ماسبيرو.. مفخرة يوليو الأولى ومسخرة يوليو الثانية

قطب العربي
"الأجهزة العميقة التي حكمت ولا تزال تحكم مصر حرصت على إخفاء الرقم الحقيقي للديون باعتباره سرا حربيا حتى تجد حلا له، وحين وجدت الحل أفرجت عن ذاك السر" -الأناضول
"الأجهزة العميقة التي حكمت ولا تزال تحكم مصر حرصت على إخفاء الرقم الحقيقي للديون باعتباره سرا حربيا حتى تجد حلا له، وحين وجدت الحل أفرجت عن ذاك السر" -الأناضول
شارك الخبر
في السابع والعشرين من آب/أغسطس المنصرم، أعلنت الحكومة المصرية عن تسوية تاريخية لمديونيات اتحاد الإذاعة والتلفزيون الرسمي(ماسبيرو)؛ كانت المفاجأة أو لنقل الصدمة الكبرى للكثير من المتابعين أن تلك المديونيات لم تكن هي الرقم الذي سبق لرئيس الهيئة الوطنية للإعلام السابق حسين زين إعلانه في العام 2021، والذي بلغ 42,6 مليار جنيه، لقد ظهر أن تلك المديونيات بلغت 140 مليار جنيه في العام 2026. يا للهول!! أين اختبأت تلك المديونية الضخمة والتي تمثل نموذجا فجا للديون الداخلية العبثية التي ينوء بحملها المواطن المصري الغلبان طيلة تلك الفترة؟!

مهما يقال من تبريرات عن ارتفاع قيمة فوائد الديون في الفترة (من 2021 حين كان الدين 42,6 مليار جنيه وحتى 2026 حيث قفز إلى 140 مليار جنيه) فإن تلك المبررات ليست مقنعة لأي عاقل، وربما الأصح هو أن الأجهزة العميقة التي حكمت ولا تزال تحكم مصر حرصت على إخفاء الرقم الحقيقي للديون باعتباره سرا حربيا حتى تجد حلا له، وحين وجدت الحل أفرجت عن ذاك السر.

وفقا للبيانات الرسمية فقد بدأت تلك الديون بقرض قيمته 9,6 مليار جنيه من بنك الاستثمار القومي (بنك الحكومة) موروثة من عهد مبارك، ارتفع إلى 18 مليار جنيه في العام 2012، ومع تراكم الفوائد وغرامات التأخير قفز الرقم إلى 140 مليار جنيه منذ 2013 وحتى الآن.

الأرقام المفزعة تستحق استجوابا في البرلمان حول قفزاتها المجهولة، وكيف جرت؟ ولماذا جرى إخفاؤها من قبل؟ وما هي الأصول التي تم التنازل عنها؟ ولماذا لم تكن مستغلة من قبل؟

لكن الحكومة وجدت أخيرا حلا لتلك المديونية وستعتبره نموذجا لحل مشاكل مديونيات أخرى، فالصحافة الحكومية مدينة أيضا بمبالغ طائلة، بلغت في العام 2012، حيث كنت وقتها أمينا عاما مساعدا للمجلس الأعلى للصحافة، مبلغ 12 مليار جنيه، موروثة من عهد مبارك أيضا، لكنها قفزت في الفترة من 2013 وحتى 2017 إلى 19 مليار جنيه وفقا لتصريح رئيس الهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر (المصري اليوم 29 آب/ أغسطس 2017). تنوعت التصريحات تاليا عن حجم المديونية، وذكر بعضها أنه تمت تسويتها، كما ذكر البعض أن الديون التجارية هي التي تمت تسويتها بينما بقيت الديون السيادية.. الخ، ولن نفاجأ مجددا إذا ظهرت أرقام خيالية جديدة عن تلك المديونيات كما حدث مع ماسبيرو.

في تسوية ماسبيرو التي تعدها الحكومة نموذجا لتسويات قادمة، وحيث ظهر أن الرقم الحقيقي للمديونية حوالي 140 مليار جنيه، فقد أعلنت الحكومة عن شطب 51,4 مليار جنيه من الفوائد المرحّلة، لينخفض رقم المديونية إلى 88,3 مليار جنيه، وقد جرى التنازل عن 44 أصلا من أصول ماسبيرو غير المستغلة بقيمة 18 مليار جنيه للدائن وهو بنك الاستثمار القومي، وستقوم الحكومة بسداد باقي المديونية من بيع أراضٍ حكومية! هذه الأرقام المفزعة تستحق استجوابا في البرلمان حول قفزاتها المجهولة، وكيف جرت؟ ولماذا جرى إخفاؤها من قبل؟ وما هي الأصول التي تم التنازل عنها؟ ولماذا لم تكن مستغلة من قبل؟

قد يتكرر الأمر مع مديونية المؤسسات الصحفية القومية كما ذكرنا، وفي كلتا الحالتين فإن هذه التسوية حررت ماسبيرو، وقد تحرر المؤسسات الصحفية من كابوس جثم على صدرها عقودا، لكن الخشية أن يكون للتسوية غرض آخر، وهو التخلص من هذه الأصول الإعلامية الرسمية التي طالما تحدثت باسم الدولة، أو بمعنى أصح باسم السلطة منذ تأسيس التلفزيون الرسمي (ماسبيرو)، وانطلاق بثه في العام 1960، وهو العام نفسه الذي تم فيه تأميم الصحافة المصرية.

تسوية ماسبيرو (والاسم منسوب للمعماري والأثري الفرنسي جاستن ماسبيرو، مدير هيئة الأثار المصرية أواخر القرن التاسع عشر) فتحت شهية البعض لتكرارها على نطاق أوسع، حيث اقترح المستشار الاقتصادي للحكومة المصرية حسن هيكل (نجل الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل) مقايضة ديون مصر البالغة 165 مليار دولار مقابل بيع قناة السويس، وهو الاقتراح الذي أثار غضبا واسعا في مصر أجبر الحكومة على التبرؤ منه، لكن الفكرة ستظل حاضرة تظهر بين الحين والآخر.

كان ماسبيرو بقنواته التي بدأت بقناة واحدة ثم ارتفعت حاليا إلى 20 قناة - بخلاف الشبكات الإذاعية المختلفة، وبخلاف المؤسسات الصحفية القومية- مفخرة يوليو الأولى، وأقصد ثورة الضباط في يوليو 1952، فهم الذين أنشأوا تلك المنظومة الإعلامية سواء عبر التأسيس أو عبر التأميم، وظلت تلك المنظومة هي الصوت الإعلامي الوحيد في مصر حتى بداية التجربة الحزبية في النصف الثاني من السبعينات، والتي أنتجت صحفا حزبية، تلاها ظهور الصحافة والقنوات التلفزيونية الخاصة مطلع الألفية الثالثة لتكسر ذلك الاحتكار الحكومي للإعلام، ولتكشف عورته مع الوقت.

شاخ الإعلام الحكومي (بصحفه وقنواته)، وأصبح عبئا يتزايد يوما بعد يوم، لقد تضخمت أعداد العاملين به حتى وصلت في ماسبيرو إلى 43 ألفا، وفي الصحافة القومية إلى 24 ألفا، قبل أن ينخفض الرقمان بسبب الوفيات، ووقف التعيينات الجديدة. وكانت هذه العمالة الضخمة أحد أسباب تضخم المديونية التي تحدثنا عنها، إلى جانب أسباب أخرى؛ على رأسها الفساد وإهدار المال العام في مشروعات غير ضرورية. ورغم الميزانيات الكبيرة التي خصصتها الدولة لإعلامها (خاصة التلفزيوني) إلا أنه تراجع بشدة في مواجهة الإعلام الخاص الذي حصل على النسب الأكبر من المشاهدة، ومع ذلك ظلت دولة مبارك متمسكة بهذه المنظومة وتعتبرها جيشها الإعلامي الذي لا يجوز التفريط فيه مهما كانت التكلفة!

هذه التسوية حررت ماسبيرو، وقد تحرر المؤسسات الصحفية من كابوس جثم على صدرها عقودا، لكن الخشية أن يكون للتسوية غرض آخر، وهو التخلص من هذه الأصول الإعلامية الرسمية التي طالما تحدثت باسم الدولة، أو بمعنى أصح باسم السلطة منذ تأسيس التلفزيون الرسمي

عقب يوليو 2013 تحولت تلك المنظومة إلى مسخرة للنظام الجديد، لم يعرها اهتماما بعد أن تيقن أنها ميتة إكلينيكيا، وبدلا منها أنشأ منظومته الإعلامية الجديدة أو لنقُل ماسبيرو الجديد المتمثل في الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تمتلك 17 قناة تلفزيونية، و6 إذاعات، و12 صحيفة وموقعاً إخبارياً، وأكثر من 40 شركة أخرى، ويعمل فيها حوالي 9 آلاف موظف. ورغم أن الشركة مملوكة لجهاز المخابرات إلا أنها تعمل وفقا لقواعد القطاع الخاص، بما يمنحها مرونة كبيرة في التعيين والفصل، وتحريك الأجور، على خلاف المنظومة الإعلامية القديمة.

هذه المنظومة الجديدة بدت استجابة لحلم السيسي بامتلاك إعلام يشبه إعلام ناصر، من حيث الاحتشاد خلفه، وتسويق سياساته ومشروعاته، لكن المشكلة أن ناصر كان يمتلك مشروعا حقيقيا -بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه- لذا كان الإعلام يحتشد خلف هذا المشروع السياسي والاجتماعي، بينما لا يمتلك النظام الجديد مشروعا مماثلا باستثناء التركيز على مشروعات إسمنتية عملاقة، ليست من أولويات التنمية، ولا ينتفع بها المواطن، ومع ذلك فإنه يدفع فاتورتها من تضخم يقصم ظهره، ومديونيات تثقل كاهله وكاهل أبنائه وأحفاده.

في إعلام يوليو 1952 أو إعلام يوليو 2013 فإن الصوت الواحد هو العنصر المشترك بينهما، وهذه طبيعة كل النظم الشمولية، والغريب هو حديث السيسي مؤخرا عن فتح المجال الإعلامي لأصوات متعددة، وهو ما أعاد التذكير به وزيره للإعلام ضياء رشوان، وهو الحديث الذي أثار موجة من السخرية في الوسط الإعلامي والسياسي، ذلك أن من أصدر تلك التوجيهات هو ذاته الذي أغلق المجال الإعلامي، كما أغلق المجال السياسي، وهو ذاته الذي يملك فتح ذلك المجال بجرة قلم، وليس عبر تصريحات عديمة المصداقية. والخطوات سهلة، وفي متناول يده، وتبدأ بإطلاق سراح الصحفيين والإعلاميين المعتقلين، وإعادة الصحف والقنوات المغلقة، ومنح التراخيص للصحف والقنوات التي تقدمت بطلبات لذلك، وكذا رفع الحجب عن المواقع المحجوبة بالمئات، وفتح القنوات والصحف بالفعل للأصوات المعارضة والمستقلة، دون أن يكون ذلك فخا منصوبا لهم لاعتقالهم بسبب تعبيرهم عن آراء ناقدة تعتبرها السلطات نشرا لأخبار كاذبة يستحق صاحبها السجن.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)