إيطاليا تقفز عن "ريجيني" وتعرض وساطة بين مصر وإثيوبيا.. ما فرص نجاحها؟

المفاوضات بين البلدين وصلت لطريق مسدود- جيتي
المفاوضات بين البلدين وصلت لطريق مسدود- جيتي
شارك الخبر
تطورات لافتة شهدتها العلاقات المصرية الإيطالية الأسبوع الماضي، بعد عقد من الفتور، وفيما يبدو أنه تجاوز من روما لأزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني كانون الثاني/يناير 2016، عرضت الخارجية الإيطالية على القاهرة القيام بدور الوساطة بين مصر وإثيوبيا في ملف مياه النيل وحل أزمة معقدة لأكثر من 15 عاما. 

والخميس الماضي، عاودت اللجنة المصرية الإيطالية الاجتماع بالقاهرة لأول مرة منذ 10 سنوات، التقى وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، الذي وجه دعوة لرئيس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لزيارة القاهرة.

وفي الأثناء عرض الوزير الإيطالي التوسط بين مصر وإثيوبيا لحل أزمة المياه، قائلا من القاهرة إن روما يمكنها الاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا، مؤكدا ضرورة التوصل إلى اتفاق يتيح لمصر الحصول على حصتها من المياه، في إطار احترام القانون الدولي.

اظهار أخبار متعلقة



وتعد إيطاليا رابع أكبر مستثمر أجنبي في مصر، بقيمة تبلغ 24 مليار دولار حتى منتصف 2025، وبمساهمات من إيطاليين في 1400 شركة  تعمل في مصر، وسط اهتمام حالي بالاستثمار في الصناعات الغذائية، والغزل والنسيج، والهيدروجين الأخضر، والطاقة النظيفة.

وتأتي تلك التطورات رغم طلب الادعاء الإيطالي في حزيران/يونيو الماضي، بإصدار حكم بالسجن المؤبد بحق ضابط مصري، إلى جانب أحكام بالسجن 17 عاما بحق 3 مسؤولين أمنيين آخرين، بتهمة خطف الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، وتعذيبه وقتله في القاهرة عام 2016.

محاولة تبريد وليس للحل


وحول دلالات تلك التطورات في علاقات مصر وإيطاليا، وأسباب عرض روما الوساطة في ملف مياه النيل الآن، والحلول التي يمكن أن تطرحها، تحدث الخبير المصري في الشؤون الأفريقية الدكتور مصطفى الجمال، لـ"عربي21"، قائلا: "لا أعتقد أن إيطاليا عرضت الوساطة من تلقاء نفسها".

الأكاديمي المصري، أضاف: "كما أن إيطاليا لا تملك أوراق ضغط على الجانبين"، موضحا أنه "لم يُعرف عن إيطاليا القيام بمثل هذه الأدوار"، متوقعا أن "يكون قد تم دفعها لذلك لتأجيل انفجار التناقضات بين الجانبين"، متوقعا أنه "على الأغلب هي محاولة لتبريد الأزمة وليس حلها".

ولا يعتقد الجمال، أن تكون إيطاليا جاءت لعرض قبول مصر بمنفذ لإثيوبيا على البحر الأحمر، مؤكدا أن "مصر لن تقبل بهذا؛ إلا تحت ضغط شديد جدا، وكذلك السعودية"، مشيرا إلى أنه "نلاحظ دائما أن إثيوبيا وإسرائيل صنوان".

وحول تزامن عرض الوساطة الإيطالي مع حالة إعراض أمريكي عن الملف وتوسيع واشنطن اتفاقها العسكري والدفاعي مع أديس أبابا، وممارسة ضغوط كبيرة على مصر في ملفات عديدة، قال إنه "من غير الواضح ما مصلحة إيطاليا في ذلك؛ وهل هناك قوة غربية كبرى تدفعها للتوسط أم أنها بروباغندا دبلوماسية لتلميع الحضور الإيطالي".

واتفق الأكاديمي المصري مع ما يقوله محللون عن "تخوف أوروبا من أن تصيب مصر ذات الـ120 مليونا و10 ملايين لاجئ أزمة جوع بفعل التعنت الإثيوبي فتتحمل أوروبا تلك التوابع مستقبلا، وفهم قادة أوروبا أنهم لا يجب أن ينجروا خلف سياسات إسرائيل وأمريكا في ملف المياه لأنهم هم من سيدفعون الثمن"، مؤكدا أنه حديث "محتمل بالطبع؛ ولكنه جهد سيبوء بالفشل حتما لأن إسرائيل وأمريكا والإمارات متواطئون على مصر بوضوح".

وفي نهاية حديثه أكد أنه "يجب على مصر أولا أن تنسحب من اتفاق المبادئ، وتتخذ موقفا قويا من الإمارات، ثم تقوم بإصدار إعلان قوي بأنها لن تقبل الابتزاز في مسألة وجودية".

أصل الأزمة واتفاق 2015


وحول عودة علاقات مصر وإيطاليا كدولتين تاريخيتين بعد 10 سنوات من أزمة "ريجيني"، وسط توقعات بزيارة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لمصر، وذلك إثر زيارة تاريخية للرئيس الصيني للقاهرة، يثار السؤال عن أسباب عرض روما الوساطة الآن بملف مياه النيل، واحتمالات أن تكون إثيوبيا قد دفعتها لهذا الدور.

وفي رؤيته قال مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير فرغلي طه، لـ"عربي21"، إن "إيطاليا دولة مؤثرة وصديقة وعلاقاتها تاريخية مع مصر، وأيضا مع إثيوبيا حيث تعود لفترة احتلال روما لها بين عامي (1936-1941)، لكن التواصل الجديد أتصور أنه جاء بمبادرة من مصر، وليس من إثيوبيا، وإن كان هذا الاحتمال غير مستبعد، لأن الأمور وصلت إلى مرحلة ضيقة من التفاهم ولا يوجد حوار بعد أكثر من 10 سنوات من التفاوض الثلاثي بإضافة السودان دون فائدة".

سفير مصر الأسبق في العديد من دول القارة الأفريقية مثل: (كينيا وجيبوتي)، أوضح أن "المبادرة الإيطالية تأتي إثر حوار وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، الذي أكد فيه أن مصر وصلت إلى طريق مسدود وأنها لن تسمح بتهديد حياة المصريين، في تصريح يفهم بأنه ليس أمامنا سوى الوسائل العسكرية، ودبلوماسيا لا تقال هذه الكلمة لكن السياق مفهوم".

ولفت إلى أن "أصل الموضوع هو (اتفاق المبادئ) آذار/مارس 2015"، واصفا إياه بأنه "من وجهة نظري غريب في عالم السياسة والدبلوماسية والقانون"، مبينا أن "معظم البنود تقول سنفعل كذا وسيتم الاتفاق على كذا، لكن الشيء الوحيد المؤكد أننا سمحنا لإثيوبيا ببناء السد وتمويله دوليا بعد أن كنا قد وصلنا لوقف تمويل السد بعلاقاتنا مع دول مؤثرة ومؤسسات دولية كون هناك ضررا على مصر وبعد توقيع الاتفاق تم رفع الحظر الدولي عن التمويل وسمحنا ببناء السد"، ملمحا لوجود ثغرات كثيرة.

يتحكمون في المحبس


وبشأن رؤيته لاحتمالات نجاح الوساطة الإيطالية، قال طه: "السد بني وإثيوبيا لم تنفذ الوعود النظرية المتفق عليها بأننا كدولتي مصب ندير السد مع إثيوبيا وما يحدث أثناء الفيضان المتوسط والقليل والجفاف، كل هذا لم يتم الموافقة عليه من الجانب الإثيوبي لعقد كامل؛ فهل ستوافق عليه إثيوبيا الآن بوساطة إيطالية وتعود أديس أبابا وتستجيب، بينما الجميع يعلم أن إثيوبيا بنت السد بقرار منها شكليا ولكنه بقرار من ورائها".

الدبلوماسي المصري السابق، ذهب للقول: "في الحقيقة هناك أطراف عديدة وراء بناء السد، وليس سرا أن وراءه إسرائيل وأمريكا وبريطانيا ودول أخرى، وقد يقول البعض إنها نظرية مؤامرة ويتساءل أكل هؤلاء يعملون ضد مصلحة مصر ولنا علاقات معهم؟، ولكن الواقع والتاريخ يقولان إن فكرة السد أمريكية منذ ستينيات القرن الماضي وناقشتها شركات أمريكية وساسة أمريكيين، وللأسف تم بناء السد لأن العالم حاليا تحت سيطرة وضغوط الصهيونية العالمية والمسيحية الصهيونية، وهذا ليس كلاما مرسلا ولكن هذه سياسات تبنتها الصهيونية على أساس أحلام توسعية وتوراتية".

وأضاف: "لا أعلم ما الذي يمكن أن تقدمه إيطاليا بهذا الملف كوسيط بدون موافقة كل تلك الأطراف، وإن كانوا سيوافقون فلماذا سمحوا ببناء السد من الأساس؟، ولماذا لم يضغطوا على إثيوبيا للتوصل لاتفاق نهائي"، موضحا أن "الهدف التحكم بالمياه القادمة إلى مصر، وأن يكون المحبس في إثيوبيا ليستخدم بأوقات الحاجة ولتنفيذ مطالب كتوصيل مياه النيل، ولو رفضت مصر يتم غلق المحبس كاملا، ولو لم توافق على أمور سياسية أو عسكرية مصرية أو خاصة بالمنطقة يُغلق المحبس، وهذا الهدف الأساسي".

لعبة التسليع.. والمنفذ المالح


وفي تقديره لخطورة الحديث الإثيوبي عن "تسليع المياه"، أو دفع القاهرة مقابل مالي لأديس أبابا كإحدى جوانب الضغط والتحكم في وصول قطرة المياه إلى مصر، قال الخبير المصري بالشؤون الأفريقية: "هذا أمر جانبي"، متسائلا: "لماذا يسعرها؟، ولمن ينقلها؟، بينما تكاليف نقلها أكبر من العوائد"، ملمحا إلى تصريح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قبل أيام وقوله إننا رحماء بمصر والسودان بأننا لا نزرع المنطقة المتاخمة لبحيرة السد"، مؤكدا أنه "لا يستطيع علميا وجغرافيا ومائيا مع صعوبات الأرض والتكاليف الكبيرة، بينما لا يحتاج لزراعتها ولديه أراضي واسعة تروى بمياه أمطار تصل إلى ألف مليار متر مكعب سنويا".

وبشأن ما تطالب به بعض الوجوه الإثيوبية بأن تكون "المياه العذبة مقابل المياه الملحة"، ومدى اعتبار ذلك نقطة جوهرية تلعب عليها أديس أبابا بأن يكون لها منفذا على البحر الأحمر، وأن التدخل الإيطالي قد يأتي لتقديم هذا الحل، يعتقد طه، أن "إيطاليا ومعظم دول أوروبا رغم استقلاليتها تسير خلف السياسة الأمريكية لا يمكنها العمل منفردة، بل هم متحدو التوجهات السياسية على صعيد العالم، وفي علاقاتهم مع روسيا والصين تجدهم في الفناء الخلفي لواشنطن؛ ولذلك لن تفعل روما ما لا تقبله واشنطن، وإثيوبيا تحتاج منفذا على البحر الأحمر منذ انفصال إريتريا عام 1993، وإذا حصلت على هذا المنفذ، ماذا يضمن لمصر أنها لن تضر بمصالحها، والسد تم وانتهى بالفعل بدون إدارة مصرية وسودانية مع إثيوبيا رغم الوعود، فلهذا لا يمكن الوثوق بهم".

وأوضح أنه "يمكن لمصر أن تتوسط لعمل منفذ لإثيوبيا على البحر الأحمر عبر الصومال، ولكن إثيوبيا تريد منفذا للأسف الشديد ولديها تطلعات جيواستراتيجية تمثل لها أمن قومي، ولا تريد منفذا فقط للتجارة فهي تستخدم موانئ صوماليلاند وجيبوتي للتجارة منذ سنوات"، موضحا أنه "خدم في هذه المنطقة مرتين في كينيا، وآخر مرة كسفير في جيبوتي، ودرستها جيدا، وأفهم أن إريتريا لن تسمح لأديس أبابا بأن تحصل على هذا المنفذ".

تغير لغة واشنطن


وفيما يبدو أنه تحول عن موقف إدارة ترامب الحالية وخلال ولايته السابقة، بشأن ملف مياه النيل، قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق للشؤون الأفريقية، تيبور ناجي: على مصر إعادة تقييم نهجها بملف مياه النيل، والاعتراف بحق إثيوبيا بتنمية مواردها المائية، مضيفا أن أديس أبابا تملك حقوقا في مياه النيل، وأن التوصل إلى اتفاق دائم يتطلب اعترافا متبادلا بحقوق جميع الأطراف، مشيرا إلى دعم مطلب إثيوبيا بالحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.

وفي رؤيته لمشهد التغيرات الأمريكية في ملف مياه النيل من دعم مصر إلى دعم إثيوبيا وخاصة بعد إعلان توسيع التحالف العسكري والدفاعي الأمريكي الإثيوبي الشهر الماضي، وممارسة أمريكا الضغوط على مصر  باتهامها بنك مصر في الإمارات بتمويل الحرس الثوري الإيراني، قال الدبلوماسي المصري: "لأمريكا مصالح مع مصر ولدينا مصالح معها أيضا، وخصوصا مصالح الجيش المصري مع الأمريكي ومصالح البلدين بشكل عام، وهناك تنسيق لا يستغنون عنه ونحن أيضا، وأتصور أن هذه الملفات مناكفة مؤقتة وقصيرة جدا في العلاقات، وأمريكا عندما توقع مع إثيوبيا اتفاقا لتوسيع الشراكة العسكرية هل ستأتي لتحارب مصر مع إثيوبيا؟، بالطبع لن يحدث، وذلك نوع من الضغط خاصة مع حضور الرئيس الصيني إلى القاهرة".

ولفت طه إلى أنه "يجب ألا ننساق ونتعامل مع الصين بمنطق (كيد النسا) في العلاقات الدولية، لمجرد أن لنا خلافات مع دولة أخرى منافسة كأمريكا، لأنها مسألة مؤقتة وأظن أن خلفها خلاف ليس كبيرا بين دولتين، خلاف في التكتيكات والمصالح البسيطة، وسنتجاوزه بعد فترة".

أزمة تجويع


وبشأن قراءته لحل أزمة قد تقود لتجويع 120 مليون مصري بغلق حنفية المياه من النيل الأزرق، وخاصة مع ما يقره طه، وكثير من الخبراء والسياسيين بأن إثيوبيا ليست وحدها وأن خلفها قوى أخرى،  قال إنه "لابد أن تشعر أديس أبابا بقوة الدولة المصرية وتضغط القاهرة عليها بوسائل كثيرة وليست الحرب الوسيلة الوحيدة، فهناك وسائل ضغط كثيرة يمكن ممارستها كمحاولة حنقه كما يحاول أن يخنقني".

اظهار أخبار متعلقة



وأضاف: "كل الدول تدافع عن نفسها؛ فلماذا عندما يضر ببلدي بعطش شعب أو موت زرع أو فيضانات قاتلة، لماذا لا أدافع عن نفسي بالوسائل العسكرية ضد تهديد وجودي؟"، مؤكدا أنه "يجب أن أهدد حياتك بالوسائل المشروعة وغير المشروعة وخاصة بعدما استنفذت كل وسائل التفاوض مدة 10 سنوات، والعالم كله يشهد، وإيطاليا وأمريكا يعرفون الحقيقة".

وختم بالقول: "لكن هناك أخطاء من جانبنا، فلم يكن هناك أحد يقدر أن يجبرنا على السماح ببناء السد، بعهد جمال عبدالناصر وأنور السادات وحتى حسني مبارك، لذلك لا نعفي أنفسنا من الخطأ ومجرد موافقتنا على اتفاق المبادئ دون ضمانات كان هذا الخطأ الكبير، والآن على الدولة المصرية أن ترعى مصالحها ومصالح شعبها بالوسائل المشروعة وغير المشروعة".
التعليقات (0)