لم تكن أصوات الرصاص التي دوّت في نيامي
أواخر آب/أغسطس مجرد محاولة
تمرد عسكري فاشلة في عاصمة أفريقية مضطربة؛ فقد سرعان
ما تحولت إلى مواجهة سياسية ذات أبعاد إقليمية ودولية، بعدما اتهمت السلطات
النيجرية فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون بالوقوف خلف العملية، وهددت باللجوء إلى
المحاكم الدولية، بينما كانت القوات الروسية حاضرة إلى جانب قوات الحرس الرئاسي في
إحباط التحرك، قبل أن تعلن الجزائر إرسال مقاتلات "سوخوي" إلى النيجر
دعماً لاستقرارها.
وبين
اتهامات نيامي لباريس، والتدخل الروسي
المتزايد، والتحرك الجزائري غير المسبوق، تتكشف ملامح صراع أكبر على بلد بات يمثل
إحدى أهم ساحات إعادة تشكيل النفوذ في الساحل الأفريقي؛ صراع لم يعد يدور فقط حول
من يحكم النيجر، وإنما حول من يملك مفاتيح أمنها وثرواتها وحدودها واتجاهها
الاستراتيجي بعد انهيار النفوذ الفرنسي التقليدي.
اتهام مباشر لفرنسا وماكرون
وجّه مجلس الوزراء النيجري، خلال اجتماع
ترأسه رئيس المجلس العسكري عبد الرحمن تياني، أصابع الاتهام إلى فرنسا، قائلاً إن
محاولة التمرد التي وقعت يومي 28 و29 آب/أغسطس لم تكن مجرد تمرد داخلي، وإنما
عملية ذات "تداعيات دولية" حرضت عليها ودعمتها شبكة واسعة من المتواطئين
بقيادة النظام الفرنسي، بحسب البيان الذي بثه التلفزيون الرسمي.
وقالت السلطات إن عناصر عسكرية متمردة جرى
تحريضها وتنفيذها لما وصفته بـ "طموحات" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
في النيجر، والتي قالت نيامي إنها لم تتمكن من تحقيقها بالوسائل الأخرى.
ويأتي هذا الاتهام في سياق قطيعة سياسية
وعسكرية عميقة بين النيجر وفرنسا منذ الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد
بازوم في تموز/يوليو 2023. فقد أخرجت السلطات العسكرية القوات الفرنسية من البلاد،
وأعادت توجيه شراكاتها الأمنية نحو روسيا ودول الساحل، ضمن تحول جيوسياسي واسع في
المنطقة.
ولم تقدم السلطات النيجيرية، في إعلانها
الأخير، تفاصيل علنية عن الأدلة التي قالت إنها بحوزتها. إلا أنها أكدت أنها جمعت "وثائق
وافية" بشأن ما وصفته بـ "العدوان"، وأنها تحتفظ بحقها في اتخاذ
إجراءات أمام المحاكم الدولية. وتفيد تقارير إعلامية بأن الاتهامات الفرنسية
الجديدة لم تُرفق حتى الآن بأدلة تفصيلية منشورة للعلن.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتهم فيها
قيادة تياني أطرافاً خارجية بالتورط في أعمال تستهدف نظامها؛ فقد سبق لها في كانون
الثاني/يناير أن اتهمت فرنسا وبنين وساحل العاج بالوقوف وراء هجوم استهدف مطار
نيامي، من دون تقديم أدلة علنية تثبت تلك الاتهامات.
ماذا حدث في نيامي؟
اندلعت محاولة التمرد في العاصمة النيجرية
خلال الليل بين 28 و29 آب/أغسطس، عندما تحركت مجموعة من العسكريين، معظمهم من
القوات الخاصة، ضد مواقع استراتيجية في نيامي.
واستهدف المتمردون خصوصاً القاعدة الجوية
101 الواقعة داخل مجمع مطار ديوري حماني الدولي، إضافة إلى محيط القصر الرئاسي
ومقر التلفزيون الرسمي.
وسُمع إطلاق نار وانفجارات في عدد من مناطق
العاصمة، كما حاول المتمردون السيطرة على منشآت حيوية، في وقت بقي فيه الموقف داخل
المؤسسة العسكرية غير واضح لعدة ساعات. وتمكن المتمردون بالفعل من السيطرة على
أجزاء من المطار والقاعدة الجوية قبل أن تبدأ القوات الموالية للنظام هجوماً
مضاداً.
وبحسب تقارير صحفية، كان من بين المشاركين
ضباط شباب من القوات الخاصة، بعضهم خدم في مناطق تشهد مواجهات دامية مع الجماعات
المسلحة في شمال وغرب البلاد.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في
الأزمة: فمحاولة التمرد لا تبدو، وفق المعطيات المتاحة، مجرد عملية مدفوعة بعامل
خارجي، بل تأتي أيضاً في ظل تذمر داخل الجيش بسبب الخسائر المتزايدة في المعارك ضد
الجماعات الجهادية وتدهور الوضع الأمني في مناطق عدة من البلاد.
روسيا تحسم المواجهة
إذا كانت محاولة التمرد قد كشفت عن وجود
تصدعات داخل المؤسسة العسكرية النيجرية، فإن طريقة إنهائها كشفت في المقابل عن مدى
اعتماد النظام الجديد على حلفائه الروس.
فقد تدخلت عناصر من "الفيلق الإفريقي" الروسية إلى جانب
القوات الموالية لتياني، وساهمت في استعادة السيطرة على القاعدة الجوية 101.
وتحدثت مصادر عن وجود نحو 200 عنصر روسي في
القاعدة، بينما أكدت موسكو أن أفراد "الفيلق
الإفريقي" شاركوا في
عملية قمع التمرد. كما أشارت تقارير إلى استخدام وسائل برية وجوية خلال استعادة
القاعدة.
وكانت أهمية القاعدة مضاعفة؛ فهي ليست مجرد
منشأة عسكرية، وإنما تقع داخل مطار نيامي الدولي، وتستضيف عناصر مرتبطة بالترتيبات
الأمنية الجديدة في منطقة الساحل.
وبذلك تحولت محاولة التمرد إلى اختبار عملي
للتحالف الروسي-النيجري، بعدما كانت موسكو قد حلت تدريجياً محل باريس كشريك أمني
رئيسي للنظام.
الجزائر تتحرك.. أربع مقاتلات سوخوي تصل
نيامي
وفي خضم الأزمة، جاء التحرك الجزائري ليمنح
حكومة تياني دعماً إقليمياً واضحاً. فقد أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية في 30 آب/أغسطس إرسال أربع مقاتلات
من طراز Su-30 إلى النيجر،
في إطار مهمتي دورية، مرفقة بطائرة للتزود بالوقود.
وقالت الوزارة إن الخطوة جاءت استجابة لطلب
السلطات النيجرية وبعد الأحداث التي شهدتها نيامي، ووصفت المهمة بأنها دعم للجيش
النيجري في مواجهة محاولة زعزعة استقرار البلاد.
وهبطت الطائرات الجزائرية في مطار نيامي،
وكان رئيس الوزراء النيجري ماهامان لامين زين في استقبالها، حيث نقلت وزارة الدفاع
الجزائرية عنه توجيه الشكر إلى الرئيس عبد المجيد تبون والشعب الجزائري على ما
وصفته بـ "الدعم النوعي".
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن
الجزائر ظلت تاريخياً حذرة للغاية تجاه إرسال قوات أو وسائل عسكرية إلى خارج
حدودها، قبل أن تفتح تعديلات دستورية الباب أمام مشاركة الجيش في مهام خارجية ضمن
أطر محددة.
ويُنظر إلى التحرك الجزائري على أنه يحمل
رسالة سياسية وأمنية تتجاوز مجرد الدعم العسكري، إذ يعكس رغبة الجزائر في الحفاظ
على نفوذها في منطقة الساحل، في وقت تشهد فيه المنطقة تنافساً متزايداً بين قوى
دولية وإقليمية.
لماذا النيجر مهمة بالنسبة للجزائر؟
لا ينفصل التحرك الجزائري عن موقع النيجر
الجغرافي والسياسي. فالبلدان يشتركان في حدود طويلة، كما تمثل النيجر إحدى البوابات
الرئيسية للجزائر نحو منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
وتنظر الجزائر إلى استقرار حدودها الجنوبية
باعتباره مسألة أمن قومي، خصوصاً في ظل تمدد الجماعات المسلحة وتراجع قدرة دول
الساحل على ضبط حدودها الواسعة.
كما أن إعادة رسم التحالفات في المنطقة تجعل
النيجر جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بمن يملك التأثير في الساحل: فرنسا والقوى
الغربية من جهة، وروسيا وحلفاؤها من جهة أخرى، إلى جانب القوى الإقليمية مثل
الجزائر.
ومن هذه الزاوية، فإن إرسال المقاتلات
الجزائرية إلى نيامي لا يمكن فصله عن رغبة الجزائر في منع انهيار حليف حدودي،
والحفاظ على موقعها كلاعب أمني رئيسي في الساحل.
من فرنسا إلى روسيا والجزائر.. خريطة
تحالفات جديدة
تكشف التطورات الأخيرة عن حجم التحول الذي
شهدته النيجر خلال ثلاث سنوات فقط. فالنظام الذي أطاح بمحمد بازوم عام 2023 دخل في مواجهة مفتوحة مع
فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة والشريك العسكري التقليدي للنيجر، قبل أن ينهي
الوجود العسكري الفرنسي في البلاد.
وفي المقابل، تعمقت العلاقات مع روسيا، التي
باتت قواتها حاضرة على الأرض عبر "الفيلق
الإفريقي"، بينما عززت نيامي علاقاتها مع مالي وبوركينا فاسو ضمن تحالف دول
الساحل.
وتقول تقارير إن روسيا أصبحت لاعباً أمنياً
مباشراً في النيجر، وليس مجرد مورد للسلاح أو شريك سياسي، وهو ما ظهر بوضوح في
طريقة التعامل مع محاولة التمرد الأخيرة.
أما الجزائر، فقد اختارت في الأزمة الأخيرة
الوقوف بوضوح إلى جانب السلطات في نيامي، وإن كان تحركها مختلفاً في طبيعته عن
الوجود الروسي المباشر.
وهكذا تبدو النيجر وكأنها تتحول إلى إحدى
أبرز ساحات إعادة تشكيل النفوذ في أفريقيا، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على مواجهة
الجماعات المسلحة، بل امتد إلى منظومة التحالفات التي تحدد من يملك القرار الأمني
والسياسي في المنطقة.
لكن هل المشكلة خارجية فقط؟
رغم حدة الاتهامات التي وجهتها نيامي إلى
باريس، فإن محاولة التمرد كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة داخلية يصعب تجاهلها. فالجيش النيجري يخوض منذ
سنوات حرباً قاسية ضد تنظيمات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة، خصوصاً
في المناطق الحدودية مع مالي وبوركينا فاسو.
وقد تعرضت القوات الحكومية خلال الأشهر
الماضية لخسائر كبيرة، الأمر الذي غذى حالة من الاستياء بين بعض العسكريين.
وتشير تقارير فرنسية وأمريكية إلى أن التمرد
قاده ضباط شباب من القوات الخاصة، وبعضهم كان مرتبطاً بالعمليات العسكرية في
المناطق التي تشهد أعنف المعارك. كما أن بعض الوحدات العسكرية لم تتحرك فوراً ضد
المتمردين، ما أثار تساؤلات بشأن حجم التماسك داخل المؤسسة العسكرية.
وبالتالي، فإن تفسير الأزمة باعتبارها
مؤامرة خارجية فقط قد يحجب عاملاً داخلياً أساسياً: الإرهاق العسكري وتفاقم
التهديد الجهادي وتزايد الضغوط على الجيش.
أزمة النظام نفسه.. انقلابيون يواجهون شبح
الانقلاب
تحمل محاولة 29 آب/أغسطس مفارقة سياسية
لافتة. فالرجل الذي وصل إلى
السلطة عبر انقلاب عسكري في تموز/يوليو 2023، وجد نفسه بعد ثلاث سنوات تقريباً
أمام محاولة انقلاب تستهدفه هو نفسه.
ويبدو أن نجاح تياني في تجاوز الأزمة لا
يعني أن الخطر انتهى، بل ربما كشف عن تحديات أعمق داخل نظامه. فالقوات التي يفترض أن
تكون عماد النظام الأمني تواجه حرباً مفتوحة على أكثر من جبهة، بينما يعتمد النظام
بصورة متزايدة على شركاء أجانب، وفي مقدمتهم روسيا.
كما أن اللجوء إلى الدعم الروسي خلال
التمرد، ثم وصول الطائرات الجزائرية بعد ذلك، يعكس حاجة النظام إلى شبكة واسعة من
الحلفاء للحفاظ على تماسكه في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
نيامي تلوّح بالقضاء الدولي
وتريد السلطات النيجرية أن تجعل من اتهام
فرنسا قضية تتجاوز حدود الخطاب السياسي. فبيان مجلس الوزراء تحدث صراحة عن إمكانية اللجوء إلى المحاكم الدولية،
قائلاً إن الحكومة جمعت وثائق حول ما تعتبره «عدواناً» خارجياً.
لكن انتقال القضية إلى مسار قانوني دولي
سيتطلب تقديم أدلة قابلة للتحقق حول طبيعة الدعم الذي تزعم نيامي أن باريس قدمته
للمتمردين، وهو أمر لم تكشف السلطات تفاصيله حتى الآن.
وهنا يبقى الفارق مهماً بين الاتهام السياسي
والإثبات القانوني؛ فالمعلومات المتاحة تؤكد وقوع التمرد، كما تؤكد التدخل الروسي
إلى جانب النظام والتحرك الجزائري اللاحق، لكنها لا توفر حتى الآن أدلة علنية
مستقلة تثبت أن الحكومة الفرنسية أو الرئيس ماكرون أمرا أو نسقا العملية.
الساحل أمام مرحلة جديدة
في المحصلة، تبدو محاولة التمرد في نيامي
أكبر من مجرد حادث أمني عابر. فهي كشفت هشاشة داخلية في المؤسسة العسكرية، وأظهرت في الوقت نفسه مدى
اعتماد نظام تياني على حلفائه الجدد، ولا سيما روسيا.
وفي المقابل، جاء التحرك الجزائري ليؤكد أن
أمن النيجر لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من حسابات أمنية وجيوسياسية
أوسع في الساحل وشمال أفريقيا.
أما فرنسا، التي كانت لسنوات القوة الخارجية
الأكثر حضوراً في المنطقة، فتجد نفسها في قلب اتهامات النظام النيجري رغم انسحابها
العسكري من البلاد.
وبين اتهامات نيامي لباريس، والتدخل الروسي
المباشر، والتحرك العسكري الجزائري، فإن محاولة تمرد فاشلة في قاعدة جوية بالعاصمة
كشفت مرة أخرى أن معركة النفوذ في الساحل لم تنته بخروج القوات الفرنسية؛ بل دخلت
مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع التنافس الإقليمي والدولي
على مستقبل واحدة من أكثر مناطق أفريقيا اضطراباً.
اظهار أخبار متعلقة