من فيضانات نيبال إلى أزمة مياه إسرائيل.. هآرتس تحذر من مستقبل قاتم

أزمة المياه التي واجهتها إسرائيل قدمت لمحة عما قد يبدو عليه المستقبل القريب - CC0
أزمة المياه التي واجهتها إسرائيل قدمت لمحة عما قد يبدو عليه المستقبل القريب - CC0
شارك الخبر
أعادت سلسلة من الكوارث والظواهر المناخية المتطرفة خلال الأسابيع الأخيرة الحديث عن مستقبل الكوكب إلى الواجهة، في وقت تتزامن فيه فيضانات مدمرة وحرائق واسعة وارتفاع قياسي في درجات حرارة المحيطات مع واحدة من أشد موجات الحر التي شهدتها أوروبا.

وأشارت صحيفة "هآرتس" إلى أن أزمة المياه التي واجهتها إسرائيل هذا الأسبوع قدمت لمحة عما قد يبدو عليه المستقبل القريب، بعدما أصبح حتى الاحتياج الأساسي إلى المياه مهددًا، بالتزامن مع أشد صيف في تاريخ أوروبا، وحرائق وفيضانات واسعة ضربت مناطق مختلفة من آسيا.

وبالنسبة إلى متابعي أفلام الكوارث، بدت المشاهد التي خرجت من نيبال خلال الفيضان الهائل الذي ضرب البلاد قبل أكثر من أسبوع وكأنها مقتبسة من أحد أفلام هوليوود. فخلال العقود الماضية، اعتادت أفلام الكوارث تقديم صور لمدن تغمرها المياه، غالبًا نيويورك، أو نيازك تضرب الأرض، أو قنابل نووية، أو عواصف مميتة، وتنتهي تلك القصص عادة بمشهد لعالم يتغير بصورة لا رجعة فيها.

لكن ما حدث في نيبال لم يكن مشهدًا سينمائيًا، ولم تُستخدم فيه تقنيات المؤثرات أو الشاشات الخضراء لصناعة الرعب. فقد التقط الناس العاديون هذه المشاهد بهواتفهم أثناء وجودهم في أعمالهم أو مدارسهم، فيما سجلت كاميرات المراقبة مشاهد أخرى للكارثة.

وأوضحت "هآرتس" أن أحد التسجيلات أظهر معبرًا حدوديًا بين نيبال والتبت يختفي بالكامل خلال ثوانٍ، بينما أظهر تسجيل آخر مجموعة من العمال وهم يحاولون النجاة بصعوبة من المياه، في حين وثق مقطع ثالث قرية تختفي تحت سيول من الطين.

وبحسب الصحيفة، تجاوز عدد القتلى في نيبال حتى الآن 1200 شخص، بينما لا يزال أكثر من 4200 شخص في عداد المفقودين.

لكن كارثة نيبال، وفق "هآرتس"، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة من الأحداث المناخية والبيئية القاسية التي شهدها العالم خلال الأسابيع الماضية. فقد سجلت المحيطات مرة أخرى درجات حرارة قياسية، فيما تشير نماذج المناخ إلى أن ظاهرة "النينيو" المنتظر أن تضرب العالم خلال الخريف قد تكون بقوة غير مسبوقة.

اظهار أخبار متعلقة


وفي أوروبا، لا تزال الدول تحاول التعافي من أشد صيف في تاريخ القارة، والذي أدى، من بين أمور أخرى، إلى وفاة ما لا يقل عن 35 ألف شخص وجفاف عدد من الأنهار الرئيسية. كما اندلعت حرائق واسعة في إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة، بينما تسببت الفيضانات في الهند وبنغلاديش والصين في نزوح عشرات الآلاف من منازلهم.

وفي إسرائيل أيضًا، ظهرت خلال هذا الأسبوع، بحسب الصحيفة، صورة عن مستقبل قد لا يكون بعيدًا، بعدما أصبح توفير المياه نفسه موضع تهديد.

وأشارت "هآرتس" إلى أن ازدهارًا للطحالب بدأ عند مصب النيل ثم انتشر سريعًا باتجاه الشمال، ما أدى إلى إغلاق خمس من أصل ست محطات لتحلية المياه في إسرائيل. وحتى وقت إعداد التقرير، كانت البلاد تواجه أزمة مياه وطنية غير مسبوقة.

ونقلت الصحيفة عن عدد من العلماء أن ارتفاع درجة حرارة مياه البحر المتوسط ربما يكون قد ساهم في حدوث هذا الازدهار غير الطبيعي للطحالب، مشيرة إلى أنه إذا ثبتت صحة هذا الارتباط، فإن التوقعات تشير إلى احتمال تكرار مثل هذه الظواهر مستقبلًا.

ومع ذلك، أكدت "هآرتس" أن ازدهار الطحالب، مثل كارثة نيبال، لا يمكن في الوقت الحالي ربطه بشكل مباشر بأزمة المناخ. فالانهيارات الأرضية في جبال الهيمالايا وازدهار الطحالب على سواحل شرق حوض البحر المتوسط حدثا أيضًا قبل أن يبدأ البشر في تلويث الغلاف الجوي.

لكن الصحيفة أشارت إلى أن الأمر يشبه حالة مدخن شره يُتوقع أن يعاني من مزيد من الأمراض، فكلما ارتفعت انبعاثات غازات الدفيئة على الكوكب، زادت التوقعات بارتفاع وتيرة الظواهر المناخية والبيئية المتطرفة وشدتها.

اظهار أخبار متعلقة


وفي هذا السياق، كتب عالم المناخ البروفيسور مايكل مان هذا الأسبوع أن قمم جبال الهيمالايا ظلت متماسكة لآلاف السنين بفضل طبقة غير مرئية من الجليد المتجمد، تشمل التربة الصقيعية والأنهار الجليدية المرتبطة بالصخور القديمة، والتي جعلتها تبدو كحصون منيعة، لكن ارتفاع درجة حرارة الأرض بدأ يؤدي إلى ذوبان هذا الهيكل.

كما نقلت "هآرتس" عن جاك جيلرون، الأستاذ الفخري في معهد أبحاث المياه بجامعة بن غوريون في النقب، قوله هذا الأسبوع إن معدل نمو الطحالب يرتفع كلما ارتفعت درجة حرارة البحر.

"أكبر كذبة على الإطلاق"

وترى "هآرتس" أن مقاطع الفيديو المنتشرة، والقياسات المناخية المثيرة للقلق، وتوقعات العلماء، إلى جانب عدم اكتراث الأنظمة السياسية بالكارثة المناخية المقبلة، كلها عوامل تعيد إلى الواجهة حالة من التشاؤم المفرط بين علماء وصحفيين وناشطين في مجال البيئة.

وتقوم هذه الرؤية على الاعتقاد بأن المعركة ضد تغير المناخ قد خُسرت بالفعل، وأن على البشر الاستعداد لانهيار حتمي للحضارة الإنسانية، وارتفاع معدلات الوفيات إلى مستويات لا يمكن تصورها.

وأشارت الصحيفة إلى ما كتبه آدم مكاي، مبتكر مسلسل "لا تنظر للأعلى" الذي عرضته نتفليكس، مؤخرًا في مجلة "كارنت أفيرز"، عندما تحدث عن ما وصفه بـ"كذبة نادرة وكبيرة تتجاوز كل الأكاذيب الأخرى"، وهي الاعتقاد بأن العالم لا يزال يملك وقتًا للتعامل مع أزمة المناخ.

وقال مكاي إن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين مئويتين سيؤدي إلى فقدان المناخ المستقر الذي ساد خلال عصر الهولوسين، وهو العصر الذي استمر 11 ألف عام وشهد ظهور الزراعة وتدجين الحيوانات ونشوء المدن وتطور اللغة المكتوبة والعلوم والطب، إلى جانب ظهور الأسرّة والاستحمام بالماء الساخن.

وأضاف أن استمرار المؤسسات ووسائل الإعلام والمسؤولين المنتخبين في الترويج لما وصفه بأكاذيب شركات النفط، والقائلة إن انهيار المناخ يمثل مشكلة يجب أن يقلق بشأنها الأحفاد، سيقود إلى انهيار الحضارة كما يعرفها البشر، وقد يؤدي إلى وفاة مليارات الأشخاص.

وأكد مكاي أن الحديث لا يتعلق بمستقبل بعيد، وإنما بانهيار يمكن أن يحدث خلال سنوات وليس قرونًا.

كما تحدث عالم الجيولوجيا والمناخ البريطاني بيل ماكواير مؤخرًا في بودكاست شهير عن استعداده لتخزين المياه والغذاء.

وقال ماكواير إن الأمر بديهي، مشيرًا إلى العام السابق، عندما كان موسم الحصاد في المملكة المتحدة وأوروبا هو الأسوأ، وأن أسوأ ثلاث سنوات جاءت بعد ذلك منذ عام 2020. وأضاف أنه كان يعرف أن ذلك سيحدث، وأن علماء المناخ كانوا يعرفون ذلك أيضًا، لكن سرعة حدوثه كانت صادمة.

وفي تطور آخر، أعلن روجر هالام، مؤسس حركة "تمرد ضد الانقراض"، مؤخرًا تأسيس حركة جديدة تحمل اسم "أربعة مليارات".

وأوضحت "هآرتس" أن الرقم الذي اختاره هالام يشير، بحسب قوله، إلى عدد الأشخاص الذين يُتوقع أن يموتوا بسبب أزمة المناخ بحلول نهاية القرن.

لكن الصحيفة أشارت إلى أن مصدر هذا الرقم المثير للقلق ليس سيناريو من أفلام هوليوود أو رؤية كارثية لزعيم طائفة، وإنما تقرير صادر عن الجمعية البريطانية للاكتواريين ونُشر العام الماضي بالتعاون مع جامعة إكستر.

وأظهر رقم أربعة مليارات في ملحق التقرير، ويشير إلى السيناريو الأكثر تطرفًا، الذي ترتفع فيه درجة حرارة الأرض بمقدار ثلاث درجات مئوية مقارنة بالمستوى الذي كان سائدًا في عصر ما قبل الصناعة، وهو سيناريو يترافق مع تجاوز نقاط التحول المناخية وانهيار اقتصادي واجتماعي وسياسي.

وأكد مؤلفو التقرير الإكتواري البريطاني أن هذا السيناريو متطرف للغاية، لكن الخلاصة، بحسب الصحيفة، أن التقرير أعده أشخاص تتمثل وظيفتهم في تقييم المخاطر.

وأوضح هيلم أن الحديث يدور عن ما يعادل 80 ضعف حجم الحرب العالمية الثانية خلال 40 عامًا، مضيفًا أنه حتى في السيناريو المتفائل لن يتجاوز الرقم ما يعادل 40 حربًا عالمية ثانية.

اظهار أخبار متعلقة


وفي الاتجاه نفسه، ظهرت صورة مقلقة أخرى هذا الأسبوع مع صدور تقرير جديد عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

وأكدت "هآرتس" أن التقرير يدحض بشكل حاسم ما ظل علماء المناخ يؤكدونه منذ فترة طويلة، وهو أن هدف إبقاء ارتفاع درجات الحرارة دون 1.5 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية لم يعد قابلًا للتحقيق.

ووفقًا للتقرير، سيصل الاحترار العالمي إلى 1.8 درجة مئوية حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلًا، وهو ما سيرافقه مزيد من موجات الحر والفيضانات والعواصف والجفاف، إلى جانب أضرار في الإنتاج الزراعي وتدمير للشعاب المرجانية وتهديد للغابات المطيرة، فضلًا عن آثار أخرى كثيرة.

المستقبل، رغم كل شيء

وتشير جميع المؤشرات، بحسب "هآرتس"، إلى أن ظاهرة "النينيو" ستؤدي إلى ظواهر جوية متطرفة في مناطق مختلفة من العالم خلال فصلي الخريف والشتاء المقبلين.

كما من المؤكد، وفق الصحيفة، أن عام 2027 سيكون العام الأكثر دفئًا على الإطلاق، متجاوزًا الرقم القياسي المسجل في عام 2024.

وتتوقع هيئة الأرصاد الجوية في إسرائيل هطول أمطار غزيرة وحدوث فيضانات خلال الأشهر المقبلة. وفي الأسبوع الماضي، شهدت المنطقة حدثًا غير معتاد في نهاية أغسطس، عندما هطلت أمطار غزيرة بلغت عشرات المليمترات في لبنان، ولم تصل إلى شمال إسرائيل إلا بالمصادفة.

لكن "هآرتس" تشير في الوقت نفسه إلى أن الصورة ليست قاتمة بالكامل.

ففي اليوم الذي صدر فيه تقرير الأمم المتحدة، نُشرت أيضًا تحليلات لنماذج مناخية سيستخدمها علماء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ "IPCC" في تقاريرهم المقبلة.

وتُعد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أعلى هيئة علمية تقدم المشورة إلى الأمم المتحدة في قضايا الاحتباس الحراري.

ووفقًا لهذه التحليلات، تراجعت فرص إبقاء الاحتباس الحراري دون 1.8 درجة مئوية إلى الصفر، كما أن حتى السيناريوهات الأكثر تطرفًا التي كانت موجودة في النماذج القديمة لم تعد ممكنة.

وأشارت الصحيفة إلى أن التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، والانخفاض الكبير في أسعار الطاقة النظيفة، وتنظيم انبعاثات غازات الدفيئة، ساهمت في تجنب سيناريو كان من شأنه أن يهدد استمرار وجود الجنس البشري، وهو ارتفاع درجات الحرارة إلى 4.5 درجة مئوية أو أكثر.

وهذا لا يعني، بحسب "هآرتس"، أن البشرية نجت من الأزمة، لكنه يعني أن هناك ما يزال ما يستحق النضال من أجله.

فمع انتشار مزارع الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح والمركبات الكهربائية ومضخات الحرارة، أصبح منحنى الانبعاثات مستقرًا إلى حد كبير.

وإذا تمكن المجتمع الدولي خلال السنوات المقبلة من توحيد جهوده واتخاذ الإجراءات المطلوبة، فسيكون من الممكن أيضًا تغيير اتجاه هذا المنحنى والبدء في تصور اليوم الذي يرى فيه الأحفاد نهاية للأزمة.

وترى الصحيفة أن آدم مكاي محق في رفض فكرة أن "ما زال لدينا وقت"، لأن الوقت ينفد بالفعل، والكارثة تحدث الآن، ومن المتوقع أن تستمر في التفاقم.

لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنه إذا استيقظت الحكومات وقادت تحركات جادة، فلا يزال من الممكن تجنب "يوم القيامة" الذي يتصوره المتشائمون.

وفي يوم الأربعاء، ظهر تسجيل مصور آخر، لكن هذه المرة من الفلبين.

فقد كان الزوجان ليان وجيلبرت قد خططا لإقامة حفل زفافهما في كنيسة القديس يوحنا المعمدان في مقاطعة غونوي، إلا أن عاصفة موسمية قوية تسببت في غمر الكنيسة بالمياه حتى عمق يقارب قدمين.

ورغم ذلك، قرر الزوجان عدم تغيير خطتهما.

وأظهر في التسجيل المصور أن العروس تسير بوجه حزين عبر المياه الموحلة باتجاه زوجها والكاهن والمصور وعدد قليل من أفراد العائلة. وكان الجميع يقفون في مياه وصلت إلى مستوى الركبتين، بينما كان ذيل فستان العروس يطفو خلفها.

وأشارت "هآرتس" إلى أن هذا المشهد يمكن النظر إليه باعتباره رمزًا للفشل والهزيمة، لكنه يمكن أيضًا أن يمثل رمزًا للعزيمة والحاجة إلى الاستمرار، مهما كانت الظروف.
التعليقات (0)