني الذي شهده اليمن خلال الأيام الماضية، أظهرت جماعة "أنصار الله" الحوثيين من جديد، قدرة عالية على التقدم والمباغتة وإدارة مسرح العمليات بكفاءة في مسعى منها إلى الوصول إلى باب المندب حيث ممر الملاحة الدولية.

التقدم الميداني وآليات الحشد البشري واللوجستي للحوثيين طرحا أسئلة عدة حول سر هذا التفوق واستدامته منذ سنوات وما نقاط القوة لدى الجماعة مقابل قوات الجيش التابع للحكومة اليمنية المعترف بها والتشكيلات الأخرى الموالية لها.

وما بات ملاحظا، وفق مراقبين، أن جماعة الحوثي تعتمد في تفوقها الميداني وقدرتها على الحشد والمباغتة والتقدم أمام القوات الحكومية والتشكيلات المناهضة لها على عدد من العوامل "العقائدية والتنظيمية والعسكرية" التي تمنحها مرونة الحركة وسرعة المناورة. إضافة إلى دراسة وتقييم الثغرات الهيكلية ونقاط الضعف لدى القوات الحكومية والمكونات المناهضة لها.

ومن العوامل أيضا، "الاعتماد على الذات" من خلال "التصنيع المحلي من خلال ورش لتصنيع وتعديل الأسلحة والذخائر والصواريخ"، بالاستعانة بخبرات إيرانية. إضافة إلى مسارات وشبكات التهريب سواء عبر البحر أو عبر الصحراء، بما يمكن من "تدفق المكونات الإلكترونية والقطع الحساسة الخاصة بالمسيرات والصواريخ"، وفق تقارير دولية.

كما يبرز عامل أخر من خلال " توجيه كافة الموارد الاقتصادية والضريبية لصالح المجهود الحربي" والتحلل من التزاماتها تجاه المواطنين بحجة مواجهة ما تسميه "العدوان" عليها، وهو الأمر الذي وفر تمويلا ذاتيا ومستمرا لتطوير وتمويل قدراتها العسكرية. فضلا عن سيطرتها على المناطق والمدن الأكثر كثافة سكانية في اليمن.

اظهار أخبار متعلقة



تنظيم وتعبئة

وفي السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد الزرقة أن سر تفوق الحوثيين لا يكمن في قوة عسكرية خارقة، بل في اجتماع ثلاثة عوامل: "تنظيم عقائدي صارم، وقدرة عالية على التعبئة القسرية، واستثمار طويل في تفكيك خصومهم قبل مواجهتهم".

وقال الزرقة في حديث خاص لـ"عربي21": الحوثيون لا يتحركون كحزب سياسي تقليدي، بل كجماعة عسكرية مؤدلجة ترى السلطة حقًا حصريًا، وتدير مناطق سيطرتها بمنطق التعبئة الدائمة، لا بمنطق الدولة.

وأضاف أن قوتهم الأولى أنهم يملكون "مركز قرار واحدًا وسلسلة قيادة منضبطة وقدرة على تحريك الجبهات بسرعة"، بخلاف القوات الحكومية التي تعاني غالبًا من "تعدد مراكز القرار وتضارب الولاءات، وضعف غرفة العمليات المشتركة"، مشيرا إلى أنه وفق لما سبق، يستطيع الحوثي أن يباغت في جبهة، أو يفتح ضغطًا محدودًا في جبهة أخرى، مستفيدًا من بطء التنسيق بين خصومه.

ماكينة الحشد

فيما تبرز نقطة أخرى من نقاط القوة لدى الحوثيين من خلال "ماكينة الحشد"، وقال الكاتب اليمني إن الجماعة تستخدم مزيجًا من "التعبئة الدينية والخطاب الطائفي، والضغط الاجتماعي، والإكراه الأمني، واستغلال الفقر، وتجنيد الأطفال والمراهقين، وتحويل المدارس والمساجد والمناسبات الدينية إلى منصات تعبئة مستمرة".

وأعتبر أن هذه ليست قوة مجتمعية طبيعية بقدر ما هي "قدرة قسرية" على تحويل السكان إلى خزّان حرب.

أما القوة الثالثة، وفقا للكاتب والمحلل السياسي الزرقة، فتكمن في "الخبرة التراكمية"، مؤكدا أن الحوثيين يقاتلون منذ حروب صعدة، وراكموا معرفة بالتضاريس، وبحرب الجبال، وباستخدام الأنساق البشرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والألغام، وشبكات الرصد المحلي.

اظهار أخبار متعلقة



دعم إيراني

كما استفادوا ـ بحسب المتحدث ذاته ـ من الدعم والخبرات الإيرانية، ولا سيما عبر الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب خبرات مرتبطة بحزب الله اللبناني، في تطوير قدراتهم العسكرية والتقنية، وتحسين استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وبناء شبكات الاتصالات والرصد، وتطوير أدوات الحرب النفسية والدعائية.

وقال أيضا، إن الدعم الإيراني لم يقتصر على "التدريب" بل شمل نقل المعرفة وتقديم المشورة في "التخطيط العملياتي وإدارة الجبهات"، بما عزز قدرة الجماعة على خوض حرب طويلة ومتعددة المستويات.

الحرس الثوري وحزب الله

وواصل الزرقة حديثه بأن دور خبراء الحرس الثوري الإيراني" يبرز أيضا في "توجيه المعركة" من خلال تقديم المشورة في تحديد الأولويات العملياتية، واختيار أساليب الاستنزاف، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، وربط العمل الميداني بالرسائل السياسية والإعلامية.

كما أسهم هؤلاء الخبراء في نقل "خبرات الحرب غير المتكافئة، وتوظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة" ضمن استراتيجية تجمع بين "الردع والضغط السياسي"، فضلًا عن مساعدة الحوثيين على بناء شبكات محلية للرصد والاتصال، وتوزيع المهام بين وحدات متخصصة تعمل بقدر من الاستقلالية، حسبما ذكره الزرقة.

وبهذا لم يكن الدور الإيراني مقتصرًا على تزويد الجماعة بالسلاح، كما يوضح الكاتب والمحلل السياسي اليمني، بل "امتد إلى التأثير في طريقة إدارة المعركة، وتحديد توقيت التصعيد، واختيار الأهداف، وتوظيف العمليات العسكرية ضمن حسابات إقليمية أوسع".

وقد أسهمت خبرات الحرس الثوري الإيراني وفقا للزرقة، "في نقل نموذج يقوم على بناء قوة موازية للدولة، تجمع بين العمل العسكري والتنظيم العقائدي وشبكات النفوذ الاجتماعي".

أما حزب الله اللبناني، أكد الكاتب اليمني إلى أنه مثّل مصدرًا مهمًا للخبرة في "حرب العصابات، وإدارة الجبهات الجبلية، وبناء الوحدات المتخصصة، واستخدام الإعلام والحرب النفسية بالتوازي مع العمليات العسكرية".

ولفت إلى أن خبرة الحزب اللبناني في القتال داخل المدن وفي إدارة المعارك الممتدة ساعدت على تطوير قدرة الحوثيين على "الجمع بين الهجمات المباشرة، والاستنزاف، والضربات بعيدة المدى" مع الحفاظ على بنية تنظيمية مرنة يصعب استهدافها بالكامل.

شتات وأجندات

من زاوية أخرى، قال إن القوات الحكومية تعاني من "مشكلة بنيوية" ليست المشكلة في شجاعة المقاتلين، بل في غياب المشروع القيادي الموحد.

وتابع السياسي الزرقة بأن هناك وحدات تقاتل ببسالة، لكن القرار السياسي والعسكري مشتت، والتمويل متفاوت، والتسليح غير منظم، والجبهات لا تعمل دائمًا ضمن رؤية واحدة.

ولفت إلى أن بعض القوى المناهضة للحوثي تخوض الحرب "بأجندات محلية أو مناطقية"، بينما يخوضها الحوثي باعتبارها مشروع سيطرة شاملًا.

وبين الكاتب اليمني أن ميزان القوة لا يُقرأ فقط بعدد المقاتلين أو نوع السلاح، بل بدرجة التنظيم والقرار والإرادة السياسية، مؤكدا على أنه متى توحدت الجبهات المناهضة للحوثيين، وتوفرت قيادة عسكرية محترفة، وغرفة عمليات موحدة، وخطاب وطني جامع، فإن كثيرًا من عناصر التفوق الحوثي ستفقد قيمتها.

وخلص إلى أن الجماعة "قوية" بسبب ضعف خصومها بقدر ما هي قوية بذاتها.

اظهار أخبار متعلقة



تعبئة واغراءات

من جانبه، قال الكاتب والباحث السياسي اليمني، أنور الخضري إن تفوُّق الحوثيين وقدرتهم على الحشد يعود إلى كونهم يعتمدون على عدَّة أمور أبرزها "التعبئة الدينية والمذهبية".

وأضاف الخضري في حديثه لـ"عربي21" بأن الجماعة تصور الصراع مع اليمنيين على أنه "صراع مع قوى الكفر والطغيان والعدوان"، وأنهم يستهدفون أمريكا وإسرائيل، ويسعون لتحرير فلسطين... الخ. فضلا عن وصف مخالفيهم بالوهابية والسلفية والدواعش واليزيديين وبني أمية في مقابل المسيرة القرآنية وآل البيت وأعلام الهدى.

وتابع بأن هذا الخطاب الديني والمذهبي له جمهوره.”
أما الأمر الثاني وفقا للخضري فيكمن في "الخطاب العنصري السلالي الموجه للهاشميين" وتجنيدهم للمشروع وتسكينهم في وظائف الدولة وتمييزهم وإحلال الغنائم والفيد لهم، والخمس والنهب ومن ثم تجنيد أبناء هذه الأسر في المعسكرات.

فيما يتمثل الأمر الثالث في "تقديم الإغراءات المالية" في مجتمع ينهشه الجوع في ظلِّ سياسة الجماعة التفقيرية، حيث يُدفع للمقاتلين رواتب ووجبات وقات ولوازم الجبهات.

كما أتهم الكاتب والباحث اليمني الجماعة بـ"إغراق الشباب في المخدرات والشهوات وسلب عقولهم بها وإخضاعهم من خلالها"، فضلا عن استعمال السحر والشعوذة بحسب إفادات وشهادات لأشخاص قاتلوا في صفوف الجماعة، على حد قوله.

ومن الأمور التي تعتمد عليها الجماعة الحوثية في آليات الحشد، بحسب الباحث اليمني ـ "الترهيب والإكراه والإجبار" من خلال مسك إدانات أو أوراق ضد آباء أو شباب لدفعهم للقتال، بمن في ذلك المتورطين بجرائم جنائية.

وقال إن "هذه الوسائل توسِّع دائرة التأثير وتعزز القدرة على الحشد".

 إقدام ومباغتة

في المقابل، أكد الكاتب والباحث الخضري على أن الجبهة المقابلة للحوثيين تعاني من "الاختلاف والتنازع، وسط غياب خطاب تعبوي موحد أو ورعاية شاملة لكل أفراد القوات المسلحة على قدر من المساواة والعدل".

كما أشار إلى أن "الإقدام والمباغتة" الذي يمارسوه الحوثيون في حروبهم، فيعود إلى أن الجماعة ماتزال فتية مدفوعة بالطموح والآمال والتطلعات وترى أنها قادرة على المغامرة في ظروف مواتية وحسابات معقدة، مع إيمانها الجازم أن الدول الغربية والإقليمية ليست في وارد استئصالها أو القضاء عليها أو إزاحتها من المشهد لاعتبارات متعددة ومختلفة من طرف لآخر.

وقال إن ذلك يعطيها الأمان بشأن مغامراتها وردود الأفعال عليها، في الوقت الذي لمست الجماعة هذا الانحياز منذ حروبها الأولى مع الدولة ثم في مؤتمر الحوار الوطني ثم في زحفها نحو صنعاء وحصارها لها وإسقاطها إياها، ثم في رعايتهم واستيعابهم عبر اتفاق السلم والشراكة، ثم في محاولات تعطيل التقدم نحو صنعاء أو تحرير المزيد من المناطق، وفي تدليل المبعوث الأممي والمنظمات الأممية والدولية لهم وغير ذلك من المؤشرات.

وبحسب الباحث اليمني فإن الحوثيين يقرؤون هذه الأمور إن لم تكن لديهم رسائل مباشرة بهذا الشأن.

وحدة القرار

وتطرق الخضري إلى ما يميز الجماعة عن الجانب الحكومي، وذلك من خلال أن "مصدر القرار واحد، ومرجع التنظيم والإدارة موحد، والغاية التي تسعى لها واحدة وواضحة" فليس فيها شركاء متشاكسون.

ولم يتسن لـ"عربي21" الحصول على توضيح من قيادات في جماعة الحوثيين بشأن هذه الموضوع والرد على التساؤلات

كما أن الخلافات والنزاعات والمكايدات في المعسكر الحكومي تصب في صالحها، حسب قوله
وكان الحوثيون قد بدأوا الخميس الماضي، هجوم واسعا على المديريات الغربية من محافظة تعز جنوبا، والجنوبية من الحديدة، غربا، في تحول لافت في مسار التصعيد الذي أعلنت عنه الجماعة في يوليو/ تموز الماضي. 
التعليقات (0)